يحيى دكروري يحكم بعكس ما تهوى الحكومات

الأحد 2017/05/21
قاض مصري يؤمن بأن الاستبداد أشد خطرا من الإرهاب

القاهرة - فتح ترشيح مجلس الدولة المصري، أعلى هيئة قضائية في مصر، القاضي المستشار يحيى دكروري منفردًا لرئاسته الباب على مصراعيه أمام العديد من التأويلات حول وجود نيّة مسبقة لدى فريق من القضاة للصدام مع الرئيس عبدالفتاح السيسي، لا سيما وأن تسمية دكروري وحده لرئاسة المجلس مثلت تحدّيا صريحًا لتعديلات قانون السلطة القضائية الذي صدّق عليه الرئيس ويلزم كل هيئة بترشيح أقدم 3 قضاة بالهيئة ليختار منهم الرئيس واحدًا لرئاستها.

الرأي العام المصري يتابع باهتمام بالغ هذا الخلاف حول من سيتولى رئاسة مجلس الدولة في نهاية المطاف، سواء رجل الشارع العادي أو السياسيين وبالتأكيد القضاة أنفسهم، ويترقب الجميع من الذي سيحسم هذه المعركة لصالحه، ليس فقط لكون الخلاف قائمًا بين هيئة قضائية لها ثقل كبير وبين رئيس الجمهورية، وإنما أيضًا لوجود شخصية قضائية رفيعة مثل القاضي دكروري الذي يمثل الطرف الأهم في هذه الأزمة.

القاضي والجماهير

يرى الكثير من المصريين، المتابعين لأزمة القضاة مع البرلمان والرئيس بعد إقرار تعديلات قانون السلطة القضائية بإلغاء نظام اختيار رؤساء الهيئات القضائية بالأقدمية وإدخال صلاحيات للرئيس باختيار رئيس الهيئة من بين 3 مرشحين، أن ترشيح دكروري وحده يستهدف إظهار الرفض والتحدي والتصعيد غير المسبوق بين القضاة والسيسي.

لأن دكروري (69 عامًا) قاضٍ لمس الجماهير بالعديد من أحكامه التي جاءت مغايرة لتوجهات الحكومة، فإنه يتمتع بقدر كبير من الشعبية لا سيما وسط الفئات المعارضة للنظام، سواء كانت أحزابًا سياسية أو ائتلافات ثورية أو حركات معروف عنها مناهضتها للحكومة على طول الخط، أو حتى بعض فئات المجتمع المتابعة له كقاضٍ بارز لمع اسمه مع أحكامه، وهؤلاء جميعًا يراقبون ما يجري بشأن تسميته لرئاسة مجلس الدولة باهتمام شديد. ويمكن القول إنه من النادر أن يكون هناك ظهير شعبي وسياسي لمستشار يعمل في القضاء المصري على الأقل في الآونة الأخيرة كما يحدث مع دكروي حاليًا، ويرجع ذلك، ربما، إلى ما أحاط به القضاة مناصبهم من تحصين، وتقديم أنفسهم إلى المجتمع على أنهم شخصيات يُحظر الاقتراب منها أو التفتيش في ملفاتها، أو حتى اعتراض البعض على توريثهم وظائف القضاء لأبنائهم وأقاربهم.

بسبب كل ذلك وغيره تصاعد الاحتقان الشعبي جراء هذه الطريقة التي كان يتم تصديرها من جانب رموز القضاة إلى الرأي العام، وفي كثير من الأحداث والفعاليات كان هناك شيوخ في السلك القضائي يعتبرون أن مهنة القاضي مقدسة ويحق له فعل ما يشاء، ما أدّى لأن تكون هناك نظرة سلبية للقاضي كشخصية ترى في نفسها أنها أعلى مكانة اجتماعية في البلاد.

قاضي تيران وصنافير

غير أن الوضع مع القاضي دكروري يبدو مختلفًا إلى حد كبير، حيث يُنظر إليه من جانب المعارضين تحديدًا على أنه “بطل شعبي” منذ أن تحدى الحكومة ووضعها في وضع حرج أمام الرأي العام بإصداره حكمًا إداريًا يقضي ببطلان اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية وما ترتب عليها من تنازل القاهرة عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة، وهي الاتفاقية التي تسببت في خروج مجموعات عديدة بالشوارع للتظاهر ضد الحكومة.

