يحتاج المرء إلى أكثر من حياة ليكون صموئيل شمعون

الأحد 2016/03/13
من ضائع في باريس إلى جسر للثقافة العربية

لندن - بخيلاء الفاتحين ينسج أحلامه. يمكنك أن تصدق كل ما يقوله صموئيل شمعون، حتى لو كان ما يقوله لا يمت بصلة إلى الواقع الذي نعيشه ولو بنسبة واحد في المئة. فلهذا الرجل القادم من منطقة بحيرة الحبانية، خيال أسماك المحيطات وهو الخيال الذي أعانه على صنع حياته التي هي أسطورته التي يمشي بقدميها في المحافل الأدبية العالمية بثقة فاتح.

صموئيل الذي هو شموئيل في الوقت نفسه اخترع واقعية مضادة، كانت مزيجا من حيوات عاشها وهو يتنقل بين المدن، محتفيا بحضوره الأخاذ والساحر والمشاغب. ذلك الحضور الذي يسبقه بخفة وأريحية إنما يصدر عن ثقة مطلقة بالفن كما أنه يعبر عن رغبته في اختراع حياة لم يعشها الكاتب.

الفتى الآشوري الذي قرر ذات يوم أن يمتد حلمه ليصل إلى هوليوود كان قد وضع حياته في خدمة مختبر واسع للتجارب الإنسانية. لذلك كان عيشه نوعا من الحلم وكانت أحلامه بمثابة دروس في العيش الجميل بكل ما انطوى عليه ذلك العيش من شظف وشقاء. لقد علمه الشظف كيف يكون نبيلا وارتفع به الكدح على فكرة الاستسلام للفقر، الذي هو بالنسبة إليه ألد الأعداء المحتملين.

صموئيل هو صنيعة أحلامه التي مدته بخيلاء الفاتحين الكبار من غير أن تبخل عليه بتواضع العارفين. رجل من طراز خاص، تجده في كل مكان يبلغ فيه الجمال واحدة من درجات رفعته. يهمه أن يكون العالم جميلا. لا يمد يده إلى مائدة إلا إذا كان على يقين من أن هناك أيادي نظيفة قد سبقت يده إلى تلك المائدة.

وبرغم كل ما أنجزه من مشاريع ثقافية، لن يخطئها الخلود فإن الكثير من حقائق شخصيته الإبداعية يظل مرجئا. لن يتسع وقته للروائي الذي لو كتب لكان في إمكانه أن يرسم خارطة لوعي الثقافة العربية الحديثة الشقي.

“عراقي في باريس” وهو كتاب سيرته الذكي ليس سوى فصل صغير من مغامرة لا يزال يخوضها. ولأنها مغامرة حياة فإن شيئا من التجريد لا يتسلل إليها. ما لا يفهمه الكثيرون من شخصيته أنه يعيش الثقافة باعتبارها حياة. يطبخ شمعون غذاءه باعتباره مثقفا أما حين يفكر فإنه لا يخون ذائقة الطباخ. لذلك فإن كل شيء عمله كان متقنا بدءا من مجلة “بانيبال” وانتهاء بموقع ومجلة “كيكا” مرورا بجائزة الترجمة.

واقعيته متقنة وهو ما يحير الكثيرين ممن لا يجدون فيه شيئا من الواقع من غير أن يجرؤ على إنكار وجوده الواقعي. فالرجل موجود بقوة هوائه الذي لا يزال يدخر الكثير من العصف.

شمعون يعيش الثقافة باعتبارها حياة

رحالة يحلم بلغات قبائل مجهولة

ولد صموئيل شمعون في الحبانية، غرب العراق عام 1956 لعائلة آشورية. غادر العراق نهاية السبعينات إلى بيروت في طريقه إلى هوليوود التي لم يصلها إلا بعد سنوات طويلة. في بيروت عمل في مطبوعات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالرغم من أنه لم يهتم كثيرا بالسياسة، ومن بيروت انتقل إلى تونس لتكون فرصته مؤاتية لكتابة الشعر “لقد تعلمته الشعر” كما يقول، ليرفق جملته بحديث طويل عن صديقه الشاعر والمترجم التونسي خالد النجار.

بعد سنوات سيصدر شمعون كتابين شعريين، هما Old Boy عام 1987 والثاني بعنوان ياباني وترجمته “مطر في رأس أمي” عام 1995.

من تونس انتقل إلى القاهرة لتربطه بصداقة عميقة بالمخرج يوسف شاهين. هناك اتخذ اسما مستعارا هو “سامي شاهين” ليوقع مقالاته التي كان يكتبها عن السينما.

من القاهرة انتقل شمعون إلى قبرص ومنها إلى باريس التي يروي فصول حياته فيها في كتابه الممتع والأخاذ “عراقي في باريس” الذي نشر أول مرة عام 2005، لتتوالى طبعاته في غير مدينة عربية وليترجم إلى الإنكليزية والفرنسية والسويدية والكردية.

