يتفحم اللبنانيون لأن هناك حربا في سوريا

الاثنين 2013/08/26

لدى اللبنانيين خبرة لا يستهان بها في الحروب الأهلية. آخر حروبهم انتهت في عام 1990، بصيغة كانت متوقعة. لقد خرج الجميع متساويين. لا غالب ولا مغلوب، بعد أن بَشّع بعضهم بالبعض الآخر، بطريقة صارت معها العودة إلى السلم الأهلي مستحيلة.

بين حين وآخر يشهد لبنان أحداثا، يتأكد اللبنانيون من خلالها أن حربهم لم تنته بعد. لا تنقصهم الأسباب. وإذا عجزوا عن العثور على سبب، يخترع لهم الآخرون أسبابا، لن يكون مهما منطقها الذي لا يمتّ لصيغة التعايش اللبناني بصلة.

لا تزال مقولة الراحل غسان تويني ممكنة. فما يشهده لبنان هو حرب الآخرين على أرضه. وهي حرب مفتوحة. وإذا ما كانت إيران قد دخلت متأخرة إلى حلبة السباق، فإن هناك قوى إقليمية ودولية صارت ترى في الوجود الإيراني سببا كافيا للاستمرار في تلك الحرب.

لا أحد يفتقد إلى ذريعة للتدخل في شؤون لبنان. فالبلد الذي يقف بأعجوبة على حافة الهاوية من غير أن يسقط تماما لا يملك القوة الذاتية التي تمنع الآخرين من رعاية مقومات هلاكه التدريجي.

كما لو أن لبنان كان موجودا لكي ينفس الآخرون عن كراهيتهم، بعضهم إزاء البعض الآخر. كراهية كان لبنان ولا يزال يدفع ثمنها. وهو ثمن تؤديه دولة فاشلة في محاولة منها للحفاظ على توازن هش بين مكوناتها الطائفية.

وإذا ما توقفنا قليلا أمام تلك المكونات التي لم تنجح في التعايش إلا على أساس المحاصصة السياسية، فإن كل حراك سياسي في لبنان إنما يؤكد جاهزية تلك المكوّنات لكي تستجيب لتمثيل دور الرهينة.

سياسيو لبنان لا يجدون قيمة لأفعالهم إلا إذا كانت صادرة من داخل المختبر الطائفي، فلا معنى لأي شعور وطني إذا لم يكن منسجما مع المصلحة الطائفية. وهم بذلك إنما يسوّقون وَهْمًا يستطيعون من خلاله إبقاء اللبنانيين رهائن في أقفاص العزلة الطائفية. وهو ما يعرفه اللبنانيون جيدا، غير أنهم لا يملكون القوة لتغيير معادلاته.

لقد رهن السياسيون اقتصاد لبنان للقوى التي كانت سببا في خراب البلد. فلو فكر اللبنانيون موحدين مرة واحدة في استقلال قرارهم السياسي فإنهم سيواجهون كارثة اقتصادية، قد لا يقوى بلد صغير مثل لبنان على مواجهتها.

وهكذا كان على لبنان أن يستمر في تمثيل الدور الذي أنيط به، بعد أن فقد وإلى الأبد الصفة التي تجعل منه واحة الحرية في منطقة يغلب عليها طابع الاستعباد والاستبداد. لقد تسنى للآخرين أن ينتقموا من لبنان بطريقة تجعل من الحرب الخفية والمستمرة خيارا ديمقراطيا. فانهماك السياسيين اللبنانيين في الدفاع عن مصالح طوائفهم إنما هو وجهة النظر التي يمكنها أن تحبط مؤامرات الآخرين، ممن يشاركونهم الهاجس الأمني نفسه.

لم ينجح اللبنانيون في العودة إلى منطقة الحوار التي تستند إلى قاعدة الثقة والرغبة في الاحتكام إلى مبدأ المواطنة. دائما كان الخوف من الآخر المحلي سببا في اللجوء إلى الآخر الخارجي.

من المؤسف أن يستقوي اللبنانيون، بعضهم على البعض الآخر بالعامل الخارجي. لقد استقوى حزب الكتائب ذات يوم بإسرائيل، وها هو حزب الله يستقوي اليوم بإيران.

معادلة كان اللبنانيون في غنى عنها، لو أنهم لم ينغمروا في فكرتهم عن حرب أهلية لم تنته بعد، وقد لا تنتهي إلى الأبد.

التفجيرات المجرمة التي يشهدها لبنان اليوم لا تخرج بعيدا عن الرغبة في الحفاظ على توازن تلك المعادلة. قتلى في الضاحية الجنوبية وكلهم من الطائفة الشيعية يقابلهم قتلى في طرابلس وكلهم من الطائفة السنية. العدالة تغمر الجميع بقسوتها. لا أحد في إمكانه أن يستفهم عن وظيفة لبنان باعتباره محرقة لمواطنيه.

يتفحم لبنانيون لأن هناك حربا في سوريا. شيء لا يقبله العقل، غير أن الواقع السياسي اللبناني يقبله.

9