وكان الأكثر وقعًا من حكم بطلان الاتفاقية تلك الحيثيات التي صدرت عن المحكمة بتوقيع رئيسها دكروري، والتي تضمنت كلمات وعبارات توصف بأنها ثورية، بل وحمل بعضها اتهامات غير مباشرة لمن وقّع على الاتفاقية بأنه ارتكب مخالفة التنازل عن الأرض المصرية التي هي ملك للشعب وحده.

وكان من بين تلك العبارات التي أوردها دكروري في حيثيات الحكم أن “الأرض ليست ملكًا لسلطة من سلطات الدولة ولذا فإن الحفاظ عليها والدفاع عنها فريضة مُحكمة وسُنة واجبة، فهذا التراب الذي تُرّسم حدوده ارتوى على مر الزمان بدماء الشهداء، والأرض باقية وثابتة بحدودها شمالاً وجنوبًا شرقًا وغربًا بينما سلطات الدولة متغيرة، والتنازل عنها سيفقد مصر حقوقها على مياهها الإقليمية ويشكل تهديدا دائما لأمنها القومي”.

دكروري تحدث آنذاك أثناء تلاوة حكم بطلان الاتفاقية بطريقة تقارب لغة الفئات الغاضبة عن تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، كما كانت لحظة النطق بالحكم تضاهي لحظة أيّ حدث تاريخي وقع خلال ثورتي 25 يناير 2011 أو 30 يونيو 2013 من حيث ردة الفعل.

وقتها قارن كثيرون بين نموذجين من القضاة، القاضي دكروري الذي وقف معارضًا للتنازل عن الأرض -حتى وإن كانت محكمة مصرية أخرى قضت بصحة الاتفاقية- وزميله القاضي وائل شلبي أمين عام مجلس الدولة، الذي انتحر داخل محبسه في يناير الماضي على خلفية اتهامه في قضية رشوة وسرقة المال العام بعشرات الملايين من الجنيهات. ولأن حكم مصرية تيران وصنافير هو الذي قدّم الرجل إلى الناس أكثر من أيّ حكم آخر فإن هناك من يحاول الترويج لفكرة أن تعديلات قانون السلطة القضائية الجديد ومنح الرئيس سلطة الاختيار جاء خصيصًا لاستبعاد دكروري من رئاسة مجلس الدولة، وهو ما شددت على نفيه دوائر سياسية وبرلمانية.

لغة دكروري في حيثيات الحكم الخاص بصنافير وتيران تركت أثرا في الرأي العام المصري بصورة بالغة وكان من بينها “الأرض ليست ملكا لسلطة من سلطات الدولة ولذا فإن الحفاظ عليها والدفاع عنها فريضة محكمة وسنة واجبة” وأيضاً “هذا التراب الذي تُرسم حدوده ارتوى على مر الزمان بدماء الشهداء”.

رجل الدولة

دكروري ليس من فئة المعارضين للدولة بل يعد واحدًا من رجالها، حيث ينتمي لعائلة صعيدية بمحافظة المنيا بصعيد مصر، تتمتع بنفوذ قوي وتزخر بالقضاة ورجال الجيش والشرطة، والتحق بمجلس الدولة عام 1976، وخلال أربعة عقود تدرج في العمل القضائي، حيث بدأ برئاسة قسم الفتوى والتشريع مرورًا برئاسة دائرة الانتخابات بالمحكمة الإدارية العليا وصولًا إلى رئاسة محكمة القضاء الإداري، وعمل من قبل مستشارا قانونيًا للبنك المركزي المصري ومجلسي الوزراء والشعب ووزارة التربية والتعليم.

ويُعرف عنه أنه شخصية هادئة ومتواضعة إلى حدّ بعيد، لكنه في ذات الوقت يتمتع بقدر كبير من الشجاعة وعدم الخوف من خوض المعارك مهما كان الطرف المقابل، ويوصف وسط القضاة بأنه “الحازم والصارم والمتواضع”، ما أهّله للفوز برئاسة نادي مجلس الدولة لدورتين متتاليتين لمدة 6 سنوات بأغلبية ساحقة.