عام 1998 أطلق بصحبة زوجته مارغريت أوبانك مشروعه الريادي في ترجمة الأدب العربي إلى لغة شكسبير من خلال مجلة “بانيبال” الفصلية. ثم أقام بعدها موقعا إلكترونيا للأدب العربي المعاصر بعنوان “كيكا” وصار بعدها يصدر مجلة بالعنوان نفسه.

يمكن القول مجازا إن شمعون بعد هذا الترحال بين المحطات التي عاش في كل واحدة منها حياة استثنائية، كانت بمثابة مجازفته الأخيرة في العيش قد استقر في لندن، غير أن تلك الجملة قد لا تعبر عن حقيقة ما يفكر فيه الرجل الذي صعد ذات مرة إلى المنصة بحذاء رياضي ليعلن اسم الفائز بالجائزة العالمية للرواية العربية “بوكر” باعتباره رئيسا للجنة التحكيم. فلا تزال في مخيلة هذا المشاء تشتعل نيران قبائل يود لو تعلم لغاتها ومشى في أثر شعرائها المجهولين. حين زرته أول مرة في بيته اللندني توقعت أن أرى حقيبة سفره مركونة خلف الباب.

ما كتبه صموئيل شمعون في روايته وهي سيرته الشخصية “عراقي في باريس” يعد درسا جديدا في الكتابة العربية. يعيد شمعون رواج كتابه نخبويا أو شعبيا على حد سواء إلى مفهوم الـ”انتي ــ بطل” أي الشخص المضاد للبطولة الذي جسدته الشخصية الرئيسة في الرواية. وهي الشخصية التي تحمل ملامح وأخلاق وأحلام شمعون نفسه، ما كانه تماما وما يحرص أن يكونه في حياته، غير أن ذلك التفسير يخون الكتابة حين يسلمها كليا إلى المضمون الذي لا يمكن إنكار قوته وقدرته المشوقة على التأثير.

إن سحر “عراقي في باريس” يكمن كما أرى في اللا أسلوب وهو المعادل الأدبي لمفهوم الـ”لا بطل” الذي استلهمه الكاتب من حياته الشخصية. من حلمه في أن لا يكون متاحا وأن يعيش غربته بمتعة.

عام 1998 أطلق صموئيل شمعون بصحبة زوجته مارغريت أوبانك مشروعه الريادي في ترجمة الأدب العربي إلى لغة شكسبير من خلال مجلة "بانيبال"

صموئيل شمعون يكتب مثلما يتكلم ومثلما يعيش. ولم يكن ذلك السلوك ليكون حاضرا في روايته إلا لأنه لا يفكر بالأدب كما عرفه وأعجب به حين يكتب.

يعتقد الكثيرون أن سيناريو الفيلم الذي خطط صموئيل لأن يحمله معه من بغداد إلى هوليوود في بداية حياته ليقوم أحد كبار مخرجي مدينة السينما بإخراجه قد وجد طريقه إلى الظهور من خلال “عراقي في باريس”.

“كتاب لا يكتبه إلا سينمائي” وهو استنتاج يُشعر المؤلف بالسعادة أكثر من الكلام النقدي الذي يثني على براعته الأدبية في كتابة نص يوازي رائعة هنري ميلر “مدار السرطان” التي هي الآخرى سيرة ذاتية تجري أحداثها في باريس.

كان شمعون ذكيا في إخفاء كل ما تعلمه من الأدب ليهب الثقافة العربية واحدة من أجمل السير الذاتية وأكثرها عذوبة.

يقول شمعون “أنا سعيد لأن كتابتي فيها الكثير من السينما. أظن أني أكتب رواية عربية بتركيبة أسلوبية أمزج الهوليوودية بالبوليوودية (الهندية). لذلك يصعب على القارئ أن ينتهي من ‘عراقي في باريس” من غير أن تتشكل الدمعة في عينيه”.

خزانة حياة خيالية

يحدثك عن “الجندي الآشوري” وهو الكتاب الثاني من رباعية سيروي من خلالها سيرة حياته كاملة. مَن لا يعرفه جيدا قد لا يتوقع أن شخصا واحدا عاش في حياة واحدة كل هذه الحياة. في خزانته يجتمع الفقراء والأمراء، الفاشلون من أول محاولة والمبدعون الكبار، نجمات السينما ولاعبات السيرك، الشعراء والسياسيون ومرضى الوهم والمتمردون العاطلون والفلاسفة، المسافرون من غير اسم والخالدون الذين جالسهم في مقهى ثانوي لم يعد يتذكر اسمه. يمكنه أن يمد يده حين يشاء إلى تلك الخزانة ليستخرج وقائع حياة، لم يعشها أحد مثلما عاشها. فهل سيفعل؟ يحتاج المرء إلى أكثر من حياة ليكون صموئيل شمعون.

10