يا فاشل يا فاشل.. في مديح الفشل

صلاح وضع كلمات الفشل تحت قدميه وركلها كما يركل الكرة، فعلا شأنه وصار أسطورة الكرة وأسطورة العرب، ولو كان وضعها في رأسه لأثقلته وقضمت من موهبته.
الاثنين 2018/06/18
ترسيخ ثقافة النجاح لدى الطفل

لم يعد نداء “يا فاشل، يا فاشل” مجرد كلمات يتندر بها البعض، أو جملة مقتطعة من فيلم سينمائي شهير يتداولها الشباب في أحاديثهم وجلسات سمرهم، بل أصبحت أسلوب حياة يتذرع بها الفاشل الحقيقي ويلفظها من أراد النجاح.

نار قوية تمنح روحا قتالية تسري في الشباب بعد كشف تفاصيل حياة أسطورة العرب ونجم نادي ليفربول المصري محمد صلاح.

كانت رؤية قاصرة من مدرب لصلاح عند اتهامه بالفشل قوة هائلة وطاقة دفع استثمرها الفتى الأسمر ليضعها حجرا صلبا يقف عليه حتى يعلو شأنه بين الجميع ويصبح أيقونة رياضية وتميمة حظ ناديه، لم يتقبل الفتى كلمة الفشل كمسلمة من مسلمات كثيرة نرضعها لأبنائنا فيقتنعون بها وتترسخ في أذهانهم فلا يخيّبون لنا ظنا ويعملون عليها كسلا ورضاء بالأمر الواقع.

وضع صلاح كلمات الفشل تحت قدميه وركلها كما يركل الكرة، فعلا شأنه وصار أسطورة الكرة وأسطورة العرب، ولو كان وضعها في رأسه لأثقلته وقضمت من موهبته.

بدأت دعابة “يا فاشل يا فاشل” تنساب وتتسرب بين الأحاديث العادية في الشارع المصري، بعد أن قالها الفنان حسن حسني في فيلم الباشا تلميذ موجهة للفنان كريم عبدالعزيز تعليقا على إخفاقه في كشف شبكة تجارة المخدرات في إحدى الجامعات الخاصة.

دخل الطفل يحني رأسه خجلا من والديه وبمشاعر طفولية بريئة يبكي حزنا بعد رسوبه في مادة الرياضيات، صرخت الأم “ملحق حساب؟”، وبهت الأب ولكنه احتضن ابنه بقوة وبابتسامة أب حنون وأديب رائع ضحك المترجم محمد السباعي وقال لابنه يوسف “لا عليك لدينا الصيف كله نذاكر معا هذه المادة الجميلة”، لم يثنه رسوب ابنه في الشهادة الابتدائية بسبب هذه المادة اللعينة التي يراها تعذيبية لأطفال يحملون بذرة أدبية حالمة بعيدة كل البعد عن عالم الأرقام الجاف، عن الابتسامة وتقديم الدعم النفسي لابنه.

أقام معسكرا تعليميا تربويا للصغير بإلحاقه بمدرسة أهلية نهارا، والعثور على مدرس خصوصي يلقنه ما لفظه عقله من حسابات وأرقام وطرح وقسمة مساء.

شكر الرجل لهذا “الملحق” صنيعه إذ مكن الصغير من التفرغ لمذاكرة مادة لا ينبغي لها أن تحشر حشرا في مساحة وقتية ضيقة مع غيرها فتضيع ويعجز الطفل عن التركيز عليها ومنحها ما يليق بها من اهتمام. وشكر السباعي نفسه لهذا الرسوب إفساح الوقت لممارسة هوايته الأثيرة في مداعبة البلح الأخضر من فوق النخل وقذفه بالأحجار في طريق العودة من المدرسة أو الذهاب إلى المدرس. أو البحث عن الكنوز المخبأة في جبل الجيوشي كما يصفها السباعي في أحد كتاباته التي أعشقها، إلى جانب التهام “الطعمية” الفلافل الساخنة. كتابات يوسف السباعي الزاخرة ولحظات الصدق مع الذات ووصف مواقف الغباء، هكذا وصفها بكل صدق!

كلها في ظني كانت نتيجة رهان عقده الوالد على ابنه في لحظة فارقة وهو يعقب على “ملحق الحساب” بمقولة “ستنجح يا يوسف وتصير وزيرا”، وسط سخرية الأم مشدوهة بلحظة الرسوب، متمتمة خفية “وزير ساقط بملحق حساب”.

لولا إيمان الأب بقدرات ابنه وتخطي عقبته لحظة الفشل ما كان يوسف السباعي وزيرا للثقافة، وما كتب جبرتي العصر كما وصفه نجيب محفوظ. العمر لحظة، رد قلبي، أرض النفاق، ولا صرخ صرخة الحبيبة المكتومة، إني راحلة. وما أبدع أروع ما زخرت به المكتبة العربية، وكانت أعماله الأعلى توزيعا بين أدباء عصره، وما كان فارس الرومانسية. لو كان والده ظل يردد “يا فاشل.. يا فاشل” لفقدنا قلما في حجم السباعي. الدعم النفسي والمعنوي أحد ضرورات الحياة وأهم مفردات صناعة الإنسان ونواة بنائه، نحتاج دعما هائلا لأبنائنا عوضا عن هدمهم وتكسير عظام أحلامهم بكلمات نتخذها دعابة وهي في حقيقتها قمة الخطأ في حقهم وتورثهم القبح في عيون سكنتها الهزيمة.

أتساءل ماذا لو منحنا أبناءنا وأنفسنا فرصة إعادة اكتشاف الذات بعيدا عن الإحباطات المتعمدة، ورسخنا صناعة النجاح بعيدا عن ادعاءات الظروف الحياتية الصعبة والمظلومية وعوضا عن اتهامهم الدائم بالفشل، دعمناهم بقوة الإرادة والقفز على الصعوبات والقفز مع الحياة كما نفعل احتماء من موج بحر غاضب؟

ترسيخ ثقافة النجاح والعمل الجاد؛ لا أمل في رهان على صدفة ولكن الأمل دائما في الرهان على الموهبة والعمل الحقيقي، وإن فشلنا في شحذ طاقاتهم الإبداعية، فلا أقل من أن نتركهم لرحلة كفاح حقيقي ربما يصيبون فيها الهدف بدلا من ترسيخ ثقافة القبح بكلمات هزلية عدمية.

حين كرم العالم المصري الجليل أحمد زويل بعد حصوله على جائزة نوبل العالمية وردا على سؤاله ما الفرق بين العرب والغرب؟ أجاب “الغرب ليسوا أذكى منا ولكنهم يقفون ويدعمون الفاشل حتى ينجح، أما نحن فنحارب الناجح حتى يفشل”، وفي مديح الإبداع والتفكير قال “لا يمكن أن يبدع الخائفون”.

21