يا ناكر المعروف

الأربعاء 2016/03/30

من الطبيعي أن تتموْسق أذن المتلقي مع النغم الجميل والصوت العذب، وتترسخ الأغنية المصورة في عيني المشاهد الذي يغربلها سمعيا ومرئيا لصالح ذاته، فإما أن يكون معها أو ضدها ولا خيار غيرهما، أما المطرب فيبقى البطل الحقيقي الأول لدراما الأغنية. الجمهور لا يسأل من كان وراء نجاح الأغنية؟ ومن كتبها؟ وكيف ومتى كتبت؟ لكنه يتمايل طربا معها ذوقيا.

أغنية “يا ناكر المعروف” التي لحنها وغناها المطرب اللبناني عاصي الحلاني والتي كتبت كلماتها في عام 1995، حين كنت في المملكة الأردنية الهاشمية والتي يقول مطلعها:

يا ناكر المعروف/ آه ويا ويلي وأوف/ جرحك بقلبي غدر/ والوفى ماله أثر/ عالورق بس حروف/ يا ناكر المعروف..

لاقت الأغنية نجاحا منقطع النظير ومازالت، أما ظروف كتابتها فكانت عندما التقيت المنتج اللبناني علي المولى ومعه المطرب حسن الأسمر في فندق “القدس” في عمان، فطلب المولى مني كتابة أغنية عن شخص ما تنكر لجميل قدم له، وعلى الفور شرعت بكتابة تلك الأغنية، وعلى مدى عشر دقائق كانت جاهزة شعريا. عدت وقتها إلى بغداد في العام ذاته، وهناك فوجئت بأن الأغنية سجلت وصورت وبثت في الوسائل السمعية والبصرية دون علمي.

وبعد عامين والأغنية مازال صداها يحمل ألقا واضحا بين العشرات من الأغاني. التقيت بالفنان عاصي الحلاني فدار حديث بيني وبينه بخصوص الحقوق والتقاليد المهنية، عاتبته لأنه تصرف في الأغنية دون علمي وأخبرته بأنها انتشرت سمعيا من خلال شركة إنتاج لبنانية، وهي تحمل على شريط الكاسيت اسم الفنان عاصي الحلاني مؤلفا وملحنا ومؤديا، اعتذر مني بكل أدب، وقال “حاولت أن اتصل بك، فأخبروني بأنك في العراق وتعذر الحصول على عنوانك أو رقم هاتفك الشخصي، وأنا ملزم بطرح ألبومي في الأسواق في الوقت ذاته”.

تمعن الحلاني في وجهي برهة، ثم قال “سأعوضك خيرا..”.

وأعاد القول “عموما إنك قرأت اسمك في الفيديو كليب، وهذا حقك الشرعي وأكرر اعتذاري”، ثم همس في أذني “أنا من أصل عراقي وأبي كان تاجرا يسكن مدينة الحلة”. ابتسمت، ثم قلت له “أتشرف بعراقيتك!”، فرد عليّ مؤكدا “إن حقوق الأغنية ستصلك أينما تكون”، وأشار إلى ابن عمه ومدير أعماله ماجد، فجلب من داخل الغرفة ظرفا مقفلا وأعطاني إياه، وقال “أكرر اعتذاري مرة أخرى، وعليّ أن اختار أغنية تحمل اسمك”.

ومن معالم الصدف أن المنتج علي المولى كان يقيم وقتها في الفندق نفسه الذي يسكن فيه المطرب عاصي الحلاني، استعلمت رقم غرفته وقصدته لا لشيء، إنما لإلقاء السلام عليه، فتح الباب وعانقني، وحين جلست سبقني بالحديث عن الأغنية وقال “أنا استلمت حقوق الأغنية ولن أعطيك شيئا لأني، جعلت منك شاعرا نجما على المستوى العربي!”، فقلت “أنا نجم مع الأغاني التي كتبتها لكاظم الساهر، وأعتقد أن الساهر أكثرة شهرة ونجومية من الحلاني”.

انتهى الأمر إلى هنا وغادرت الفندق، لكن شيئا ما يقودني إلى فتح الظرف الذي أعطاني إياه عاصي الحلاني، لأجد بداخله خمس مئة دولار لا غير، كانت ثمن أفضل أغنية لعام 1995.

شاعر غنائي عراقي مقيم في الإمارات

16