يحبون الجريئة ويتزوجون "الخجولة"

الأحد 2016/04/24
حظوظ وافرة لمن تجيد أدوار الخضوع

رغم الانفتاح الذي تعيشه جلّ المجتمعات العربية ورغم محاولات التشبه بالمجتمعات الغربية في السلوك والمظهر، لكن الغالبية الساحقة من الرجال ما يزالون يستحضرون كل المواقف والاتجاهات والتصورات التقليدية في موضوع علاقة المرأة بالرجل.

تصوّرات لا يمكن من خلالها تقبل فكرة وجود امرأة جريئة ومبادرة أو التعايش معها، فأغلب الرجال الشرقيين يحبون ويعجبون بالمرأة الجريئة لكنهم في النهاية يتزوجون المرأة “الخجولة” أو التي تبدو كذلك أو التي تجيد لعب هذا الدور الذي يرضي غرورهم وكبرياءهم.
وهذا الأمر يبدو غريبا للوهلة الأولى لكنه في الواقع يكشف تناقض الرجل وازدواجيته حيث يضحّي في كثير من الأحيان بسعادته ومشاعره مقابل الانسجام مع صورة نمطية يفرضها المجتمع أو الثقافة السائدة.
فقد يصادق الرجل زميلته الجريئة وصاحبة الرأي والقرار والموقف في مجال العمل ويرتاح لها ويتعامل معها بأريحية وانسجام ويمدحها بمناسبة وبغير مناسبة، ولكن عند الزواج يريد أن يتزوج بفتاة بمواصفات أخرى وبعناوين أخرى فضفاضة ولكنها منسجمة مع الرياء الاجتماعي ومع الحفلة التنكرية الجماعية حيث يختار تلك الفتاة التي يصفها هو وغيره بأنها “خجولة” أو “محترمة” أو… فللمسألة إذن جذور نفسية وثقافية واجتماعية تفرض نموذجا للمرأة على حساب نموذج آخر.

الجرأة مهددة لسلطة الرجل

هذا الرأي له علاقة بثقافة الرجل وبتركيبته النفسية والثقافية فمعظم الرجال يميلون للحكم السطحي على حساب الجوهر فلو تظاهرت المرأة بالخجل والضعف فإنه يقبل منها ذلك حتى ولو كان مقتنعا بأنه لا يمثل الحقيقة. فالرجل يحب المرأة القوية الواثقة بنفسها والذكية والتي يمكن الاعتماد عليها في مجال العمل وليس في مجال الأسرة. إنها مريحة بالنسبة إليه كشريكة عمل وليس كشريكة حياة. فالمرأة المبادرة بالمشاعر وقوية الشخصية توقظ داخل الكثير من الرجال إحساسا قويا بالنفور والعدائية حيث ترتبط في أذهانهم هذه الصفة بصفات أخرى تتنافى مع ما يسمّونه “الحشمة” و”الحياء”، فهم يميلون إلى نموذج المرأة “المتأرنبة” والخاضعة على حساب نموذج المرأة الجريئة والمباشرة التي يرون فيها تهديدا لسلطانهم.

الرجل قد يتقبل أيّ تصرّف من المرأة باستثناء تلك التصرفات التي يرى فيها تهديدا “لذكورته” أو”رجولته” ولذلك يعتبر المرأة المبادرة “مسترجلة” وهو بالتالي لا يريدها في حياته، فمن لم تمانع في “عرض” نفسها أو مشاعرها عليه هي امرأة سهلة المنال حتى لو كانت قامت بتلك الخطوة للمرة الأولى في حياتها فإن ما يخطر ببال الرجل أنها قامت بذلك عديد المرات، والنساء اللواتي يصنّفن في هذه الخانة حتى ولو بالخطأ لا حظوظ لهن في الحصول على احترام الرجل وبالتالي الارتباط به.

للثقافة الاجتماعية نصيب

هذا النّوع من سوء الفهم يمكن أن يكون مرده الثقافة القائمة في المجتمع التي تفرض بعض المعاني دون غيرها وتبيح أشياء دون أخرى، فهي من يقوم بترتيب الأدوار بين الجنسين كما تحدّد وترتّب أدوار المرأة والرجل على أساس اجتماعي ترتيباً سلطوياًّ، حيث يمارس الرجل القوة والسلطة والمبادرة على المرأة في حين يقتصر دورها على الرضى والخضوع. وتقوم سيطرة الرجل وتبعية المرأة حتى في مستوى الأحاسيس والمشاعر على أسس عقائدية ومادية. فالنزعة الأبوية متجذرة في القواعد الاجتماعية والثقافية، ثم ترسَّخ وجودها في الهياكل القانونية والسياسية، وغرست جذورها في جميع المجالات التي تنظم علاقة المرأة بالرجل. فقد حُفرت ونقشت في صفحات الأيديولوجيات والخطابات الرسمية والشعبية بدرجة يصعب الفكاك منها. هذه النزعة الأبوية تقيد خيارات المرأة وتمنع مبادرتها حتى في أكثر المواضيع والمجالات حميمية وشخصية ومنها اختيار القرين.

إنه في النهاية نوع من العنف الرمزي الذي يعمل كآلية للمحافظة على الحدود لدور كل من الذكر والأنثى في المجتمع. فالقواعد التي تحكم هذه الأدوار ربما تعبّر عن قوانين أخلاقية أو توقّعات اجتماعية راسخة في أذهان الناس على نطاق واسع دون أن يكون من يمارسها مقتنعا بها. مواقف وتصورات تجعل من بعض الرجال يعتبرون مبادرة المرأة بالتصريح بمشاعرها نوعا من التصرفات “السوقية” التي لا يجب على أيّ سيدة “محترمة” القيام بها. فبالنسبة إليهم هذا دليل على عدم احترامها لذاتها، وبالتالي هي امرأة لا يريدون التورط معها في أيّ علاقة جديّة وبالمقابل يخيّرون من تبدي أو تجيد أدوار الخضوع وهذه قمة الانفصام النفسي والثقافي.

باحث في علم الاجتماع

20