يحيى الفخراني يبتعد عن المسرح السياسي في "ليلة من ألف ليلة"

يرفع المسرح ستاره عن لوحة استعراضية يبرز فيها النجم يحيى الفخراني الذي يجسد دور شحاذ يدّعي فقدان بصره مع ابنته “نجف”، ووسط مجموعة من الراقصين يقف الفخراني خاطفا أنظار الحضور بأدائه الحركي البسيط الذي يثبت به تغلبه على ملامح تقدم العمر.
الجمعة 2015/08/21
روح طفولية وخفة حركة قدمهما الفخراني على الخشبة

بخفة ظله المعهودة تبدأ مرحلة جديدة من الاستمتاع بأداء النجم المصري يحيى الفخراني الذي اختار العودة إلى المسرح بشعارين لافتين، أولهما البعد عن المسرح السياسي الذي كان صاحب السيادة طوال الفترة التي تلت ثورة يناير 2011، والثاني أن ترتبط عودته بعودة المسرح القومي أحد المنارات الثقافية في تاريخ مصر الحديث.

“ليلة من ألف ليلة” اسم العمل الذي يقدمه الفخراني في افتتاح المسرح القومي بعد سنوات من الغياب القسري، منذ إغلاقه عقب الحريق الذي شب فيه عام 2008.

واختار النجم الكبير العودة إلى جمهوره بعمل يهدف إلى المتعة، يستحضر فيه عذوبة كلمات الشاعر الراحل بيرم التونسي، وروعة ألحان الموسيقار أحمد صدقي، مقدما مسرحية عصرية، بمشاركة نجوم شباب استطاعوا أن يحققوا نجاحا كبيرا في سنوات قصيرة.

حكاية بسيطة

كان قد سبق تقديم هذا الأوبريت الغنائي عدة مرات أولها عام 1931 بدار الأوبرا المصرية القديمة، ثم قدم ثانية عام 1958 على خشبة المسرح القومي، وثالثة عام 1972 على مسرح محمد فريد بالقاهرة.

كما أنتجته الإذاعة المصرية عام 1961 وأخرجه يوسف الحطاب، وقام ببطولته فؤاد شفيق، وشفيق نورالدين، وشارك في الغناء حينذاك شهرزاد، وكارم محمود، وسيد إسماعيل.

كما سبق لبطل العرض نفسه يحيى الفخراني تقديم الأوبريت عام 1994 مع المطربة أنغام، والمطرب علي الحجار.

اختيار الفخراني لتقديم هذا العمل المسرحي يصب في صالحه لعدة أسباب، أهمها أنه يعود بـ”حدوتة” استعراضية يفهمها الرجل البسيط قبل المثقف، بعكس أعمال سابقة قدمها على نفس المسرح مثل “الملك لير” رغم نجاحها الكبير فنيا، إلاّ أن مدى استيعاب وتقبل الجماهير لرؤية أعمال مسرحية أدبية لا تزال محدودة.

بطل العرض يحيى الفخراني سبق له أن قدم الأوبريت عام 1994 مع المطربة أنغام، والمطرب علي الحجار

لذلك قد ترتفع أسهم الحضور الجماهيري للعرض، وهو ما علمت به أيضا “العرب” حيث تم بيع عدد كبير من تذاكر العروض الخمسة عشر الأولى، وهو ما أثبتته أيضا ليلة الافتتاح التي شهدت حضورا جماهيريا من مختلف الشرائح العمرية.

كان الفخراني موفقا أيضا في اختيار الوجهين الجديدين محمد محسن المطرب الذي نشأ من رحم ميدان التحرير بعد غنائه نشيد بلادي، والفنانة هبة مجدي التي يتم اكتشافها في العرض بوجه آخر.

فرغم دراساتها الموسيقية غير أن عملها كممثلة أخذ منها سنوات عدة، وتأتي شخصية “نجف” لتثبت بها موهبتها كمطربة تحمل صوتا عذبا يمكن استغلاله في ما بعد عند تقديم أعمال تجمع بين الدراما والغناء.

