يحيى مختار: الأدب لا ينسب إلى المكان وإنما إلى اللغة

الروائي المصري يؤكد لـ"العرب" أن الأدب النوبي مصطلح غير دقيق، وأن الخطاب الذي يبثه الأديب حجاج أدول بشأن النوبة لا يمثل حقيقة الوضع.
الأحد 2019/11/17
يحيى مختار كان من شلة الروائي نجيب محفوظ

القاهرة – أضحى الأدب سُلما لطرح أفكار ومواقف سياسية عِدة. استغل روائيون دفقات الاحتفاء بهم وبما يكتبون في تمرير رسائل سياسية وفئوية مختلفة، رغم أن مهمة الأدب الأولى هي الإمتاع وبث قيم الجمال.

في جنوب مصر، تمتاز منطقة النوبة بسمات خاصة، وعادات وتقاليد ولغة مختلفة يتم استخدامها نادرا، ما دفع بعض الأصوات الأدبية المنطلقة من هناك إلى طرح أفكار ومطالب سياسية تصل إلى حد المطالبة بما يسمونه باستقلال النوبة. من هُنا ولدت مسميات ومصطلحات أدبية تخص تلك المنطقة وهي مصطلحات غير دقيقة، من بينها “الأدب النوبي”.

الروائي المصري يحيى مختار والمولود في النوبة، قال لـ”العرب” في حوار خاص، إنه لا يوجد شيء اسمه الأدب النوبي؛ لأن الأدب يُنسب إلى اللغة وليس إلى المكان.

أكد مختار أن جميع الأدباء النوبيين الذين قدموا روايات وقصصا عن ثقافة ومجتمع أهل النوبة بدءا برواية “الشمندورة” للأديب الراحل محمد خليل قاسم والصادرة في الستينات من القرن الماضي، وحتى رواية “جدكاب” ليحيى مختار نفسه، والصادرة منذ أربعة أعوام، كتبوا رواياتهم باللغة العربية، ما يعني أن أدبهم عربي لغة وتشكيلا فنيا ودلاليا.

الأديب المصري يرفض دعوات بعض الكتاب تبني فكرة استقلال النوبة أو تدويل قضيتها، لأن ذلك لا يعبر عن النوبيين الذين يعتبرون أنفسهم جزءا أصيلا من النسيج المصري

وأشار إلى أنه لا يمكن الحديث عن الروايات التي تحدثت عن الإسكندرية باعتبارها أدبا سكندريا، ولا التي تناولت سيناء باعتبارها أدبا سيناويا، فالأدب لا يمكن تصنيفه تصنيفا إقليميا أو مكانيا.

يحيى مختار واحد من الأدباء المنحدرين من النوبة والمعروفين، ولد بقرية الجنينة سنة 1936، وهي إحدى القرى المتاخمة للحدود بين مصر والسودان، وعاش هناك حتى سن الثامنة، ثم قدم مع عائلته ضمن هجرات كبيرة لأهل النوبة إلى القاهرة، ولم يكن يعرف كلمة عربية واحدة، فألحقه والده بالكُتاب، حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم العربية، ثم دخل المدرسة لينبغ بين أقرانه ويصبح بعد ذلك أحد الأدباء المعدودين المهتمين بكتابة القصص المعبرة عن الثقافة والبيئة النوبية باللغة العربية.

ورغم قلة إنتاج الأديب يحيى مختار، مقارنة بآخرين، إذ لم يصدر له سوى أربع روايات، وثلاث مجموعات قصصية، إلا أن النقاد يعتبرونه إحدى العلامات الفارقة في التعبير عن الثقافة النوبية، لأن حكاياته تستمد أصولها من الواقع، وتتميز بعمق الطرح ورشاقة اللغة وجمال التعبيرات اللغوية.

قصة تغريبة شخص نوبي حقيقي
قصة تغريبة شخص نوبي حقيقي

ثقافة مختلفة

أكد يحيى مختار لـ”العرب” أن منطقة النوبة تمثل ثقافة وسمات اجتماعية مختلفة، لكنها رغم ذلك هي جزء من النسيج المصري الأصيل والمتعدد الثقافات.

قال إنه بالفعل هناك أغان لا يعرفها سوى أهل النوبة، وتواشيح خاصة بهم، ورقصات قد يستغربها غير النوبيين، وأيضا لغة خاصة لا يفهمها سوى المولودين في النوبة، لكن كل ذلك لا يعني أن النوبة خارج مصر، أو أدبها يطلق عليه أدب نوبي.

وأضاف قائلا “من لمعوا من الأدباء والكتاب النوبيين لمعوا بكتاباتهم العربية، لأنهم لو كتبوا باللغة النوبية لن يفهمهم أحد”.

يبدو مختار بسنواته الثلاث والثمانين مستعذبا استرجاع ذكرياته خلال حواره مع “العرب” مقررا أن النوبة بطبيعتها الجغرافية وأحوال سكانها وتنقلهم المتكرر نتيجة فيضان النهر، ومشروعات حجز المياه بدءا بمشروع سد أسوان، وحتى إنشاء السد العالي، مكان فيض إبداعي، لذا لم يكن غريبا أن تتناول رواياته الأربع وقصصه القصيرة المتعددة مشاهد وشخوصا وحوادث شهدتها منطقة النوبة، دون أن يعني ذلك شيئا سوى أنه إبداع عربي من النوبة.

