يتصارعون على الإفتاء.. يتفننون في الإلهاء

نفدت الذخيرة الدينية تقريبا من "أحاديث" تسوّغ أي زيادة أخرى في الأسعار، فلما فوجئ الشعب في يونيو 2018 برفع أسعار الوقود، لم يجد رجال الدين حديثا آخر.
الثلاثاء 2018/07/17
الإلهاء الديني يبقى أكثر عمقا وتجذرا من مجرد إلهاء

يطلق مصطلح مقاصد الشرع على خمس كليات يجب الحفاظ عليها، وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وبتعريف عصري يمكن تلخيص مقاصد الدين والدولة في صون حرية الإنسان، وقد اُستحدثت مفاهيم جديدة وطورت مفاهيم أخرى قديمة واكتسبت دلالات عصرية، حين تقف “الدولة” بمؤسساتها على مسافة واحدة من الأديان، وتحمي خيارات مواطنيها في الاعتقاد.

ولكن الارتباك في التأويل الفقهي التقليدي أدى إلى التباس في ممارسات بعضها دام، ومنها فقه الجهاد الذي يمكن بحثه كتاريخ؛ فلا تحتاج أي دولة إلى فتوى دينية تتيح لها شرعية الدفاع عن حدودها وحماية ثرواتها ومواطنيها. وفي عالمنا العربي والإسلامي ترفع فصائل متناحرة رايات الجهاد، كل فرقة تحمل الراية نفسها، في حروب أهلية القتلة والقتلى فيها مسلمون.

لرجال الدين وسائلهم في إلهاء الناس، ولرجال الدولة أيضا فنون في الإلهاء. ويتضاعف الخطر بتحالف الطرفين على الشعب، فلا يعرف إلى أين المفر؟ وبمن يلوذ؟

في 29 يونيو 2017 استيقظ المصريون على كارثة ارتفاع أسعار الوقود، فاستعانت الحكومة برجال الدين، وتطوعت دار الإفتاء بالقول إن الصحابة لما اشتكوا إلى الرسول الغلاء، “نبههم على أن غلاء الأسعار ورخصها إنما هو بيد الله تعالى”، ونقبت في سنن أبي داود فوجدت حديثا، وعثرت عند الترمذي على قول الرسول “إن الله هو المسعّر”، وبعد إغراق الفتوى السياسية بالسخرية حذفت دار الإفتاء تدوينة “الله هو المسعّر” من صفحتها في فيسبوك. فإذا كانت الفتوى سليمة شرعا، فلماذا أرهبهم لوم اللائمين وسخرية الساخرين؟

وقد نفدت الذخيرة الدينية تقريبا من “أحاديث” تسوّغ أي زيادة أخرى غير آدمية في الأسعار، فلما فوجئ الشعب في يونيو 2018 برفع أسعار الوقود بنسبة 66 في المئة، لم يجد رجال الدين حديثا آخر، ولم تكن الحكومة في احتياج إلى دار الإفتاء.

عاش المسلمون أول مئتي عام من بدء الرسالة، من دون الحاجة إلى “صحيح البخاري”، ولم ينتقص ذلك من أركان إسلامهم. والآن تشتعل حرائق الكلام والتهديدات والمحاكمات حين ينتهي باحث إلى تشكيك علمي في إسناد حديث نبوي، أو عرض متن حديث آخر على العقل، لكي يرى مدى اتساقه مع تطور أخلاقي بلغته البشرية، فلا يعقل أن يقتل الآن مسلم بحجة أنه “التارك لدينه المفارق للجماعة”، بنص رواية مسلم والبخاري الذي أورد حديثا آخر أكثر إيجازا وسعة في الشمول للإسلام ولغيره من الأديان، وهو “من بدّل دينه فاقتلوه”.

