يحيا قيصر: كوميديا تعيد إنتاج التاريخ

مازال الأخوان كوين قادرين على خلق الكوميديا بعد أكثر من عشرين فيلما في تاريخهما السينمائي الطويل، وخصوصا عبر تناولهما الشخصية الأميركية ومكوناتها والمراحل الحساسة المرتبطة بتكوين أميركا وثقافتها، وذلك عبر إعادة إنتاج التاريخ بصورة متخيّلة عبر التكوينات الكاريكاتورية للشخصيات، فبعد أفلام كـ”غامبيت” و”فارغو” و”لبوسكي الكبير”، يعود الأخوان إيّان وجول هذا العام بفيلم “يحيا قيصر” في كوميديا تاريخية عن أستوديوهات هوليوود والمدّ الشيوعي في أميركا وبداية الصراع بين صنّاع التلفاز والسينما.
الثلاثاء 2016/05/03
فيلم مليء بالصراعات الفكرية والأيديولوجية

يحكي فيلم “يحيا قيصر” للأخوين إيّان وجول كوين قصة إيدي مانيكس، أحد رجالات أستوديو كابيتول، مانيكس يحاول الإقلاع عن التدخين، لكن وظيفته مليئة بالضغوط والعلاقات الملتوية ليصل إلى ما يريده، فمانيكس هو رجل الظل المسؤول عن حل “المشاكل العالقة”، كحَبل إحدى الممثلات بصورة غير شرعيّة، أو إيجاد ممثل بديل لأحد الأبطال، إلى جانب عمله هذا، نراه مترددا بقبول أو رفض العرض الذي يتلقاه لترك الأستوديو وينضم للعمل مع إحدى شركات الطيران كمدير تنفيذي.

مانيكس يتجاوز السلطة ويتصرف بما يخدم الأستوديو والأستوديو فقط، فـ”السينما” صناعة أشبه بماكينة مضبوطة لا يجوز لها التوقف، هي لجمع المال وجذب الجمهور، النواحي الفنية المرتبطة بها هي عوامل ثانويّة، ومانيكس هو المسؤول عن سير هذه الماكينة بسلاسة، لكن المشكلة الأشدّ التي تواجهه، هي اختفاء بيرد ويتلوك بطل الملحمة الرومانية التي يعمل عليها الأستوديو.

ويتلوك اختفى قبل تصوير آخر مونولوغ له في الفيلم، هذا الاختفاء، أو بصورة أدق الاختطاف، تم على يد أحد ممثلي الكومبارس الذي يكتشف مانيكس لاحقا أنه جزء من حلقة للشيوعيين، الذين في الأصل هم مجموعة من الكتاب كانوا يعملون مع أستوديوهات السينما التي استغلتهم ولم تنصفهم حقوقهم المالية واكتفت بإعطائهم الفتات.

يبقى ويتلوك شبه سجين لدى الشيوعيين في فيلا مطلة على المحيط، وينغمس معهم في أحاديث عن رأس المال وماركس ووحشية النظام الرأسمالي، ليتم بعدها دفع الفدية وإطلاق سراحه ليكمل الفيلم قصته عن حياة المسيح، أثناء ذلك يُكتشف تورط أحد ممثلي الأستوديو، واسمه بيرت غورني، في عملية الاختطاف وعمله مع الشيوعيين، غورني يسلّم الفدية، لكنها تقع في البحر بالخطأ أثناء هروبه على متن غواصة نحو الاتحاد السوفييتي.

بصمة الكوميديا التي يعرف بها الأخوان كوين حاضرة، فالشخصيات لا واقعية، وحواراتها مزيج من الكليشيهات الممنهجة

بصمة الكوميديا التي يعرف بها الأخوان كوين حاضرة، فالشخصيات لا واقعية، وحواراتها مزيج من الكليشيهات المرتبطة بتلك الفترة، إلى جانب السذاجة التي تتصف بها، وخصوصا أنها تعتمد على مرجعية تاريخية سينمائية، بوصف الشخصيات مزيجا لأنماط السينما ذاتها، فكل شخصية من الفيلم لها مقابل في تاريخ سينما هوليوود في تلك الفترة، إلى جانب حضور نفحة الحماقة والتي تدمج كوميديا الموقف مع كوميديا المفارقات اللغوية والأداء الجسدي والمواقف الهزليّة.

الفيلم يستدعي المرحلة الحرجة لأستوديوهات السينما الكبرى في هوليوود، حيث قاربت على الانهيار بتأثير القرارات السياسية وظهور التلفزيون، وتأثير المد الشيوعي الذي نراه في الفيلم عبر مجموعة الكتاب الذين أضربوا، ويقيمون خلايا سريّة في سبيل تفكيك النظام الرأسمالي، هذا المدّ الشيوعي دفع الأستوديوهات كوسيلة للدعاية والدفاع عن نفسها إلى إنتاج الأفلام الضخمة والملحميّة، كأفلام الغرب الأميركي والملاحم الرومانية للتأكيد على هوية أميركا وتفوقها.

والفيلم يحمل أيضا، إشارات للفيلسوف الألماني الذي هاجر إلى أميركا هربرت ماركوزة، كما نلاحظ أن أعضاء الخلية الشيوعيّة يشبهون شكلا مفكري مدرسة فرانكفورت كأدورنو ووالتر بنجامين، وهم كأفراد لا كتنظيمات في مواجهة ماكينة رأس المال التي يكون الإنتاج فيها شبه آلي، وطبيعة الأفلام أقرب إلى المعلبات الجاهزة، فاللقطات الدائمة لساعة اليد التي يمتلكها مانيكس، أشبه بإيقاع يضبط هذه الآلة الإنتاجية الضخمة التي لن تتوقف عن الدوران.

الفيلم مليء بالصراعات الفكرية والأيديولوجية، فالشيوعية بمواجهة الرأسمالية، الإيمان الشخصي المتمثل في مانيكس واعترافاته المتكررة بمواجهة الإيمان المؤسساتي، الذي نراه في الصراع بين رجال الدين المسيحيين واليهود حول دقة الفيلم الذي تنتجه كابيتول، وهل هو مهين أو قد يثير المشاكل الدينية، ليعكس المُنتج السينمائي عن هذه الصراعات، “الكيتش” بوصفه وليد المؤسسة لا التجربة الفنيّة.

ماكينات الإنتاج الضخمة هنا تعمل في سبيل السلطة المركزية، السلطة الرأسمالية التي تتعامل مع ما نعرفه باسم ثقافة بوصفه سلعة، منتجا ذا معايير واضحة ويمكن استبدال مكوناته دون أي مشكلة، الشرط هو أن يكون ملائما لسياساتها، وأن يتابع الجمهور دفع ثمن التذاكر بغض النظر عن المضمون.

16