وكان دكروري هو القاضي الوحيد في السلك القضائي المصري الذي حرّك دعوى قضائية ضد وزير العدل في البلاد وهو في منصبه، فخلال تولّي ممدوح مرعي حقيبة العدل في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك (2007) رفض الوزير علاج القاضي الشاب محمد جاد المنزلاوي، ووقتها كان دكروري نائبًا لرئيس مجلس الدولة ويتبنّي بنفسه قضية علاج المنزلاوي ويضغط لأجل أن توافق الوزارة على علاجه في الخارج على نفقتها، لكن مرعي رفض وتحدث عن دكروري بشكل غير لائق ووصفه بأنه “يبكي مثل الفنانة الراحلة أمينة رزق عندما يتحدث عن الحالة الصحية لزميله”.

لم يقبل دكروري لهجة حديث وزير العدل وعناده في علاج زميله الذي كان يعاني من مرض يصعب علاجه في مصر، فما كان منه إلا التوجّه إلى مكتب النائب العام ورفع دعوى قضائية يطلب فيها محاكمة الوزير شخصيّا بتهمة السخرية منه والحط من شأنه، ووقتها كان بلاغ قاضٍ في الخدمة ضد وزير في المنصب بمثابة المفاجأة غير المسبوقة.

أمام إصرار دكروري على موقفه ضد الوزير وقيامه بشنّ حملة شرسة ضد مرعي في وسائل الإعلام، اضطر حسني مبارك إلى التدخل لوأد الأزمة وتهدئة دكروري بالموافقة على سفر زميله إلى ألمانيا للعلاج على نفقة الدولة دون أن تتحمل أسرته أيّ تكاليف مالية.

غير أن قرار مبارك بعلاج القاضي الشاب لم يجعل دكروري يحيد عن مبادئه، فحكم ببطلان قانون الدوائر الانتخابية الذي كان الحزب الوطني الحاكم يسعى من خلاله إلى السيطرة على مقاليد البرلمان، وهكذا أوقف دكروري دعوة الناخبين إلى الاقتراع لحين تعديل القانون.

عدو الإخوان

يوصف القاضي يحيى دكروي بأنه من أبرز أعداء جماعة الإخوان المسلمين داخل السلك القضائي، حيث دخل في معركة شرسة أثناء رئاسة الإخواني محمد مرسي رئاسة البلاد، بعدما أوقف الانتخابات البرلمانية التي دعا إليها مرسي لتقام في أبريل من عام 2013، وقال إن مرسي ليس “سلطانًا”، ووصف قانون الانتخابات الإخواني بأنه ” الجريمة الحقّة”، ما أشعل غضب الإخوان عليه.

ومع اندلاع ثورة 30 يونيو 2013 على الإخوان، خلع دكروري زيّ القاضي وتقمص شخصية السياسي الثائر ضد نظام حكم جائر، ونزل مع الجماهير أمام قصر الاتحادية الرئاسي رافعًا علم مصر ومطالبًا بإسقاط حكم محمد مرسي.

اندلاع ثورة 30 يونيو 2013 على الإخوان، دفع دكروري إلى خلع زي القاضي وتقمص شخصية السياسي الثائر ضد نظام حكم جائر، ونزل مع الجماهير أمام قصر الاتحادية الرئاسي رافعا علم مصر ومطالبا بإسقاط حكم محمد مرسي

وعندما شن الإخوان هجومًا عليه ونشروا صورته وهو بين الثوار، رد بعدها في حوار صحافي مبررّا ذلك بالقول “هناك لحظات فارقة تؤدى به إلى تغليب إحساس القاضي كمواطن، خاصة إذا استشعر أن الخطر يحيق بوطنه، وفي هذه الحالة لا يكون تصرفه اشتغالا أو عملا بالسياسة لأنه وليد إحساس بوطنه ووطنيته”، وبسبب هذا الجدل تنحّى عن نظر دعاوى بطلان التحفظ على أموال الإخوان.

بعد رحيل نظام الإخوان عاود دكروري معاركه السياسية مع النظام الجديد برئاسة السيسي وحكوماته المختلفة، فهو الذي أوقف الانتخابات مرتين في عهده، الأولى لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية لتحقيق التمثيل العادل للناخبين والمرشحين، والثانية لإجبار الهيئة العليا للانتخابات على توقيع الكشف الطبي على المرشحين وهو ما استجابت له الحكومة.

لأجل ذلك، يوصف دكروري بأنه القاضي الذي يحكم بعكس هوى الأنظمة والحكومات، ويمكن تفسير ذلك بأن لديه مبادئ وقناعات تبدو غير متوافقة مع توجهات الأنظمة السياسية وطريقة إدارتها لبعض القضايا في البلاد.