سأختار نموذجين للإلهاء، أحدهما يخص رجال الدين، والثاني من اختصاص الإلهاء المدني، وتصادف إطلاق كلا النموذجين الشريرين في قيظ شهر يوليو، ربما تحسبا لأي عاصفة صيفية لا يُعرف كيف تنتهي:

في يوليو 2018، يثور جدل بين الأزهر ووزارة الأوقاف المشرفة على المساجد في مصر، وينتقل الجدل من المكاتب إلى البرلمان الذي يبحث “مشروع قانون تنظيم الفتوى العامة”. طالب الأزهر باستبعاد الإدارة العامة للفتوى بوزارة الأوقاف من الجهات التي يحق لها الفتوى، ولكن لجنة الشؤون الدينية بمجلس النواب رفضت هذا الطلب، ورأت أن يكون التصدي للفتوى صادرا من إحدى أربع جهات هي: هيئة كبار العلماء بالأزهر، ودار الإفتاء، ومجمع البحوث الإسلامية، والإدارة العامة للفتوى بوزارة الأوقاف.

في 19 يوليو 2017 أعلن عن بدء تشغيل “أكشاك الفتوى” في محطات مترو الأنفاق بالقاهرة. في وسائل السفر الطويل وفي التنقل داخل المدينة الواحدة، لا تكون المحطات، كما نعرف، أكثر من مجرد محطات لا تسمح بترف الاستقرار والبقاء لممارسة التنطع، بإشغال المكان بأي شكل من أشكال الزحام. ولكن العرض حين يوجد، فإنه يخلق الطلب مهما يكن تافها، ولو كان استفتاء على ما هو أكثر تنطعا من حكم نقض دم البرغوث للوضوء.

اختفت بدعة “أكشاك الفتوى” من محطات المترو، ولم يتوجه المسلمون بشكوى من حرمانهم ممن يفتيهم في الدقائق الشحيحة بين رحلة بالمترو وأخرى. وأثارت الأكشاك سخرية تنال من هيبة الدين ورجاله، كأنها أحد حلول البطالة. ذهبت “أكشاك الفتوى”، ربما لانتفاء الغرض منها، ويمكن للئيم أن يفسر إطلاقها لتبديد الغضب الشعبي المكتوم والمعلن، بعد أيام من تصديق الرئيس عبدالفتاح السيسي في عيد الفطر 1438 هجري (25 يونيو 2017)، على ما سمي “اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية”، وهو التعريف الرسمي للتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين الاستراتيجيتين.

لا ينشغل المسلمون بهذا الصراع العلوي على حقوق الفتوى، فلا جديد في أمور الدين يحتاج إلى أربع جهات لكي تلاحقه بالفتوى. في ست سنوات تولى فيها الإمام محمد عبده منصب المفتي أصدر 944 فتوى، في قضايا بعضها له صفة المرجعية، أما الكثير من الأسئلة الموجهة الآن إلى دار الإفتاء وغيرها فتدعو إلى الدهشة، والكثير منها لا يستحق عناء الإجابة، إلا بتوجيه السائل إلى متخصص في الطب النفسي، كما يحتاج من اقترح عزف السلام الوطني في مستشفيات مصر، صباح كل يوم، إلى مثل هذه الإحالة أيضا، لأنه عمدا أو جهلا أساء إلى هيبة السلام الوطني.

في الفيلم المصري “الهروب”، كاد ضابط الشرطة الصغير البريء يفقد صوابه، وهو عاجز عن إيجاد أي تفسير لأمر أصدره إليه الضابط الكبير، بأن يتيح للقاتل فرصة الهروب من السجن، لكي ينشغل الرأي العام بقصص هروبه ومطاردته، ثم القبض عليه. فأي مفاجأة مأساوية يخبئها لنا “الحاوي”؟ وهو يحسب بدقة الانقضاض بها علينا، ونحن نخوض حرب إبطال بدعة من مستشفيات ينتظر فيها المرضى علاجا لائقا، بدلا من التضييق عليهم؛ فيتمنون الخروج من الثكنات العسكرية، المستشفيات سابقا.

ستنتهي نوبة الإلهاء “المدني” المتمثل في السلام الوطني بالمستشفيات، ويبقى الإلهاء الديني أكثر عمقا وتجذرا من مجرد إلهاء، إنه قضية وجود لا يختلف فيها أئمة التكفير عن دعاة التسامح إلا في الدرجة، وما بين “حاكمية” سيد قطب، وسلسلة “تطبيق الشريعة” لمفتي مصر الدكتور شوقي علام، جسر يحتاج إلى أسبوع لقراءة بعض تفاصيله.

9