يحيى جابر: على الشاعر أن يبقى فوضويا وعابرا للعلاقات الاجتماعية

الثلاثاء 2013/10/08
يحيى جابر: علاقتي مع الناس مبنية على مزاجي

لا يحتاج الشاعر والكاتب اللبناني يحيى جابر إلى الكثير من الوقت كي يسجل فكرته، فحديثه يشبه كتاباته على نحو يوحي بأنه يعثر على ضالته في اللحظة التي يشرع فيها بالتفكير، يستطيع كشف أسرار صنعته، بعد أن تمكّن منها، وكلما تقدم به العمر أصبح قويا على التصريح بعيوبه الشخصية، يحيى جابر حكواتي بيروت و لبنان وجزء من العالم أقف معه على حدود لنتحدث في الشعر وعنه وعليه.

يحيى جابر فنان لبناني متعدّد المواهب، فهو شاعر وكاتب صحفي وممثل ومخرج. وهو يعتمد السخرية سبيلا إلى طرح أفكاره التي ينتقد فيها كثيرا من مظاهر المعيش اللبناني والعربي سواء أكان ذلك في مجال السياسة أم الثقافة أم الاجتماع. وهو في كل ذلك مولع بالتفاصيل، ينتقيها من محيطه ويسلّط عليها فكره ثم يقدّمها للناس في صور ساخرة بليغة.


أقل من الحب


حول سؤالنا له إن كان يجد نفسه في مكانه كما يريد أم أن هناك أمكنة أخرى: مواقع أدبية، أو أزمنة ودّ الرحيل إليها أو العودة منها، أو المكوث فيها، يجيب يحيى جابر قائلا: "سأتكلم عن المكان الفعلي. أنا من الذين أمضوا حياتهم، وعن غير قصد، دون مكان فعلي. لم أشعر بحاجتي إلى انتساب ما، هناك وصف لهذه الشوارع الضيقة والسواقي والرائحة اللاهثة والأنفاس الساخنة. تنقلّت في مدن كثيرة، دون مشكلة انتماء".

ويضيف" في بيروت أنا أنتمي إليّ، إلى غرفتي، إلى المقهى الذي أقيم فيه، وإلى الناس الذين أعرفهم. لست بحاجة إلى استعارة انتماء أكبر. انتمائي تماما ما أنا فيه الآن، أنتمي إلى الكلام، إلى هذا الحديث معك".

وعند سؤاله عن بيروت كيف يحدد علاقته فيها؟ يقول يحيى "بيروت تقف باستمرار على حافة الصراعات، "برج البراجنة " المكان الأول الذي ولدت فيه أختفى تماماً من حياتي، لا أملك أي متر مربع في هذه المدينة – الدولة، ومع ذلك فأن القاطن في بيروت يسعى إلى فردانية لا يكف عن صنعها وإعادة تشكيلها في كل الأوقات.

أجد سلامي الشخصي في الكلمات التي أتصالح بها وأتخاصم عبرها مع الماضي والحاضر، ولكن أبناء بيروت ربما أكثر من غيرهم من العرب، حساسون إزاء فكرة الثبات والتقليد، فهم حداثيون، وغير هيابين من تخطي الأصول والمواضعات. في تفاصيل بيروت فرادة تَمثّلها الأفكار واستنباتها وتطوير وظائفها لتتحول إلى حيازة شخصية وحكي يومي". والنساء؟ يجيب ضاحكاً: "المرأة بداخلي، وهناك حب إشكالي معها، حب خارج من سوء تفاهم بين المتكلم والمكان.

هو أشبه بعلاقتنا مع المرأة بداخلنا، المرأة التي بداخلنا غير جميلة، يؤلمنا أو يزعجنا أن تكن غير جميلة، ولكنهن في النهاية أنا. وهذه العلاقة الإشكالية هي كل ما نصادفه في كل علاقة. لا أعرف ما هي العلاقة البسيطة، أي علاقة هي علاقة إشكالية، ولهذا لم تكن قصائد الحب التي كتبتها، قصائد حب. كان القارئ يرى فيها شيئا أقل من الحب".


تجديد المخيلة


نقترب إلى لبنان السياسي المتداخل في الثقافي ومدى الفائدة من تنافذ العالمين يجيبنا جابر "كصحافي كان عليّ أن أسأل، ولست أعتقد أن عليّ كشاعر أن أجيب. إذا كنت أجد للصمت مطرحاً في أمور قد نجد لها أمثلة وقياسات، فكيف أجد مطرحاً للكلام في حضرة من لا مثال له ولا مرجع. ذات يوم أجاب "دريدا" على "فوكو" بأنه تكلم على الجنون باللغة نفسها التي جعلته يسكت عن قول نفسه.