كتب مختار مجموعته القصصية الأولى “عروس النيل”، وترجع بعض قصصها إلى فترة اعتقاله 1959ـ1962، على خلفية اتهامه بالانضمام لخلية شيوعية، لكن المجموعة لم تنشر إلا مطلع التسعينات لتفوز بجائزة الدولة التشجيعية في ذلك الوقت. وصدرت للرجل بعد ذلك روايات “جبال الكحل”، “مرافئ الروح”، و”جدكاب”، ومجموعة “كويلا”، ومجموعة “أندو ماندو” التي لفتت أنظار النقاد باعتبارها صوتا متميزا في التعبير الجمالي عن النوبة.

لا يمكن الحديث عن الروايات التي تحدثت عن الإسكندرية باعتبارها أدبا سكندريا، ولا التي تناولت سيناء باعتبارها أدبا سيناويا، فالأدب لا يمكن تصنيفه تصنيفا إقليميا أو مكانيا

ويرى كثير من النقاد أن هناك ثيمات معينة تتكرر في أدب يحيى مختار لها علاقة مباشرة بمنطقة النوبة، منها مثلا تكرار النهر والجبل في كافة أعماله، فضلا عن المسحة الصوفية التي تُغلف كثيرا من شخوصه.

أوضح الأديب المصري لـ”العرب” أن النهر البطل الحقيقي للحياة لدى النوبيين، فهو محور حياتهم ومحركها الأول، ويرونه كل يوم كمراقب لهم، حيث تتراص البيوت جميعا أمام النهر بشكل أفقي ليكون في مرمى أبصارهم دوما، فضلا عن كونه منبع الرزق الدائم المتمثل في صيد السمك، وهو مصدر الخطر الحقيقي بالفيضان المتكرر، ما يدفعهم للتنقل من مكان لآخر، وعلى ضفافه تنتشر المزروعات البرية، ويرتبط بأساطير وحكايات موروثة منذ الأجداد.

بمعنى آخر، مصدر الخير والشر، منبع الفرح والأحزان، لذا هو حاضر في الأغاني الشعبية، وموجود في الأمثال العامية، ومذكور في القصص القديمة، وبشكل ما فهو ممتزج بوجدان الناس الذين يحيون حيوات بائسة باهتة يغلفها الفقر، وتزيدها الطبيعة قسوة، فهم في الغالب ينحصرون بين الجبل والنهر وهما حدان من حدود الطبيعة الصامتة.

لفت يحيى مختار إلى أن المسحة الصوفية المميزة لكثير من الشخصيات في رواياته حقيقية ومرتبطة بقناعة الناس بما يلعبه القدر من دور مهم في حيواتهم، فتنقلهم وهجرتهم من منطقة لأخرى مرتبطان بفيضان النهر، كما أن الطرق الصوفية تنتشر بقوة بين سكان النوبة وتبث قيمها الراسخة بالتسامح والرضا وقبول الآخر منذ قرون.

أهل طموح وعزيمة

قصة معاناة أهل النوبة
قصة معاناة أهل النوبة

رأى يحيى مختار أن الطموحات الحياتية تسكن أهل النوبة كرد فعل مقاوم لفقر الحال والحرمان من المدنية، لذا فإن كثيرا من النوبيين يقررون الهجرة إلى الشمال بحثا عن الرزق، والعلم، والتحرر من قسوة الطبيعة، ومَن يتتبع حكايات النوبيين القادمين إلى القاهرة يجدهم جميعا نجحوا في ما حلموا به، وتغلبوا على فقرهم وبؤسهم ورسموا وقائع حياة أكثر حسنا لأبنائهم وأحفادهم.

وأضاف أنهم كانوا في الماضي لا يعملون إلا في المهن المتواضعة، مثل العمل كخدم وطهاة وبوابين وحراس، لكن تمردهم على الحال وسعيهم للتعلم والتطور غلبا الصورة النمطية للنوبيين في مصر.

ربما كان ذلك ما دفعه لأن يكتب روايته الأخيرة “جُدكاب”، وتحكي قصة تغريبة شخص نوبي حقيقي، حمل نفس الاسم جدكاب، وترك بلدته في الجنوب هربا من بؤسها وفقرها وشيوع الخرافات فيها، وقدم إلى القاهرة صبيا صغيرا طالبا تحقيق ذاته، فعمل في أعمال صعبة وبائسة منها عامل نظافة في المستشفى اليوناني، وتمكن من تعلم اللغة اليونانية كأحد أبنائها دون معلم، ثُم تعلم بعد ذلك اللغة الفرنسية وأتقنها بشكل جيد، وعمل بعد ذلك في بنك كبير، ثُم أصبح شخصا ذا شأن كبير، وقرر العودة إلى قريته ليدعم تراث أهله المنسي فنا وتاريخا وثقافة.

