يجب أن تقتنع المرأة بأفكار المرأة قبل قناعة الرجل بها

الناقد فهد الهندال يؤكد على ارتباط غياب المرأة وما يعانيه المجتمع العربي من تمييز جنسي تجاهها، ولا يمكن تغافل هذا الواقع، برغم مدنية وتقدمية المجتمع العربي.
الاثنين 2019/09/16
المرأة المفكرة مازالت أمامها تحديات كثيرة (لوحة للفنانة هيلدا حياري)

تتابع "العرب" في مجموعة حوارات ملف "مجلة الجديد" الأخير، الحديث حول "المرأة الناقدة والمفكرة"، حيث تناولت المجلة، في عددها الـ56، الصادر في الأول من سبتمبر الجاري، ضمن ملفها الأساسي، تقصي دور المرأة في التأسيس لنقد أدبي وفكري، معاصر ومرتبط بالظواهر الأدبية والفكرية والجمالية التي أنتجتها مشاركة المرأة في الأدب العربي المعاصر، وكرّسها منجزها الأدبي والنقدي. وفي هذا الحوار مع الناقد والكاتب الكويتي فهد الهندال نستكمل بعض جوانب هذا الملف المهم من خلال مجموعة محاور أساسية مرتبطة به.

يرى الناقد والكاتب الكويتي فهد الهندال أن ندرة وجود المرأة العربية المفكرة لا ترتبط بالمُنجز ذاته للمرأة، وإنما بتلقيه وطبيعة ذلك، فلا تزال -حسب رأيه- المرأة المفكرة في القائمة البديلة أو المؤقتة، أي لا يتم الرجوع إليها إلا في ظروف أو مناسبات معينة، بما قد يعتقده الآخر غيابا أو انطواء اختياريا لها.

يقول الهندال “مع أن الواقع هو تغييب لجهودها وحضورها الذي غالبا ما يكون غير مبني على أهمية المنجز الفكري الذي قدمته. فخذ على سبيل المثال أي ندوة، علمية، فكرية، أدبية، سياسية، إلخ. واستعرض الأسماء المدعوة والمشاركة ستجد أن حضور المرأة فيها متواضع مقارنة بحضور الرجل”.

الواجبات والحقوق

يؤكد فهد الهندال على ارتباط غياب المرأة وما يعانيه المجتمع العربي من تمييز جنسي تجاهها، ولا يمكن برأيه تغافل هذا الواقع، برغم مدنية وتقدمية المجتمع العربي.

 ويتابع بالقول “إن ‘تابو‘ العادات والتقاليد لا يزال مسيطرا برغم ذلك، حيث يرى المرأة عنصرا ضعيفا أو مكملا لدور الرجل في تنمية المجتمع، كذلك ساهمت الدولة عبر قوانينها في هضم حقوق المرأة بناء واتكالا على الفكرة الدينية والاجتماعية، وتغييب الواقع المدني الذي يرى في المرأة شريكا مؤسسا لكل نواحي الحياة وتطورها، ومسؤولا عن الواجبات كما هي الحقوق. فلا يمكن أن ننادي بحقوق المرأة دون مطالبتها بالواجبات، والعكس صحيح، وهو ما خلق لدينا تناقضا كبيرا بين دعوات تحرر المرأة وتمكينها من الحقوق، وفي نفس الوقت دعوة الكثير منهن إلى التميّز لصالحها، بحجة الاختلافات البيولوجية والسيكولوجية بينها وبين الرجل”.

ويضيف “أعتقد أن بعض الفعاليات الثقافية لا تزال تعيش في ذهنية الهيمنة الذكورية، ولهذا يكون حضور المرأة شرفيا أكثر منه أساسيا، وألقي بالملامة هنا أكثر على المرأة العربية، إذا كانت تعاني من تجهيل أو تغييب لدورها، المجال أمامها أكبر لكي تؤسس كيانات وفعاليات تنافس حضور الثقافة الذكورية، خاصة أن الظروف في معظم المجتمعات العربية بدت أفضل من السابق، وتساعد على تأسيس مثل هذه الفعاليات النسوية. مع الانتباه إلى نقطة معينة، متعلقة بشأن وصول المرأة إلى رأس منظومة ثقافية معينة لا يعني أبدا أنه إنجاز للمرأة فقط، فهي بطبيعة الحال ملزمة بقوانين المكان وعاداته وذهنيته، الإنجاز الفعلي يكون في تغيير الوضع نحو تفعيل حضور المرأة بشكل واع ومسؤول أكثر، وتغيير ذهنية المجتمع وصورته التقليدية عن المرأة بالرغم من أننا دخلنا الألفية الثالثة في ظل عولمة كبرى تبدلت وتحولت فيها مراكز القرار”.

الناقد فهد الهندال: لا يمكن أن ننادي بحقوق المرأة دون مطالبتها بالواجبات
الناقد فهد الهندال: لا يمكن أن ننادي بحقوق المرأة دون مطالبتها بالواجبات

ويرى الهندال أن ما ذكره ربما هو ما حدا سابقا بكاتبتين هما: فلورنس هاو وإلين باس في كتابهـما “لا أقنعة أكثر” الصادر عام 1973، إلى أن تقولا “نحن لسنا رجالا، ولا نرغب في أن نكون. نحن معنيات باختلافاتنا، في إطار ‏وحدود تطورنا. نريد أن نعرف ذواتنا وتاريخنا، نريد أن نختبر علاقاتنا بالرجال، وبأطفالنا ‏وبآبائنا. نريد أن نكتشف علاقتنا بالنساء. وقبل أي شيء آخر، نريد أن نصرخ لا للمزيد من ‏الأقنعة، هذا هو ما نحسه وما نسمع معظم الشاعرات يرددنه اليوم، لا للمزيد من الأقنعة، ‏وخصوصا أقدمها، قناع الذكورة”‏.