علي سبيل المثال، دكروري لديه قناعة تامة بأن كل ما يكبل الحريات العامة للناس مخالف للقانون ويتطلب مواجهته فورًا، لذلك قضى بإلغاء قرار إبراهيم محلب رئيس الوزراء السابق بوقف عرض فيلم “حلاوة روح” لما تضمّنه من بعض الإيحاءات الجنسية، وقال عن حكمه “إن حرية الإبداع الفني والأدبي مكفولة، ومصادرة الفيلم تعد مصادرة على رأي وذوق المواطن في الاختيار بين رؤية الفيلم من عدمه”.

وحتى قرارات حظر النشر في بعض القضايا -وبرغم كونها تصدر من النائب العام الذي هو أكبر جهة نيابية في البلاد- فإن القاضي دكروري يرى في معظمها (حظر النشر) أنها أصبحت “سيئة السمعة” لدى المواطن لأن أيّ مساحة تخلو من المعلومات والحقائق في وسائل الإعلام تُملأ بالأكاذيب والأضاليل، كما أن هناك جهات تلعب على وتر “نسيان الناس” لقرار الحظر وتستمر فيه دون إطلاعهم على الحقائق.

وما يميز دكروري أنه يستخدم كلمة “الشعب” في أكثرية أحكامه، على شاكلة “السيادة للشعب، “الكلمة للشعب”، “الملكية للشعب”، “الحصانة فقط للشعب”، ما يضفي عليها الشرعية والتأييد الواسع ويجعل منها أكثر حصانة ويصعب انتقادها أو تصويرها في غير موضعها حتى من المعارضين لها.

حتى في حكمه الذي أصدره بوقف حظر النشر في قضية تزوير الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها محمد مرسي عام 2012، قال إن المعلومات والإحصاءات والبيانات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها حقّ تكفله الدولة لكل مواطن، وأشار إلى أن الدستور نصّ على أن ثمة عقوبة لحجب المعلومات أو الإدلاء بمعلومات مغلوطة عمداً.

لغة دكروري في حيثيات الحكم الخاص بصنافير وتيران تركت أثرا في الرأي العام المصري بصورة بالغة

ثقافة احترام الآخر

دكروري يؤمن بأن حرية الرأي والتعبير التي يريد إتاحتها للناس يُفترض أن تكون متاحة له هو أولًا، فهو عكس قضاة كثيرين يتعمدون الابتعاد عن الإعلام ويتجنبون الإدلاء برأيهم في أمور مهمة، نراه يخرج للإعلام لينتقد الحكومة لتأخرها في إقرار تشريعات بعينها، مثل قانون تداول المعلومات وبعض التشريعات الاقتصادية التي تحسن الوضع المالي للبلاد.

يظل هو القاضي صاحب العبارة الأشهر في المحاكم المصرية بعد ثورة 25 يناير، حينما قال في حيثيات أحد أحكامه “الاستبداد أشد خطراً على المجتمع من الإرهاب”، ما جعل البعض يفهم منها أنه يريد توصيل رسائل سياسية بعينها لبعض المؤسسات.

وحينما سُئل عن ذلك، قال في حوار صحافي “نعم. المجتمع المستبد تخلو منه كل القيم ويفتقد ثقافة الاحترام بكل معانيها بداية من احترام القوانين وحتى الآخر، وبالتالي يكون من الحتمي أن يتفكك هذا المجتمع وينهار لتنشأ وتترعرع ‘اللادولة’ بعدما توفرت كل مقوماتها، ومن ثم لا يكون هناك ما يمنع الإرهاب بكل صوره بل إنه يكون نتيجة طبيعية لمجتمع متفكك يكره ذاته ولا يثق في مؤسساته لما يراه من تعسف واستبداد”.

لكن في المجمل يظل دكروري أكثر من يلقى تأييدًا ودعمًا داخل القضاة وخارجه، ويكفي أن المستشار محمد خفاجي نائب رئيس مجلس الدولة قال عنه في بيان صحافي للرأي العام “دكروري أول من وقف ضد مرسى وقت حصار المحاكم، ولولاه لتشكل مجلس نواب الإخوان واكتملت مؤسسات الدولة، وما قامت ثورة 30 يونيو، وما كنتم أنتم جالسين في مناصبكم الآن”.

8