يحيى السنوار مفتاح التغيير الكبير

الخميس 2017/11/02
حماس تبتعد عن الإخوان وتعبث قرب مخالب إيران

دمشق- كان لافتاً تصريح القيادي في حركة فتح محمد دحلان في الحوار الذي أجرته معه وكالة أسوشيتد برس الأميركية حول مستقبل قطاع غزة، من أن توافقه الفكري مع الرئيس الجديد لحركة حماس في قطاع غزة يحيى السنوار، قد ساعد في التوصل إلى اتفاق لم يسبق له مثيل.

كرر دحلان في حواره ذاك قوله “نحن لسنا انشقاقيين بل نحن وطنيون”. وكان القيادي الفلسطيني، يتحدث عن رجل عرفه عن كثب، بعد أن عاش الاثنان طفولتهما معاً في مخيم خان يونس، فانضم الأول إلى شبيبة حركة “فتح”، والثاني إلى حركة حماس.

ولم يعتد السياسيون الفلسطينيون على نماذج قيادية تغلّب المصلحة الوطنية الفلسطينية على المصلحة الفصائلية الذاتية، سوى عبر قيادات تاريخية سطرت للوطنية الفلسطينية علوّ كعبها على الفصائلية، عبر شهداء القيادات الفلسطينية كالراحل جورج حبش وأبوجهاد الوزير وأمثالهما.

ولكن هل يمكن بالفعل القول إن فكرة القيادة هذه، عادت من جديد مع تبديل وجهة وواجهة حماس ضمن سلسلة التغييرات التي طرأت عليها في الآونة الأخيرة؟ لا سيما بعد الانتخابات التي جرت داخل الحركة والتي برز من خلالها السنوار كوجه قيادي جديد.

يشهد للسنوار بالصلابة في مواجهة الإسرائيليين والمرونة السياسية العالية حيال سياسات الحركة الفلسطينية، فهو من خلال اعتماده على قيادة الحركة نحو المصالحة الفلسطينيةـالفلسطينية يوجه رسالة واضحة إلى الشعب الفلسطيني والسياسيين الفلسطينيين الرسميين أن حماس جاهزة لتعبر بالعمل الفلسطيني المشترك إلى الطور القادم، المتمثل في إعادة ترسيم منظمة التحرير الفلسطينية، بعيداً عن الفصائلية والمحازبة والجهوية السياسية.

ولد السنوار في الـ29 من أكتوبر العام 1962 وتعود جذوره إلى مجدل عسقلان المحتلة في العام 1948 حيث اتخذ أهله من مخيم خان يونس مسكنا لهم، وهناك تنقّل في مدارس المخيم، حتى أنهى دراسته الثانوية، ليلتحق بالجامعة الإسلامية بغزة، وليحصل على درجة البكالوريوس في اللغة العربية، ويعمل في مجلس الطلاب خمس سنوات، أمينا للجنة الفنية واللجنة الرياضية ونائبا للرئيس، ثم رئيسا للمجلس.

اعتقل السنوار في العام 1982، لمدة أربعة أشهر، وبعدها بثلاثة أعوام اعتقل مجددا لثمانية أشهر، ثم اعتقل مرة ثالثة وصدر الحكم عليه بالسجن أربع مؤبدات، ثم أفرج عنه في العام 2011 خلال صفقة جلعاد شاليط، وتسربت أنباء عن أن شقيق السنوار، القيادي في كتائب القسام، محمد السنوار، كان أحد مهندسي تلك الصفقة.

صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية تعتقد أن السنوار سيكون "حلقة وصل قوية بين جناحي الحركة العسكري والسياسي، نظرا لما يتمتع به من خبرة أمنية ومهارات عسكرية"، واصفة إياه بأنه كان "وزير دفاع" حماس

المسؤول الأمني البارز

أسس السنوار جهازاً أمنياً أطلق عليه الاختصار “مجد” في قطاع غزة في العام 1985، وبدأ بإعداد ملفات أمنية حساسة، وأجرى تحقيقات مع عدد من العملاء الإسرائيليين ومع اندلاع الانتفاضة بدأ “مجد” وبالتنسيق مع الجهاز العسكري للحركة الذي كان أطلق عليه حينئذ اسم “مجاهدو فلسطين” برصد عمل جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الداخلي “الشاباك”. رصد حينها، عدداً من الاغتيالات والتصفيات التي وقف خلفها “الشاباك”، ولعب دورا في زرع العملاء وتجنيدهم في صفوف الجيش الإسرائيلي، وعمل على جمع كمّ هائل من المعلومات.

حينها استشعرت المخابرات الإسرائيلية خطورة ذلك الجهاز الأمني، فاعتقلت كلّ من له علاقة به وفي مقدمتهم السنوار، وبعده روحي مشتهى، بالإضافة إلى صلاح شهادة. وبعد الإفراج عن السنوار عاد إلى مكانه قياديا بارزا في حركة حماس وضمن أعضاء مكتبها السياسي.

