يا كرنفل

باب الأمل الوحيد الذي يبقيه لنا هذا العصر مفتوحا، هو تنشّق المعلومات، فهذا الفعل لن يقوى حتى فايروس كورونا على منعه.
الجمعة 2020/11/27
"الكرنفل" يعيد الشذى من الشام إلى مصر إلى بغداد من جديد

لا عليكم من القاف. فغالبية العرب ومنذ الأزل لا تلفظها، بمن فيهم قريش وكبرى القبائل العربية التي انتشرت في الدول العربية. ولو أني كتبت اسم الوردة بالقاف، لكان باهتا، فهو إما بالهمزة الشآمية التي ستجعله صعب اللفظ والكتابة، أو بالكاف الآرامية الغالبة رشيقة الانسياب في حجرة الكلام.

“يا كرنفلْ.. يا كرنفلْ.. بابا بابا، أنا ماخذلك سلامه تكشكشك يا فلان والله، كشكشاني كشكشاني كشكشاني”. يأخذ “الكرنفل” ذو الورق المخملي الملون، مكانه بدلال وغنج في الأغنية التي لن أضيف شيئا آخر عنها. من أرادها فليبحث عنها بنفسه، ولن يندم؛ أغنية حب قصيرة نبتت شرق الفرات، اختلطت فيها العاطفة مع الطبيعة والإنشاد الروحي، الحب والثقافات البعيدة والقريبة، مع أنها ليست من التراث.

باب الأمل الوحيد الذي يبقيه لنا هذا العصر مفتوحا، هو تنشّق المعلومات، فهذا الفعل لن يقوى حتى فايروس كورونا على منعه. ومن بين تلك المعلومات، المفردات والدقائق الصغيرة للأشياء من حولنا، وهي ليست تلك التي كوّنتنا كما يقال عادة، بل هي في الواقع تكوّننا الآن.

حتى وإن كنا قد تعرفنا إلى قصة ما في الماضي، أو قصيدة أو فيلم، فإننا لا يجب أن نفوّت فرصة عيش التجربة ثانية. لقد تغيّر المتلقّي هنا عبر الزمن، وسيكتشف أمورا لم يكن يراها حين قرأ أو سمع أو شاهد أول مرة.

كلمة واحدة تجرّك خلفها، كالفراشات التي تسرق من يلاحقها من ربوة إلى ربوة، حتى يجد روحه وهي تغادر مع “الكرنفل” أزقّة الكاظمية، إلى مصر عبدالحليم حافظ الذي غنى باسم ذلك الورد أغنية رائقة وأهداها إلى الأيقونة سعاد حسني، ثم ستلامس السندريلا يدك بدورها وتسحبك نحو مكان آخر.

قبل سنوات طويلة، أخذني أحد خطاطي دمشق الكبار إلى شارع ضيق يقع خلف مبنى المشيرية الأثري. وهناك دلّني على لوحات عُلّقت على شرفات عمارات قديمة جلّلها الغبار. قال لي إن تلك اللافتات كتبها ووقع عليها الخطاط السوري محمد حسني البابا، والد سعاد حسني ونجاة الصغيرة، وشقيق الممثل الكوميدي الشهير أنور البابا.

كان محمد حسني أستاذا لجيل كامل من كبار الحروفيين العرب، حفظوا لنا منذ مطلع القرن العشرين، الحرفة العظيمة التي لا مثيل لها في بقية الثقافات، حرفة تحتفل فيها اللغة العربية بحروفها الراقصة. ومن بين تلاميذه الذين أجازهم ومنحهم شهادة الخط كان الخطاط العملاق هاشم محمد البغدادي الذي صار لاحقا، أستاذا للجميع من المشرق إلى المغرب، ومن تراثه تعلّمنا تمييز مَشقات الحروف. وهكذا يعود “الكرنفل” من رحلته فيعيد الشذى من الشام إلى مصر إلى بغداد من جديد.

24
مقالات ذات صلة