يخت "المحروسة" الملكي شاهد على أفراح مصر وأتراحها

منذ رحلته الأولى كأول مركب يبحر في قناة السويس القديمة عند افتتاحها في نوفمبر عام 1869، وحتى رحلته المنتظرة في السادس من أغسطس الجاري كأول مركب يبحر في قناة السويس الجديدة، يظل اليخت الملكي المحروسة شاهدا حيا على تفاصيل مهمة في التاريخ المصري. ومعايشا للعديد من لحظات الانتصار لشعبها والانكسار لحكامها.
الثلاثاء 2015/08/04
اليخت المصاحب لملوك ورؤساء مصر في رحلاتهم سيكون شاهدا على افتتاح قناة السويس الجديدة

سيشارك يخت المحروسة الذي كان شاهدا على أحداث تاريخية مرت بها مصر، في احتفالات افتتاح قناة السويس الجديدة، وهو نفس اليخت الذي دخل به الخديوي إسماعيل القناة عند افتتاحها في 16 نوفمبر 1869، ليكون أول قطعة بحرية تدخل القناة الجديدة.

وأمر الخديوي إسماعيل ببناء اليخت الملكي عام 1863، ليستقله في رحلته الأولى إلى أوروبا عام 1865 لدعوة ملوكها وقادتها، لحضور حفل افتتاح قناة السويس، ثم يستقله مجددا بصحبة ضيوفه ليكون أول عائمة تعبر القناة العالمية. وكانت رحلة إسماعيل الأخيرة على متن يخت المحروسة إلى ميناء نابولي بإيطاليا ومنها لمنفاه الأخير بالأستانة.

وتشاء الصدف أن يكون يخت المحروسة شريكا في كل لحظات انكسار حكام مصر من أسرة محمد علي باشا، فبعد أن شيع الخديوي إسماعيل إلى منفاه عاد ليحمل الخديوي عباس حلمي الثاني إلى منفاه في الأستانة بتركيا عام 1914، بعد أن قرر الإنكليز عزله من الحكم بسبب مواقفه المؤيدة لتركيا والمعادية لهم خلال الحرب العالمية الأولى.

ثالث مشاهد الانكسار كانت عام 1952 حين حمل اليخت فاروق آخر ملوك أسرة محمد علي وعدد من أبناء أسرته وحاشيته، إلى أوروبا بعد تخليه عن العرش لابنه الملك أحمد فؤاد الذي كان حديث الولادة وقتها.

وعقب نجاح ثورة يوليو 1952 وعزل الملك وتحول البلاد من ملكية إلى جمهورية، غير الرئيس جمال عبدالناصر اسم اليخت الملكي من المحروسة، إلى “الحرية” في دلالة على نضال الشعب الذي واصل مساعيه نحو الحرية حتى أجبر الاحتلال الإنكليزي على الجلاء عن أرض مصر، وظل اليخت محتفظا باسمه الجديد حتى أعاد الرئيس الأسبق حسني مبارك اسمه القديم عام 2000، وتم السماح للجمهور بزيارته كأحد الآثار المصرية القابعة إلى جوار قصر التين بالإسكندرية، وبلغ عدد زواره قرابة 10 آلاف زائر.

اليخت يتكون من 5 طوابق تضم قاعات ملكية ومقتنيات فنية، وهو أول سفينة زودت بجهاز لاسلكي في العالم

ويؤكد الدكتور ناصر الكيلاوي الباحث في التاريخ والحضارة المصرية الحديثة، لـ"العرب" أن اليخت يعد كنزا وطنيا، كونه أقدم قطعة بحرية في العالم لا تزال محتفظة برونقها، وقادرة على الإبحار، إلى جانب كونه شريكا أساسيا في تاريخ مصر، ومصاحبا لملوك مصر ورؤسائها في رحلاتهم الهامة حول العالم على مدار 150 عاما انقضت، وسيكون شاهدا على الحفل العالمي، بافتتاح قناة السويس الجديدة.

أضاف الكيلاوي أن الرئيس جمال عبدالناصر استقله في رحلات هامة، منها رحلته للمشاركة في مؤتمر دول عدم الانحياز في العاصمة الأندونيسية جاكرتا، ومؤتمر الدار البيضاء، ومؤتمر الرباط، إلى جانب رحلته إلى أميركا.

