يحيى بن الوليد: أين نحن ممّا أنجزته فاطمة المرنيسي؟

الباحث والناقد المغربي يؤكد وجود جيل جديد من المفكرين المغاربة لا ينبغي التغافل عنه، ويرى أن إدوارد سعيد مفيد للنقد والفكر العربيين، أكثر بكثير من الذين يكتبون بالعربية.
الاثنين 2018/08/27
علينا الالتفات إلى المفكرين الجدد
 

قدم المغرب تجارب فكرية عديدة فريدة من نوعها كانت ولا تزال مؤسسة وفاعلة في الفكر العربي المعاصر ومكونا أساسيا من مكونات العقل العربي اليوم. قد لا نجهل محمد عابد الجابري أو عبدالله العروي وغيرهما، لكننا نجهل استمرار هؤلاء في من لحقوا بهم من الأجيال الجديدة والمشاريع الفكرية المعاصرة في المغرب اليوم. “العرب” كان لها هذا الحوار مع المفكر المغربي يحيى بن الوليد حول الفكر المغربي راهنا.

يعتبر يحيى بن الوليد الذي يعمل أستاذا في جامعة عبدالمالك السعدي بطنجة، من ألمع الباحثين والنقاد المغاربة راهنا، ومن أكثرهم حيوية ونشاطا ومتابعة للأحداث السياسية والاجتماعية لا في بلاده فحسب، بل في جل البلدان العربية. وقد أصدر يحيى بن الوليد العديد من المؤلفات الهامة في قضايا مختلفة فكرية، ونقدية. كما اهتم بدراسة الفكر النقدي لدى إدوارد سعيد. وله كتاب عن ا الراحل محمد شكري الذي جمعته به علاقة ودية خلال السنوات الأخيرة من حياته.

إدوارد سعيد

متحدثا عن “الثالوث”، وهو يعني بذلك عبدالله العروي، ومحمد عابد الجابري، وعبدالكبير الخطيبي الذين لعبوا دورا هاما وأساسيا في تطوير الفكر النقدي والحداثي في المغرب، يقول يحيى بن الوليد “ألاحظ أن الكثيرين لا يزالون ينظرون إلى ما ينجز بالمغرب -الثقافي- من خلال مجال البحث الفلسفي وبخاصة من ناحية ما أقدم على إنجازه الثالوث المتمثّل في الراحل محمد عابد الجابري دارس ومفكّك العقل العربي، في تكويناته المعرفية وبنياته الفكرية وتجلياته السياسية والأخلاقية، وفي الراحل عبدالكبير الخطيبي صاحب الأطروحة الشهيرة حول ‘النقد المزدوج‘ و‘الاسم العربي الجريح‘، ثم المؤرّخ المفكر الألمعي عبدالله العروي الذي يصعب تصنيفه رغم أنه صار عنوانا عربيا على ‘التاريخانية‘ التي كتب عنها من موقع التحليل والدفاع عن منطق التاريخ ونسق المفاهيم. لما يزيد عن نصف قرن”.

ويضيف “رأيي أنّنا كجيل لاحق، بدأ يكتب وينشر منذ التسعينات من القرن الماضي، قرأنا بل أدمنا القراءة لهذا الثالوث الذي لا يمكن سواء للمبتدئ أو الباحث المكرّس تجاوز ما كتبوه. والمؤكد أنه ثمة أسماء لاحقة لا ينبغي التغافل عنها، وهي الأخرى متداولة على نطاق كبير في العالم العربي مثل عبدالسلام بن عبدالعالي الذي يكتب ويترجم بلغة فلسفية واضحة، ومحمد سبيلا وبخاصة في سياق نقد الحداثة من ناحية التقنية. وكذلك عادل الحجامي وهو باحث شاب وعميق، وقد دشّن دخوله للفلسفة بكتاب غير مسبوق حول الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز”.

إدوارد سعيد يعلمنا الاعتقاد في جدوى اعتماد المقال في كتابة مواضيع تبدو كما لو أنها منذورة لماكينات التحليل الأكاديمي فقط

لكن بن الوليد يرى أنه بهذه النظرة المتحيّزة للفلسفة نظلم ما ينجز بالمغرب وليس في مجال النقد الأدبي فقط وإنما أيضا في مجال البحث التاريخي المظلوم حتى الآن، إذ يمكن الحديث من هذه الناحية عن مدرسة تاريخية بالمغرب خطت خطوات مهمّة مقارنة مع المنجز الفلسفي ذاته ومن خلال أسماء لا يسع المجال لذكرها، بدءا من العلامة محمد المنوني الذي يعدّ “مؤسـِّس المدرسة الحديثة في التاريخ بالمغرب”.

 ويشدد الباحث على أن ما ينجز في البحث التاريخي بالمغرب من خلال أعمال محدّدة يبدو له أهمّ مما ينجز داخل المدرسة الفكرية المغربية. فهذا البحث يبدو متقدّما كثيرا مقارنة مع ما ينجز في النقد الأدبي.