وبحسب جريدة “السبيل” الأردنية فقد شغل السنوار مهمة التنسيق بين المكتب السياسي لحماس وقيادة كتائب عزالدين القسام، بصفته “ممثلا للكتائب” في المكتب السياسي، وكان قد طلب منه عقب انتهاء العدوان الإسرائيلي على غزة في العام 2011 إجراء تحقيقات وعمليات تقييم شاملة لأداء القيادات الميدانية وهو ما نتج عنه إقالة قيادات بارزة.

ملف الأسرى الإسرائيليين

أدرجت الولايات المتحدة في سبتمبر من العام 2015 اسم السنوار على لائحتها السوداء للإرهابيين الدوليين، إلى جانب قياديين اثنين آخرين من حركة حماس هما القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف وعضو المكتب السياسي مشتهى.

وبقي الرجل على تلك اللائحة حتى تم انتخابه رئيسا للمكتب السياسي لحماس في قطاع غزة في الـ13 من فبراير 2017 خلفا لإسماعيل هنية، فيما اختير خليل الحية نائبا له. وجاء اختيار السنوار رئيسا لحماس في غزة بانتخابات داخلية للحركة أجريت على مستوى مناطق القطاع المختلفة.

القيادي في حركة فتح محمد دحلان يؤكد لوكالة أسوشيتد برس الأميركية أن توافقه الفكري مع الرئيس الجديد لحركة حماس في قطاع غزة يحيى السنوار، ساعد في التوصل إلى اتفاق لم يسبق له مثيل

وعلقت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية على انتخاب السنوار بالقول إنه سيكون “حلقة وصل قوية بين جناحي الحركة العسكري والسياسي، نظرا لما يتمتع به من خبرة أمنية ومهارات عسكرية”، واصفة إياه بأنه “وزير دفاع” حماس. بينما يرى الخبراء الإسرائيليون أن السنوار هو من سيتولى فعليا حكم قطاع غزة.

يظهر دور السنوار في المصالحة الوطنية الفلسطينية بين فتح وحماس خلال التوقيع الأوّلي لكلا الحركتين على اتفاق القاهرة يوم 12 أكتوبر الماضي، بحضور رئيس المخابرات المصرية خالد فوزي، عبر إصراره على تنفيذ كافة الإجراءات لتمكين حكومة التوافق برئاسة رامي الحمد الله من ممارسة مهامها والقيام بمسؤولياتها الكاملة في إدارة شؤون القطاع كما في الضفة الغربية، ضمن حدّ أقصاه الأول من ديسمبر القادم، والعمل على إزالة كافة المشاكل الناجمة عن الانقسام.

ويبرز حجم قدرات السنوار القيادية داخل حماس من خلال التعهد الذي قطعه للسلطات المصرية بتشديد الأمن على الحدود بين قطاع غزة ومصر، وكبح جماح الجماعات الإسلامية المتشددة، وتلبية الشروط المصرية الأمنية كاملة في سيناء، بما في ذلك إغلاق بعض الأنفاق.

يؤكد السنوار أن حماس لن تعود لمربع الانقسام بأيّ حال من الأحوال، وستواصل إبداء مسؤوليتها الوطنية العالية في المراحل المقبلة، وأنها ستلتزم بتنفيذ الاتفاق وفق الآليات المنصوص عليها وفق المواقيت المحددة بكل مسؤولية والتزام.

يرى السنوار أن هناك أهمية كبرى لإنجاح الحوار الشامل الذي سيعقد في القاهرة في شهر نوفمبر الجاري، بمشاركة كل الفصائل الفلسطينية الموقعة على اتفاقية الوفاق الوطني في الـ4 من مايو من العام 2011، لمناقشة الملفات السياسية الخاصة بالقضية الفلسطينية التي تتضمن ترتيبات لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية فلسطينية، وإعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية التي لا تريد حركة حماس أن تكون بديلا لها كممثل للفلسطينيين كافة، بل الوقوف إلى جانب مظلتها.

حماس في مسارها الجديد، ووفقا للسنوار، ستغلّب المصالحة الوطنية على اعتبار أن المصالحة قضية وطنية وليست قضية فصائلية، يقول “سنحمل هموم الناس وآمالهم إلى طاولة الحوار في القاهرة”.

دور السنوار القوي في المصالحة الوطنية الفلسطينية بين فتح وحماس يظهر جليا خلال التوقيع الأولي لكلا الحركتين على اتفاق القاهرة يوم 12 أكتوبر الماضي، بحضور رئيس المخابرات المصرية خالد فوزي، عبر إصراره على تنفيذ كافة الإجراءات لتمكين حكومة التوافق برئاسة رامي الحمد الله من ممارسة مهامها

وكانت الحركة قد عيّنت السنوار في يوليو من العام 2015 مسؤولا عن ملف الأسرى الإسرائيليين لديها، وقيادة أيّ مفاوضات تتعلق بشأنهم مع الحكومة الإسرائيلية، حيث تم اختياره من قبل قيادة القسام لهذا الملف لثقتها به خاصة وأنه من القيادات المعروفة عنها الصلابة والعناد والشدة، وهو ما أظهره خلال الاتصالات التي كانت تجري لمحاولة التوصل لتهدئة إبان الحرب الأخيرة على غزة.