وفي سؤال عن عدم نجاح المرأة العربية في رسم ملامح المساواة في المشهد الفكري، وعن المعوقات التي واجهتها، يجيب الناقد “أعتقد السؤال الأهم، هل المرأة قادرة على إقناع المرأة بأهمية هذه المساواة؟ أعتقد الساحة الفعلية لذلك هي ساحة المرأة ذاتها لخوض غمار الحراك المطلوب منها، وألا تتجه نحو قضايا أخرى قد لا تكون فيها المرأة محركا فعليا أو قطبا مركزيا. ولعل أهم هذه الساحات التعليم؛ فلا تزال المجتمعات العربية تشهد أمية عالية بين صفوف النساء في المناطق المتدنية اقتصاديا، مما يساهم في تدني الوعي بحقوقهن، ولعل زواج القاصرات مثال واضح على ذلك”.

وفي ظل ذلك يرى الهندال أننا اليوم في عالم مفتوح ومتصل بواسطة وسائل عديدة، منها وسائل التواصل الاجتماعي، وهو يتابع عددا من الشخصيات النسائية العربية الفاعلة بالعمل الثقافي، ويجد أن عددا قليلا منهن، ممن يطرحن الأسئلة الكبرى ويبحثن في الجانب الفكري الناقد للمجتمع من حيث بناه الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية والأيديولوجية.

ويوضح الهندال أن حجم الإنتاج الفكري والنقدي للمرأة العربية مشجع جدا، ويدعو إلى التفاؤل، لكنه يرى أن العبرة في الاستمرار في البحث، وعدم الركون خلف منجز سابق أو الاكتفاء بترديد شعارات الريادة والمنافسة مع الرجل. فلا بد من التجديد المستمر، والنهوض بالمجتمع عبر أطروحات ناشئة تعيد إلى العقل اعتباره وخاصة في تجديد الخطاب الفكري للمرأة والمجتمع.

نساء بارزات

عن تجربة المفكر السوري الراحل جورج طرابيشي في هذا الصدد يقول الهندال “تجربة طرابيشي كانت في بدايات التعامل مع منجز المرأة العربية النقدي، وأعتقد أن الوقت لو كان مسعفا أكثر لتغيرت وجهة نظره كما أظن، خاصة بعد بروز أسماء وأعمال نقدية نسائية أثبتت حضورها الفكري والإبداعي. ولكن لأتحدث عن إنجاز جديد لصالح إبداع المرأة العربية، وأعني فوز الروائية العمانية جوخة الحارثي بجائزة المان بوكر العالمية، وكيف كانت ردود الأفعال المتباينة بين الفرحة والواثقة بقدرة المرأة العربية على المنافسة الأدبية عالميا، وبين المشكك بمن لا يزال يرزح تحت تأثير المركزية الذكورية أو المناطقية، ناهيك عن آخرين لم يتعرفوا سابقا على منجز الحارثي الإبداعي والفكري”.

 ويتساءل الناقد هنا “هل الجوائز العالمية أو الإقليمية هي التي تحدد فقط قيمة منجز هذا المبدع؟ أم أنه قصور نتيجة انحياز أو مركزية معينة هي وراء الجهل بهذا المنجز؟ ما رصدته من ردود الأفعال كانت في حد ذاتها تحتاج ملفا نقديا وفكريا لوحدها”.

حجم الإنتاج الفكري والنقدي للمرأة العربية مشجع جدا، ويدعو إلى التفاؤل، لكن العبرة في الاستمرار وعدم الركون

ويرى الهندال أن الأمر نفسه كان أيضا مع أعمال فاطمة المرنيسي ونوال السعداوي. إذ اختلف الرأي من ناقد إلى آخر، وبحسب قراءته الخاصة لهذه الأعمال، لكن أهمية المرنيسي والسعداوي -والكلام للهندال- كبيرة جدا، لكونهما فتحتا الباب لأصوات أخرى غير مسيطرة، فبات للمرأة صوت فاعل وحضور منافس أكثر، وجدل حيوي مستمر عبر إصدارات غنية بالأسئلة الصريحة والجريئة.

وفي ختام مداخلته يؤكد فهد الهندال على أن المرأة العربية تواصل منجزها النقدي والفكري، سواء في الميدان الأكاديمي أو الفكري.

 ويقول “أنا مطلع ومتابع لأعمال عدد منهن لما يقدمنه من دراسات وأبحاث تضع المرأة العربية في طليعة العمل النقدي العربي. وهناك أسماء عديدة، أذكر منها زهور كرام من المغرب ودورها في تحديث مواضيع النقد العربي كما هو اهتمامها بالأدب الرقمي، وعائشة الدرمكي من عُمان وما تقدمه من أبحاث ودراسات في علم السيميائيات مع ترأسها لمجلس إدارة النادي الثقافي العماني، كذلك جهود عزيزة الطائي، ومنى السليمي، والناقدة ابتسام بنت مبارك. ومن العراق، أذكر جهود وجدان الصائغ المقيمة في أميركا، ونادية هناوي. ومن الإمارات فاطمة البريكي، والبحرين ضياء الكعبي، والسعودية شيمة الشمري، ومن قطر امتنان الصمادي، وحنان الفياض، ومن لبنان يمنى العيد، ومصر سيزا
قاسم، واعتدال عثمان، ومن الأردن مريم جبر، ومن الكويت سعاد عبدالوهاب، ونسيمة الغيث، ونجمة إدريس، وسعاد العنزي، وأنوار السعد، وغيرهن كثيرات”.

14