وذكر الكيلاوي أن اليخت صممه السير أوليفر لانج بناء على طلب من الخديوي إسماعيل، فيما تولت ترسانة سامودا بورس بإيطاليا بناءه في عام 1865، حيث يبلغ طوله 145.72 مترا ويتكون من 5 طوابق، وتم تزويده بجهاز تلغراف لاسلكي وهاتف عام 1912، ليصبح أول يخت عالمي مزود بوسائل اتصال لاسلكية في ذلك الوقت.

وضم الأسطول المصري في عهد إسماعيل 14 سفينة حربية من بينها اليخت الذي زود بثمانية مدافع من العيار المتوسط، وفي عام 1950 تم تجديده كاملا في عهد الملك فاروق ملك مصر والسودان، وظل لسنوات في ميناء الإسكندرية ضمن الترسانة البحرية تحت حراسة غواصات وسفن سلاح البحرية المصرية، ثم أجريت له تغييرات شاملة لتحديثه عام 1992.

وقال الكيلاوي إن المحروسة يحتوي كنوزا أثرية، بينها بيانو نادر صنع في ألمانيا خصيصا لإمبراطورة أوجيني زوجة نابليون بونابرت حاكم فرنسا، وعندما حضرت للمشاركة في الحفل الأسطوري للافتتاح الأول لقناة السويس عام 1869، أهداها الخديوي إسماعيل البيانو الذي عزفت عليه في حضور ملوك العالم، وهذا البيانو التاريخي قطعة فنية تاريخية لا تزال بحالة جيدة، إلى جانب احتواء اليخت الذي يضم 5 طوابق على لوحات فنية نادرة رسمها أشهر الفنانين تنتشر على جدران قاعاته، ترصد تاريخ مصر منذ العصر الفرعوني حتى العصر الملكي.

اليخت في العهد الجمهوري، حوادث تاريخية، فقد أدت حرب تحرير سيناء، وتدمير خط بارليف، إلى وجود مخلفات حرب وحطام آليات

وشهد اليخت في العهد الجمهوري، حوادث تاريخية، فقد أدت حرب تحرير سيناء، وتدمير خط بارليف، إلى وجود مخلفات حرب وحطام آليات، وانهيارات لخط بارليف الذي تهاوى أمام ضربات الجيش المصري، وهو ما تطلب عامين لتطهير مجرى القناة قبل إعادة افتتاحها عام 1975، وكعادته كان المحروسة شريكا أساسيا في الاحتفال الذي أقيم يوم 5 يونيو في نفس يوم ذكرى نكسة 67، فظهر في أبهى حلة وفي عنفوان شبابه ليشق القناة المحررة للمرة الثانية حاملا على متنه، الرئيس المصري محمد أنور السادات، معلنا عودة القناة للملاحة الدولية، وقد استقله السادات في رحلة تالية في زيارته إلى حيفا.

واحتضن المحروسة قيادات تاريخية عالمية، ففي حفل الافتتاح الأول للقناة عام 1869 كان اليخت أول من عبرها، وعلى متنه لفيف من ملوك وأمراء أوروبا من بينهم أمير وأميرة هولندا، وولي عهد ألمانيا الأمير فريدريك، والإمبراطورة أوجيني إمبراطورة فرنسا، وإمبراطور النمسا فرنسوا جوزيف.

وعام 1939 جاء على متنه محمد رضا بهلوي شاه إيران الراحل متوجها إلى مصر لعقد قرانه على الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان.

وبأمر من الملك فاروق أبحر المحروسة إلى ميناء جدة بالمملكة العربية السعودية، ليحمل الملك عبدالعزيز آل سعود مؤسس المملكة في زيارته لمصر، حيث وصل الملك ميناء بور توفيق في السادس من يناير 1946.

كما استقله العديد من زعماء العالم في رحلات بحرية أبرزهم السلطان قابوس سلطان عمان، والملك حسين ملك الأردن، وخروشوف رئيس مجلس السوفييت الأعلى وتيتو رئيس يوغسلافيا. وبعد 150 عاما، يدلي المحروسة بشهادة جديدة على التاريخ المصري، عبر مشاركته في حفل الافتتاح الثالث للقناة، بافتتاح فرعها الجديد، في وقت ستطلق فيه سفينة في كل ميناء على وجه الكرة الأرضية صافرتها تحية للقناة الجديدة حسبما تقضي بروتوكولات البحرية.

20