ومن هذا الباب يؤكد السنوار دوماً جاهزية الحركة لعقد صفقة تبادل أسرى جديدة على أن يكون من ثمارها إطلاق سراح الأسرى مروان البرغوثي، أحمد سعدات، عباس السيد وحسن سلامة، بالإضافة إلى أعضاء حماس.

ثمن التغيير

أطلق الإسرائيليون شروطاٌ واضحة على قبول المصالحة الفلسطينية والحوار مع السلطة الفلسطينية بوجود حماس في حكومة الوفاق الوطني، فردّ السنوار على هذه الشروط قائلاٌ إن “شروط الاحتلال مرفوضة بالكامل، ولا يمكن أن نعترف بإسرائيل أو نتنازل عن سلاحنا أو أيّ ثابت من ثوابتنا ونحن جاهزون أن نتنازل وطنيا وداخليا لأبعد حدّ، أما أمام العدو لن نتنازل”.

وشدد على أن حماس ستظل الأمينة على مشروع الشعب الفلسطيني، ومشروع التحرير والعودة، معيدا التأكيد على أن “سلاح المقاومة الذي راكمته حماس ليس ملكا لها فحسب أو للقسام، بل هو ملك لكل مواطن بغزة”.

يضيف السنوار إن “الشعب الفلسطيني ما يزال في مرحلة التحرر الوطني، ولا يمكن أن يستغني عن سلاحه الذي سيكون تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية التي هي ملك لكل إنسان فلسطيني، يسعى إلى العودة والتحرير”.

تبتعد سياسة حماس، بوجود السنوار، عن سياسة المركز الإخواني العالمي، وتأخذ بالاقتراب أكثر من إيران من خلال زيارة وفدها لطهران، برئاسة عزت الرشق، للمشاركة في مراسم أداء الرئيس الإيراني حسن روحاني اليمين الدستورية. وكذلك من خلال زيارة لوفد قيادي آخر جرت في أكتوبر الماضي للعاصمة الإيرانية، بهدف “إطلاع المسؤولين الإيرانيين على اتفاق المصالحة الذي وقعته حماس مع حركة فتح والتطورات السياسية”، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن السنوار مؤخرا.

إنجاح الحوار الشامل الذي سيعقد في القاهرة في شهر نوفمبر الجاري، بمشاركة كل الفصائل الفلسطينية الموقعة على اتفاقية الوفاق الوطني، يقع على رأس لائحة مهمات السنوار

يكرّر السنوار تأكيداته على رفض الحركة للشروط الإسرائيلية في قطع العلاقة مع إيران. وعلى أن حماس لن تتخلّى مطلقا عن الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ومقاومته، وأن أيّ تفاهم ومصالحة لن تؤثر على سلاح المقاومة ومنهجها.

ووفقا لنهج السنوار ستتمسك حماس بكل علاقاتها التي تدعم خيار المقاومة في مواجهة الاحتلال حتى زواله، وستعزز علاقاتها مع كل الدول والأطراف التي تقدم المساعدة والعون للشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بكل أشكاله، ومع كل الدول التي تدعمها في المصالحة.

وفي وقت سابق من صيف هذا العام، كان السنوار قد أكد، رسمياً، الدعم الإيراني العسكري الذي تتلقاه حماس والقسام، وقال إنه “دعم استراتيجي” وأن العلاقة مع طهران “أصبحت ممتازة جدا”. وأضاف السنوار “كل يوم نصنع الصواريخ ونواصل التدريب العسكري وتكوين الضفادع البشرية، وهناك الآلاف من الأشخاص يعملون في هذا ليل نهار”. وأكد أن حماس لا تمانع في إعادة علاقاتها مع النظام السوري، ولكنه أضاف “في التوقيت المناسب حتى لا ندخل في لعبة المحاور”، معتبرا أن “هناك آفاقا لانفراج الأزمة في سوريا ما سيفتح الآفاق لترميم العلاقات معها”.

قواعد في حماس تقول إن رئيس المكتب السياسي السابق للحركة خالد مشعل، عبّر عن انزعاجه الشديد من صعود السنوار. وأكثر من ذلك سربت أنباء عن أن مشعل قد بدأ يعارض التوافق السياسي الذي ظهر ما بين السنوار وبين دحلان. وأن هذا التوافق سيتسبب بتدمير علاقات حماس إقليميا، الأمر الذي تسربت عنه أنباء تحدثت بالفعل عن غضب تركي قطري كبير على حماس وعلى السنوار.

لتبقى حركة حماس في مفترق طرق صعب وحساس، ربما لا يمكنها عبوره دون تغييرات بنيوية كبيرة أبعد من تغيير الواجهات، بل التخلي التدريجي عن الأيديولوجيا كفكر نضالي، وهذا ما يصيب حركة دينية في جوهر تكوينها، ويدعوها لإعادة النظر من جديد.

12