يد أرنولت

لو كنت أملك صوتا في جائزة أدبية حقيقية عملاقة، لكنت منحتها لشاعر قدّم لنا بلاده وإنسانها كما يليق بهما، حين كانت "الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام هناك أجمل حين يحتضن العراق".
الجمعة 2018/05/04
يد أرنولت هي يد مانحي الجوائز الأدبية ذاتها

تعرّضت الأميرة فيكتوريا ولية عهد السويد للتحرش أثناء توزيع جوائز نوبل للآداب في العام 2006. وباتت تلك الحادثة مفتاحا للحديث عن مأساة نوبل للآداب، وبعد أن كانت القصة مستورة، عرف بفضيحتها القاصي والداني. وذلك حين أكّد عدد من الشهود بأن المصور الفوتوغرافي السويدي الفرنسي والعضو السابق في الأكاديمية جان كلود أرنولت قد شوهد، “عدة مرات”، وهو يمسك بمؤخرة الأميرة، لولا تدخّل حراسها في اللحظة المناسبة. كما أكدت صحيفة “سفينسكا داغبلادت” السويدية.

وتنشغل وسائل الإعلام في العالم في هذه الأيام، بمستقبل جائزة نوبل للآداب، بعد أن استغل هذا المتحرش السيء الحظ زواجه من عضو الأكاديمية كاتارينا فروستنسون ليعترض طريق النساء ويزعجهن، فالأميرة فيكتوريا ليست أولى ولا آخر ضحاياه.

ليس الأمر مضحكا ولا يجب أن يمرّ هكذا. فجائزة تدّعي أنها تحمل التقدير لآداب البشرية، عليها فعلا أن تعكس تلك الآداب، وإلا فعن أي رقي يبشّر به الأدب نتحدث؟ وما هو الفارق الأكيد ما بين الانحلال والحرية وإلا فإن الغرائزية ستحظى بالاعتراف ما دام الأدب يخلّدها.

وهكذا سيتوقف مصير جائزة بهذا الحجم، ظلت تمنح باستمرار نسبي منذ العام 1901 وحتى العام الماضي 2017، على عدم ضبط أحد الحاضرين في حفلها ودوائرها الضيقة لنفسه وغرائزه.

غير أن حكاية المصور الغبي ليست سوى رأس جبل الجليد، وهي تخفي خلفها الكثير من الفساد الذي يعتري هذه الجائزة. إذ كثيرا ما واجهت نوبل للآداب اتهامات بالتحيّز والانتقائية ووضع اعتبارات غير أدبية، سياسية وعرقية وغير ذلك، قبل النظر إلى منجز الأديب.

ولو كنت أملك صوتا في جائزة أدبية حقيقية عملاقة، لكنت منحتها لشاعر قدّم لنا بلاده وإنسانها كما يليق بهما، حين كانت “الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام هناك أجمل حين يحتضن العراق”. إذ لاشك أن السياب أعظم شعراء العراق الحداثيين وأنقاهم وأكثرهم ألقا. أو كنت منحتها لنزار قباني، الذي ما يزال حتى بعد موته بعشرين عاما الكاتب العربي الأكثر مبيعا، أو لمحمود درويش أو لأمين معلوف، أو للطيب صالح، أو لمحمد شكري.

أما الجوائز الأدبية اليوم، فلا تعني شيئا، ولا تعطي التقييم الحقيقي لمنجز هذا المبدع أو ذاك، وقريبا ستنهار جوائز أخرى مثل نوبل للآداب، فمن يقف خلفها هم مجموعة من المستفيدين من نادي الثقافة كما قال نزار ذات يوم، وليس حكماء المعرفة والعقول الأكثر إنصافا على مستوى العالم.

يد أرنولت هي يد مانحي الجوائز الأدبية ذاتها، التي يجب أن تقطع قبل أن تمتد لتمنح تكريسا للانحطاط والرداءة وتعيد بثهما على شكل نصوص أدبية.

24