إنها مهمة مستحيلة، ماذا لو وضعنا الشعر هنا. نتكلم على المسكوت عنه باللغة ذاتها التي جعلته يسكت. إنها اللغة ذاتها التي كانت مطرقة وقيداً، كيف نملك أن نجعل منها ببساطة وربما بسذاجة ديناميتاً ومفجراً. ماذا لو كان كل ذلك من خدع اللغة وحيلها، ألم نفكر أن لها القدرة الحربائية على أن تظهر بألف لون.

ماذا لو لم نفعل سوى أن نصب ماء في اليقينيات الكبرى، ماذا لو كان الانفجار مجرد شعر حرفي ومجرد ألفاظ للانفجار. ألم يبتعد الشعر هكذا كثيراً عن نفسه، وعليه، لهذا السبب وحده، أن يبدأ من بدايات متأخرة، ولهذا أحاول تجديد مخيلتي وتجديد صلتي بالراهن. هذه عملية صعبة ومعقدة، ثقافية وعاطفية وخيالية".

وعند سؤاله عن الضمير الجمعي "نحن"، عن "الأنا" الذي يتقدم في الكثير من قصائده. ومن هم الذين تنوب عنهم في الكلام الشعري، وهل هذه "النحن" تحيل إلى انتماء أو انتساب إلى جماعة ما ؟ تحدث يحيى عن "الأنا" اللانهائية التي تنتهي بــ"نحن" فقال: "يهمني أن أتقدم بمنجزي، أكثر مما تستهويني العلاقات، فهي لا تمنح شيئا، لأن الناس سينفضون عنك حال إدراكهم عجزك عن التقدم نحو أفق أفضل في الإبداع.

أزعم بأن جزءا من علاقتي مع الناس مبني على مزاجي. الكاتب ينبغي أن يبقى فوضويا وشابا وعابرا للعلاقات الاجتماعية. أظن أن من أخلاقيات الكتابة أن لا يتحول الكاتب إلى مقام أو مركز، هذا بحد ذاته مضاد للكتابة. فكرة البحث عن مقام أشبه بالبروتوكولات السخيفة، ومزاجي، كمنهار عصبي في السابق، هو ما يجعلني قليل الصبر على هذه المواضعات. لا أستطيع أن أعيش بالتقليد، أريد أن أستمتع بالجلسة والعلاقات الخاصة، مزاجي لايحتمل ممارسة علاقة مع شخص سخيف، وأظن أن أجمل إمرأة سخيفة لا تغريني.


البحث عن البداية


عن اللغة في نصه التي تبدو كتمرين تأويلي، هي تثبت لتنفي، تصدق لتكذب، تخفي لتكشف. أين يجد يحيى جابر اللغة، في فضاء المعلومات أو في ذاكرة القاموس، يجيب بردّ بسط: "ليس لدي رغبة في أن أصوغ تصورات نظرية. لا أريد التحدث عن معادلة نظرية بين الشعري والنثري،شاعر مثلي يجب أن يبقى باستمرار في غمار البحث عن بداية أخرى.

عليه أن يخاف من أن يبدأ بأسلبة نفسه أو تقليدها، أن يغدو مسبوقا، والخطر يزداد مع العمر. أن تملك السيطرة على الرؤية الشعرية، هذه الرؤيا مهددة بأن تغدو قديمة. بالتأكيد عندما نقرأ شعراً شابا نفهم فوراً أن هناك حساسية أخرى حتى في أكثر الأشعار ضعفا، مع ذلك لا يسعني إلاّ أن أنتظر في هذه الأشعار تعبيرا عن هذه اللحظة، ولهذا أحاول تجديد مخيلتي وصلتي بالراهن. هذه عملية صعبة ومعقدة، ثقافيا وعاطفيا وخياليا.