وعلى سنوات طويلة انكب يحيى بن الوليد على كتابة بحث مستفيض عن المفكر الفلسطيني الكبير إدوارد سعيد. وهو يقول “أن تكتب عن إدوارد سعيد سنويا ستة كتب، يجعل الحديث عنه من منظور مطمح الإحاطة مغامرة معرفية. غير أن ذلك لا يحول دون الإشارة إلى أن الرجل أدرك هذا التحرّك الرهيب والعسير ما بين الثقافات واللغات والحضارات. أجل يمكن التعامل معه باعتباره كاتبا أو مفكرا فلسطينيا، إلا أنّه يظل منتوجا للغرب الرأسمالي الأورو- أميركي الأكاديمي في آخر المطاف؛ وهذا ما يخفى عن القراءات الأصولية على اختلاف تياراتها بالعالم العربي. فهو منتوج أدواته المعرفية التي أدرك كيف يدرسها نظريا وكيف ينقلها لألغام الثقافة والاستعمار والإمبريالية والاستشراق التقليدي والمعاصر والأنثروبولوجيا ومعارف وتخصّصات أخرى. وأهميته أنه أثّر في مجالات تقع خارج مجال تخصّصه الأثير الذي هو مجال النقد الأدبي، وهذا مع أنه حافظ على أسلوب عمل الناقد الأدبي في تعاطيه مع مواضيع تقع خارج دوائر النقد الأدبي”.

وفي الكتاب الذي أنجزه عنه بعنوان “إدوارد سعيد وحال العرب” والذي نشر بالقاهرة في طبعتين في عام 2010. حاول يحيى بن الوليد البحث في مدى تداول إدوارد سعيد في العالم العربي الذي نشأ فيه حتى وإن كان قد درس في المدارس الكولونيالية غير المتاحة وقتذاك في هذا العالم. وإن بحثه كان في مدى تداوله وليس انتشاره، لأن انتشاره في العالم العربي كان الأضعف مقارنة مع الهند وحتى مقارنة مع إسرائيل من خلال ما يعرف بـ”المؤرخين الجدد” من الذين انتقدوا “الرواية الإسرائيلية” لفلسطين. وهذا في الوقت الذي كان ينبغي أن يكون تأثيره قويّا في العالم العربي.

يتابع يحيى بن الوليد “إجمالا الرجل مفيد، بل مفيد بالنسبة إلى النقد والفكر العربيين، أكثر بكثير من الذين يكتبون بالعربية. وعلى مستوى النقد الأدبي ثمة رأي جارح بعض الشيء وهو لشيخ النقاد العرب الراحل إحسان عباس الذي ذهب فيه إلى أن ‘النقاد العرب مترجمون عدا إدوارد سعيد‘. يعلمنا إدوارد سعيد الاعتقاد في جدوى اعتماد المقال في كتابة مواضيع تبدو كما لو أنها منذورة لماكينات التحليل الأكاديمي فقط. فالمقال عنده يلتبس بالنقد ذاته، وليس غريبا أن تكون جميع كتبه باستثناء ‘الاستشراق‘ مقالات. لكن الاعتراض الوحيد عليه هو من ناحية تغييبه لموضوع المرأة ودراسات الجندر مع أن هذه الدراسات منتشرة بالوسط الأكاديمي الأميركي”.

المفكرون المغاربة

عن إسهام الجيل الجديد من المغاربة في المجالين الفكري والنقدي، وفي مباحث قضايا السياسة والدين والمجتمع، يقول يحيى بن الوليد “بصفتي مدرسا في جامعتين بالمغرب يمكنني التشديد بصفة عامة على التراجع الملحوظ على مستوى الإنتاج الأكاديمي الرصين والثقيل، وعلى التراجع على مستوى التعاطي للعلوم الاجتماعية ككل. ما ينشر في الأغلب الأعم عبارة عن رسائل جامعية، صحيح أن منها ما لا يخلو من أهمية لكنها غير محكومة أو غير منتظمة ضمن مشاريع فكرية لأصحابها. فأين نحن ممّا أنجزته فاطمة المرنيسي مثلا؟”.

هناك استسهال في الجامعة المغربية، والطلبة يختارون الطريق الأسهل، هم لا يرغبون في المواضيع التي تستلزم عدّة معرفية ثقيلة

ويضيف “هناك عجز أو عدم اهتمام أو سمّه ما شئت حتى على مستوى فهم هذه المنشورات ودراستها. هناك استسهال في الجامعة المغربية، والطلبة يختارون الطريق الأسهل، هم لا يرغبون في المواضيع التي تستلزم عدّة معرفية ثقيلة، وحتى على مستوى دراسة التراث في أنماطه ووحداته السياقية الكبرى هناك تراجع. وهذا التراجع في تزايد مستمر. والمؤسف أن الأساتذة الجامعيين يسهمون فيه. وكما أن الإفلاس السياسي وتراجع أداء المثقف. كان لهما تأثيرهما على مستوى التشابك مع الأنساق الفكرية والثقافية اللاهبة والكبيرة. وكما أن هذه الأنساق بدورها قد تعرّضت للزلزلة، ما أسهم في إرباك المحلّلين والنقاد”.

وعن الكتاب الذي أنجزه عن محمد شكري يقول يحيى بن الوليد “أنجزت كتابا عن محمد شكري مغايرا وعنوانه ‘تدمير النسق الكولونيالي’ قبل ثماني سنوات، وأعدت نشره في دار أزمنة بعنوان ‘في الرد الكتابي’، وموضوعه كيف رأى محمد شكري الكتّاب الأجانب من الذين أقاموا بمدينة طنجة وفي مقدّمهم بول بولز وليام بوروز وجان جينيه. ومعنى ذلك النظر إليه من خارج مربع سيرته ‘الخبز الحافي‘ التي كانت أساس شهرته وسحقها في الوقت نفسه. وبالنسبة إليّ محمد شكري صديق ولا أدلّ على ذلك من آخر كتاب نشره في حياته هو في شكل حوار مطوّل أجريته معه إلى جانب ابن طنجة الكاتب والمسرحي الزبير بن بوشتي. ما ألاحظه أن البعض، الآن، يتاجر بمحمد شكري، وقد رفضت الدخول في هذه اللعبة المبتذلة”.

15