يا كيم

لا أتوقف عن التفكير في "تونيا" ذلك الزمن المستقبلي، بعد 132 عاما قادما، هل ستقول لزوجها حين ترى أن حروف الرسالة قد كتبت باللغة العربية: ابحث في الإنترنت؟ أم ستقول له "لا تتعب نفسك".
الجمعة 2018/03/09
ماذا عن الرسائل التي نلقيها، نحن، في بحر الزمن الحالي؟ من الذي سيعثر عليها ذات يوم؟

أحدٌ ما، لا نعرف من هو، أقنع الذهنية العربية بأن الجدية هي النكد والتنكيد والتنغيص. فصار على جميع اللحظات الحاسمة في تاريخ العرب وحاضرهم أن تمر في مناخات سوداء. ولعل هذا ما يفسر ما ذهب إليه المفكر المغربي الكبير الراحل محمد عابد الجابري من أن هناك علة خَلقية تكوينية في العقل العربي.
تدخل المعلومات من هذه الجهة، فتلتهمها الآليات داخل العقل العربي ويصبح من المتوقع أن تخرج من الجهة الثانية على شكل استخلاصات طبيعية يستفاد منها، غير أن شيئا ما يحدث، لا أحد يعرف ما هو، يجعل من النتائج عجباً عجاباً. ولا أجد، من طرفي، سوى البيئة المزاجية سبباً لهذا التحوّل اللاعلمي الإعجازي.
وقد نشرت “العرب” قبل يومين، خبراً يقول إن زوجين أستراليين عثرا على زجاجة ملقاة في البحر. تم رميها في مياه البحر من سفينة ألمانية اسمها “باولا”. دفعت الزوجة “تونيا” زوجها ليبحث في الإنترنت فوجد أن القباطنة والبحارة كانوا يرمون بزجاجات مشابهة في البحر فيها إحداثيات السفن في الظروف الصعبة، كي يتم العثور عليها.
 المهم أن “كيم”، الزوج، وتحت ضغط زوجته، في أجواء عيد المرأة العالمي الذي يصادف الثامن من مارس الجاري، وجد أن الزجاجة هولندية وأن السفينة أقلعت من ميناء كارديف كما تقول الرسالة الموضوعة في الزجاجة التي بقيت تطوف بين أمواج البحر المتلاطمة طيلة 132 عاما، لتصل أخيرا إلى يد شخص ما يلتقطها وينجد ركابها، ولكن بعد أن فنيت السفينة والقبطان والبحارة كلهم.
وفي الوقت الذي ينسب إلى جورج برنارد شو الساخر الأكبر قوله “لا تبحث عن النكد، فهو يعرف عنوانك جيداً”، نرى أن كثيرين، وبدلاً من أن يعيشوا الحياة، ينقّبون، فيها، عن النكد كما يُنقَّب عن البترول والذهب، ولطالما تعلقتُ بأبيات للشاعر اللبناني إيليا أبي ماضي، تتضمن معنى معاكساً للولع بالنكد، يقول فيها ”وما دام في الدنيا سموٌّ ورفعةٌ/ فما أنا من يرضى ويقنع بالأردا”.
وأتساءل اليوم، ماذا عن الرسائل التي نلقيها، نحن، في بحر الزمن الحالي؟ من الذي سيعثر عليها ذات يوم؟ وكيف سيقرأ محتواها؟ وما الأثر الذي ستتركه في نفسه؟
لا أتوقف عن التفكير في “تونيا” ذلك الزمن المستقبلي، بعد 132 عاما قادما، هل ستقول لزوجها حين ترى أن حروف الرسالة قد كتبت باللغة العربية: ابحث في الإنترنت؟ أم ستقول له “لا تتعب نفسك. فلا بد أنها تحمل أخباراً مسمومة بالهموم لا أكثر، فالعرب كائنات نكدية، أغلق الزجاجة بالفلين والشمع واقذفها في البحر مجددا.. يا كيم”.

24