حداثة الشعر


وفي معرض سؤالنا عن الكلام الدائم حول التجديد في التجارب الأدبية والشعرية، حيث يحاول البعض إلغاء ما قبله تماماً.. كيف ينظر يحيى جابر إلى تطور القصيدة الشعرية العربية؟ يرد جابر بقوله: "أحسب أن شعراء الحداثة الأولى لم يوفروا أجوبتهم، لقد تكلموا كثيراً عن تحطيم اليقينيات، لكن الذي لم يتحطم بالطبع هو يقينهم في أنفسهم أولاً ثم الشعر الذي بقي يقينهم الأول. لقد ذهبوا إلى معارك شتى في التاريخ وفي الثقافة، صرخوا كثيراً في الخارج، حطموا أوثاناً كثيرة بعضها كان حقيقياً وبعضها كان غيلاناً من كرتون. لكن حملوا كل هذه الغنائم إلى الشعر، الشعر الذي تطوّب بمقدار ما كان ما حوله ركاما، الذي وحده نجا وعظم سلطانه، الذي وحده استفاد من كل خسارة أخرى، ووحده بالطبع قام عن الجميع، عن كل الدوائر وكل الأقانيم، بعبء المعركة الكبرى. كان لابد من أن يكون الشعر حصنا لمن يريد أن يلتجأ. أسمنتاً لمن يريد أن يحتمي، سلاحاً لمن يريد أن يحارب".


تحنيط كتابي


ما صلة شعر يحيى جابر بحياته الشخصية، وهل استكمل هذه الصلة عبر مسرحية "طريق الجديدة"؟ يجيب بنوع من الحذر قائلا: "الكتابة تسلك طريقها الخاص، وهي تنحرف عن مبتداها، و تفلت إلى حيث لا نستطيع أن نلحق بها. ثم إن الكتابة وهذا سرها وجلالها، تتخطى الكاتب وتعلو عليه. ولو كانت الكتابة بقدر كاتبها لما كان لها أن تبقى، ولما كان لها أن تجتذب قارئا، لأنها إذا كانت بقدر صاحبها، فهي بقدر تفاهته وهشاشته وضيقه.

ما هو جليل في الكتابة يبدو أحيانا فوق شخصي وفوق إنساني. الكتابة تحمل حقا أم وهما، ذلك الوعد بالحقيقة، ذلك الهم بالحقيقة. الكتابة بالتالي هي وهم الكتابة الكبير، وهو الذي يعطي الكتابة سببا لتجتذب قارئا. ما يجذب القارئ ليس الكاتب الذي يساوي القارئ في عجزه وضعفه، ما يجذبه بعد لا شخصي يتجاوز الكاتب، ويتجاوز الإنسان". ويضيف ""طريق جديدة" هي الخطوة الأولى في طريق "الأشرفية – البقاع- دمشق- القاهرة – باريس" وكل مكان زرته".

عن نص الحداثة وما إذا كان هناك شيء لابد من الهروب منه، وما الذي يريد خلخلته وتفكيكه "اللغة، الشعر، الشاعر"، يقول يحيى: "العبرة ليست في الجواب، ولكن في السؤال لأنه يتضمن الجواب. أظن أن كل نص يملك فكرته الخفية وكل نص يملك فلسفته الخاصة التي لا تظهر على سطح النص ولا أمامه، هي موجودة في تحتية النص، موجودة على شكل أنصاف أفكار، أفكار غير مكتملة أو أشكال فكرية، أوإيقاعات فكرية، تململ أفكار، وهذا ما يعطي النص الأدبي ليس فقط بنيانه، بل شعريته".

ويضيف"هناك طريقة شعرية في التفكير تقوم على قدرة السؤال على أن يستولد من داخله أسئلته الخاصة، وقدرة الأفكار على أن تحطم بعضها البعض. قدرة الأفكار على أن تبدو كتماس جسدي مع العالم.

لانستطيع القول إن الطريقة الوحيدة في التفكير هي الطريقة الاستقرائية المتسلسلة التي نجدها في نص فكري، نحن نفكر طوال الوقت وفي أحيان في أفكار لانفهمها أو غامضة. ونفكر خلال جسدنا ومشاعرنا وأحاسيسنا.

هذا التفكير جريان من الأفكار ليس مفضيا إلى نتيجة بالضرورة، وليس آيلا إلى أجوبة، وليس طارحا لمسائل ومعادلات متوازنة. نفكر في الجنون والهذيان والرغبة. نحن في عملية تفكير توازي وجودنا، هناك تفكير استقرائي وآخر منطقي، بحثي بالطبع، لكننا بالمقابل لا نستطيع أن نفعل شيئا دون أن يشتمل على فكرته.

الشعر هو نوع من التفكير، ومضحك أن هناك شعراء ونقاداً يفترضون أو يتخيلون فنا خالصا بلا أفكار. عبارة عن لعب خالص، ولكن حتى اللعب له أفكاره، لا نستطيع أن نبقي الفن أو الشعر على مستوى اللعب المجاني، أكيد في الفن مجانية ولكنها لا تستغرق الفن كله".
15