وأوضح يحيى مختار في حواره مع “العرب”، أنه عرف جُدكاب خلال حياته وأحبه بصدق وكان يلتقيه لسنوات طويلة في النادي النوبي بالقاهرة وعرف حكايته، وأعجب بشخصيته وقرأ فيها سمات الطموح والإصرار على تحقيق الذات فيه، ليقدمها للناس كنموذج لروح النوبي الوثابة المتطلعة دوما نحو التطور الاجتماعي، واعتبره رمزا للإنسان الراغب في القفز فوق المشكلات والتحديات الحياتية الصعبة، وأعاد تقديمه للناس بشكل أدبي.

سبق وطرح كُتاب كثر نماذج عدة للشخصية النوبية، كان يغلب على معظمها الانكسار والشعور الدائم بالمظلومية، مثلما هو الحال في أعمال الأديب الراحل إدريس علي، والروائي حجاج أدول، غير أن يحيى مختار يرى أن التباكي على الهوية أو الانسحاق في مأساة التهجير لن يعيد للنوبيين بلادهم وذكرياتهم المغمورة بمياه النيل، قائلا “أعتبر القضية برمتها قدرية بحكم الجغرافيا أولا، والأفضل استدعاء قصص النجاح وكسر الواقع للنوبيين كرد فعل طبيعي على مأساتهم”.

قال مختار إن الإنسان النوبي شخص مثابر، صلب، يقاوم ظروفه وواقعه، ولا يُحمل آخرين ظروف الطبيعة التي شاءت أن تكون أرض النوبة معرضة للفيضان وفي مسار النهر وتحت رحمته.

تسييس المأساة

يرفض الأديب المصري دعوات بعض الكتاب تبني فكرة استقلال النوبة أو تدويل قضيتها، لأن ذلك لا يعبر أبدا عن النوبيين الذين يعتبرون أنفسهم جزءا أصيلا من النسيج المصري.

وأكد لـ”العرب” أن الخطاب الذي يبثه الأديب حجاج أدول بشأن النوبة لا يمثل حقيقة الوضع، لأن أدول مولود في مدينة الإسكندرية ولم يعش في النوبة ولا يعرف طبائع الناس وسماتهم عن معايشة، فضلا عن عدم معرفته باللغة النوبية من الأساس.

رغم قلة إنتاج الأديب يحيى مختار، مقارنة بآخرين، إذ لم تصدر له سوى أربع روايات، وثلاث مجموعات قصصية، إلا أن النقاد يعتبرونه إحدى العلامات الفارقة في التعبير عن الثقافة النوبية

وأوضح أنه ضد تسييس المأساة، والأديب يجب أن يكون واعيا بأنه مصدر جمال لا قبح، ومستندا على الناس وليس السياسة، وأدبه ممزوج بالإنسان وهمومه وأوجاعه.

ولعبت الظروف الحياتية المثيرة التي مر بها الروائي المصري دورا خطيرا في تشكيل شخصيته الواعية المتصالحة مع العالم، والبعيدة عن الصخب والأضواء. وحكى مختار لـ”العرب” أنه تعرض للسجن وهو طالب في قسم الصحافة بكلية الآداب بسبب الانتماء للحركة الشيوعية التي كان يرى فيها بحثا عن العدالة المفتقدة، وتعرف في السجن على كل من صنع الله إبراهيم وشهدي عطية وجيل من المثقفين الكبار.

تخرج في الجامعة عام 1963 وتم تعيينه في إدارة العلاقات العامة في مصلحة السجون المصرية، غير أن تعرف ضباط السجون على أنه سجين سياسي من قبل أدى إلى استبعاده من العمل، ليلجأ إلى العمل في مؤسسة أخبار اليوم بقسم التوزيع بعيدا عن الصحافة التي كان يراها مخاصمة للإبداع.

الأديب مصدر جمال لا قبح
الأديب مصدر جمال لا قبح

وقال “وجدت يومها أنني سأضطر في ظل التضييق على الحريات أن أكتب ما لا يرضاه ضميرى، فقررت العمل في أي مكان بعيدا عن العمل الصحافي”.

أسهم ذلك في تفرغه التام للقراءة والإبداع والتأني الشديد في طرح مشروعه الأدبي الذي بدأه بكتابة القصص القصيرة في الصحف، وكانت أول قصة له بعنوان “البناء” نشرت في مجلة صوت الجامعة، ثُم نشرت له قصة في جريدة المساء بعنوان “قطة من العصر الملكي”.

ونشر بعد ذلك قصصه في مجلة الطليعة التي كانت محل متابعة واهتمام الوسط الثقافي، ومنها تعرف على مثقفين كبار مثل يوسف إدريس ومحمد عبدالحليم عبدالله وجمال الغيطاني.

وطوال سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كان مختار أحد أفراد شلة الأديب نجيب محفوظ ومشاركا دائما في ندواته الأسبوعية كل ثلاثاء، بكازينو صفية حلمي في القاهرة، ثم في عوّامة فرح بوت في الجيزة.

11