يحدث في العراق

قدر الأمهات اللاتي يرحل أبناؤهن يمنحهن حياة تتكئ على حافة جرح نصف مفتوح، كلما لاح لهن نواح لأم مستجدة على درب الفقد، أفصح الجرح ثانية عن نفسه وتواصل نزفه.
الاثنين 2019/12/02
جرح لا يلتئم

بينما كانت دماء شباب الناصرية تسيل بغزارة، كتبت صديقتي نداء للأم الثكلى في الجانب الآخر من العالم “ضعوا أكفّكم اليمنى على رأسها واتلوا سورة الرحمن بصوت خفيض، ستهدأ وتنام”.

كان هذا نداء قصيرا وضعته على صفحتها في فيسبوك، على خلفية الأحداث المؤسفة وبعد أن تعالت أصوات الأمهات المفجوعات في ليل مدينة الناصرية العراقية قبل أيام، حيث ذهب عشرات الشبان المحتجين ضحية نيران الحكومة. وصل نواح الأمهات إلى أقصى مدى يمكن أن تصله صرخة لقلب أم مفجوعة بفقدان الأحبة، بل أعز الأحبة.

مثلها، فجعت صديقتي هذه قبل أكثر من عقد برحيل ولدها الشاب في واحدة من المحن العراقية الكثيرة، وهي لم تنس بعد كل هذه السنوات كيف تعامل الأقربون مع محنتها وكيف ربتت عليها يد صديقة حنونة، فمسحت على رأسها وأهدتها كلمات من سورة الرحمن، حتى هدأت روحها المكلومة واستسلمت للنوم ولم يزل حزنها طرياً. وها هي الآن تنصت من مغتربها في أقصى أقاصي العالم لصوت أم في الناصرية الجريحة، الصوت ذاته الذي خرج من صدرها هي قبل سنوات، لتمّد يدها الحانية وتربت على رأس الأم البعيدة وكأنها ترد الجميل.

 يحدث هذا فقط مع أمهات عراقيات وضعتهن صدفة مقيتة في طريق لصوص الأرواح، لصوص بسحنات مخيفة وقلوب من حجارة لا تعرف معنى الرحمة ولا تفقه بلغة الإنسانية.

لا أعرف كم مرّة تلت صديقتي سورتها المفضلة من القرآن عبر السنوات منذ تفتق جرحها للمرة الأولى، ومن الذي يربت على صفحة قلبها بالمواساة كلما خفقت روحها باسم ولدها الفقيد، ولا أعرف إذا ما بطل مفعول الكلمات أم لا؟

هذا هو قدر الأمهات اللاتي يرحل أبناؤهن، القدر الذي يمنحهن حياة تتكئ على حافة جرح نصف مفتوح، كلما لاح لهن نواح لأم مستجدة على درب الفقد، أفصح الجرح ثانية عن نفسه وتواصل نزفه الصامت.

قبل ثلاثة عقود فقدت زوجة عمي ابنها البكر في حرب الثماني سنوات، فأحاطتها النسوة من قريبات وجارات بأيديهن الحانية وربتن على وجعها مراراً لكنها لم تستجب.

دأبت والدتي على زيارتها كلما سنحت الفرصة لذلك، وفي كل مرة كانت تصاب بخيبة أمل كبيرة وهي تقص علينا خبر الأم التي كانت تواصل ذبولها مثل زهرة فارقها الضوء بينما تتساقط أوراق حياتها تباعاً بسرعة مدهشة.

عاشت (أم ماهر) أربعين يوماً بمباركة خليط الشاي بالسكر الذي كانت نسوة الحي يقدمنه لها بجرعات قليلة مثل الدواء، ثم رحلت قبل أن يكمل ولدها يومه الأربعين في منزله الأبدي.

بين الأمس واليوم تتوقف دورة الزمن عند عقارب الفقد ويبدّل الحزن أرديته مراراً، لكننا لا نلمح سوى السواد.. يحيط بأرض السواد. يحدث هذا في العراق.

21