أما محمد محسن الذي يجسد دور الخليفة، فيستكمل ما حققه من شهرة خلال السنوات الماضية، في تجربته المسرحية الثانية، حيث يظهر بأداء أكثر ثباتا وثقة، باستخدام تعبيرات وجهه كممثل أصبحت لديه خبرة في واحدة من أكثر أنواع الفنون صعوبة، مازجا إياها بنبرات صوته التي خدمه فيها التوزيع الأوركسترالي، وقد أعدّه الموسيقار يحيي الموجي عوضا عن وجود الفرقة كاملة داخل المسرح، وربما يكون هذا النوع من الغناء أقرب إلى طبيعة صوت الفنان، ولهذا الأوبريت الاستعراضي الغنائي بالذات.

ديكور باهت

الأعمال المسرحية الاستعراضية تتطلب ديكورات تتناسب مع مضمون ما تقدمه، لكن لم يكن لـ”ليلة من ألف ليلة” من حظ في هذا الأمر، حيث جاءت الديكورات لتظهر المسرح بحجم أضيق من حقيقته، وبدت عائقا أمام حركة الراقصين في بعض اللوحات الاستعراضية، ما حرم العمل الذي يحمل معه نفحة من التراث القديم الممزوج بروح فنية من ميزة أساسية كان يجب على المخرج التشبث بها، وهي المتعة البصرية، من خلال فتح أفق الخيال في ذهن المشاهد.

مسرحية عصرية تجمع بين عذوبة كلمات الشاعر الراحل بيرم التونسي وروعة ألحان الموسيقار أحمد صدقي

أزياء العرض جاءت بسيطة في مجملها حتى ملابس الخليفة وحاشيته، لكن البساطة لم تؤثر على جودة العرض المقدم، ويعود ذلك بالأساس إلى أن الملابس التي تم استخدامها، تم تنفيذها داخل ورش المسرح القومي، وهو ما بدا أنه تحدّ آخر للميزانية المحدودة التي تمنحها الدولـة للعروض التي تقـوم بإنتـاجها.

أبرز ما في عرض “ليلة من ألف ليلة” ما كشفه من روح طفولية، وخفة حركة يملكهما يحيى الفخراني على خشبة المسرح، وقد مزج هذا الأداء بطريقة غنائه التي يجمع فيها الحزن بالفرح، بنبرة صوت أكثر تأثيرا مع الصغار قبل الكبار.

يشهد تاريخ الفخراني بما قدمه من شخصيات درامية في السنوات الأخيرة أنماطا غير تقليدية، واختياره لإعادة تكرار الأوبريت الاستعراضي بعد عشرين عاما من المشاركة في بطولته من قبل، يثير تساؤلات حول قيمة الاستعانة بعمل سبق تقديمه.

ومع ذلك يجد المشاهد إجابة عن هذا السؤال في العرض نفسه، فالفخراني حرص هذه المرة على تقديم الأوبريت بكلماته الحقيقية، بعد أن وجد النص القديم له، وهو الأقرب إلى النماذج التي يقدمها الفخراني في أعماله الأخيرة التي بات البحث فيها عن القيمة الأدبية هو الأهم.

الشعار الذي يعلو خشبة المسرح القومي “إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا” حرصت أسرة المسرح على تنفيذه حرفيا، بعد أن التزمت بمواعيد دخول الحاضرين قبل رفع الستار، حتى لا يثير الدخول المتأخر غضب الجمهور الذي يتطلع إلى الانسجام مع أحداث المسرحية، إضافة إلى منع التصوير أثناء العرض منعا للتشويش على الرؤية البصرية.

“ليلة من ألف ليلة” ربما يكون عرضا مستواه أقل من توقعات البعض ممن يبحثون عن متعة الإبهار البصري بما فيها من حركات الراقصين، والديكور وبعض التفاصيل البسيطة الأخرى.

ومع ذلك تكمن متعة العرض الحقيقية في تألق أبطاله، وعلى رأسهم بطله، الذي تزداد موهبته صقلا ووعيا بمرور الزمن، ويستكمل النجاح بإعادة فتح المسرح القومي للعمل رغم عدم انتهاء بعض التفاصيل الخاصة بتقنياته الفنية.

17