يا ليت قومي يعلمون

الاثنين 2014/10/27

خزعبلات وخرافات عتيقة، نسجت عليها خيوط العنكبوت بيوتا واهية، وبنت لها أعشاشا لا يمكن النفاذ منها إلا بتمزيقها وإبادتها كاملة، وقتل كل عناكب الفكر النسوي الغافل الذي رضي بالتبرك بالأضرحة، والتمسح بشبابيك معدنية لا حياة فيها.

لن أقول أفزعني أو صدمني ولا كلمات من هذا القبيل حتى لا أتهم بالتهويل، ولكن اسمحوا لي برحلة مكوكية بين العديد من الأضرحة وأولياء الله الصالحين الذين يزخر تراب مصر برفاتهم، لنرى معا نساء قرويات بسيطات شددن الرحال إلى تلك الأضرحة لا للتبرك والصلاة ولكن طلبا للإنجاب وجلب الحبيب والزواج وخلافه.

رأيت بأم عيني نسوة “يمسحن” أرض الساحة المحيطة بمسجد السيدة زينب حفيدة رسول الله “ص” وابنة الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجه، ويطلبن من ضريح صغير داخل مسجدها يسمى “الشيخ عتريس” جلب الرزق والزواج لبناتهن اللاتي فاتهن قطار الزواج بحركات عجيبة كأن يدرن حول الضريح سبع مرات مرددات: يا سيدي عتريس عايزة عريس “أريد زوجا”، كما لو كان سيدهن عتريس هذا مكتب “خاطبة”.

نسين أن هذا الراقد خلف أسوار الحديد لا يملك لنفسه ولا لهن بالطبع نفعا أو ضرا، وأنه مجرد رفات يرجو رحمة العاطي الوهاب، تحسرت على تلك العقول، ولسان حالي: يا ليت قومي يعلمون، كم يعد هذا شركاً بالله الواحد الصمد.

وتتكرر الصورة بتفاصيل مختلفة في ضريحي الإمامين الشافعي والليثي اللذين يمتلئ ضريحاهما “بعرائض” كتب عليها شكاوى من الزوج “الفلاتي أبو عيون زائغة” أو شكوى الابن العاق.

واخترق صوت امرأة مسمعي وهي تشكو للإمام الشافعي من جارها الذي رهن ما تملكه “قيراط” أرض بتوقيع مزور لزوجها بعد أن سرق “الختم” لإثبات الملكية.

المصريات في الخرافة سواء، لا فرق بين القرويات والمثقفات في فن الخرافة وابتكار “الخزعبلات”، والأغرب امرأة مطلقة تبكي بحرقة أمام ضريح الإمام الحسين بن علي وتطلب عودة الزوج وردها لعصمته، أو من يشددن الرحال إلى مسجد السيدة عائشة طلبا للشفاء من الأمراض المستعصية.

ويرى البعض أن زيارة الأضرحة تخفف من الضغط النفسي للزائرة المريضة، خاصة وأنها ترى كثيرات يسعين إلى نفس الغرض التي أتت من أجله، أو لقضاء حوائج أخرى.

تحول الضريح دون قصد إلى متنفس للعلاج النفسي في بلد يرى المريض النفسي مختلا عقليا، وهذا الرأي تتحمل المؤسسة الدينية الرد عليه بعد أن ارتضت بموقع المتفرج، وأبت أن تنطق بقول الله تعالى: “ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين” صدق الله العظيم.

توجهت لله وبدأت الصلاة، وأجمل ما رأيت نساء ذهبن إلى المسجد للصلاة والدعاء لله، وأملهن عند الأضرحة أن تصبحن بقلب صاحب الضريح وقوة إيمانه، فما أعظم أن نكون من أولياء الله في الدنيا والآخرة، خاصة وأن أهم صفاتهم الإخلاص لله، يحبون في الله، ويوالون في الله، ويعادون في الله، ويعطون في الله، ويمنعون في الله، لا على مأكل ولا مشرب ولا هيئة ولا انتماء ولا تحزب.

21