يد الله مع الجماعة في المجتمعات العربية

الفردانية تسجل نقاطا مهمّة على حساب المعايير التقليدية لكن من دون تحقيق ثورة كاملة.
السبت 2021/01/09
انطواء على العائلة والأصدقاء

في الوقت الذي يتميّز فيه المجتمع العربي بعلاقاته الاجتماعية القوية والمبنية على التعاون والترابط الأسري، دفعت تغيرات الحياة اليومية وسرعتها ومتطلباتها بالنزعة الفردية إلى قلب هذه القيم، وبدا أن الفردانية باتت تطغى على الحياة الاجتماعية. ولكن بالرغم من ذلك، فإن الخبراء يتوقعون ألا تغيب النزعة الجماعية عن المجتمعات العربية رغم انحسارها الشديد.

لندن – تشكّل الفردانية المتزايدة في المجتمعات العربية تحدّيا للسلطة الأبوية السائدة. وإلى وقت قريب كانت النزعة الجماعية مؤثرة بشكل خاص في هذه المجتمعات ليس بسبب التقارب الثقافي والديني فحسب، ولكن أيضا لأسباب عملية تتعلق أساسا بالتحديات الأمنية المستمرة والقدرة المحدودة للحكومات. وقد خصصت هذه المجتمعات الوقت والمال، وأحيانا الدم، للحفاظ على الروابط العائلية والقبلية.

قيمة الفرد

تعرف الفردانية بأنها امتلاك الفرد قيمة في ذاته وتصرفه باعتباره شخصا له استقلال نسبي في أحاسيسه وتفكيره وسلوكه وانتمائه إلى جماعة. ويعرف عالم الاجتماع إميل دوركايم الفردانية باعتبارها حصيلة لسيرورة تقلص مساهمة الوعي الجمعي وكثافته لفائدة الضمير الفردي، وبالتوازي مع هذا التطور يكتسب الأفراد وعيا بشخصياتهم ومسؤولياتهم.

وتعتبر الفردانية النقيض المباشر للنزعة الجماعية. وتشير الثقافة الفردية إلى أن الأفراد يهتمون في المقام الأول بمصالحهم الخاصة، وبعدها بمصالح أسرهم الصغيرة. فيما تفترض النزعة الجماعية أن الأفراد، منذ الولادة، ينتمون إلى مجموعة أو أكثر والتي يسبّقون مصالحها عليهم.

وتشهد المجتمعات تقلصا في دائرة الأفعال التي يفرض فيها الضمير الجمعي أوامره ونواهيه وتراجعا في قوة ردات الفعل الجمعية على خرق المحرمات والمس بالمقدسات الاجتماعية.

ويعرف المؤرخ والمنظر السياسي الفرنسي ألكسيس دي توكفيل الفردانية بأنها “سلوك متبصّر ومسالم يدفع الفرد إلى العزلة والانطواء على عائلته وأصدقائه ثم الاكتفاء بحيز ضيق من العلاقات يجد فيها راحته واستقلاليته تاركا المجتمع الكبير لذاته”.

وترتبط الفردانية عادة بالمساواة الاجتماعية والقانونية في الحظوظ، وذلك خلافا للمجتمع التقليدي أو القديم حيث تتكامل المراتبية الاجتماعية مع التبعية المتبادلة بين الطبقات.

العلاقات التقليدية مازالت مؤثرة، بل مطلوبة لمجابهة المصاعب في غياب الاستقلالية المادية والتعليم الجيد

لكنّ المواطنين العرب، خاصة جيل الشباب، يزعمون بشكل متزايد أن هذه الشبكات لم تعد تخدم مصالحهم في هذا العصر. وكشف بحث نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “CSIS” عام 2019 أن الشعور بالالتزام تجاه الأسرة والعشيرة والقبيلة آخذ في التضاؤل في العالم العربي. وتؤكد الدراسة أنه بالإضافة إلى التباين الكبير بين الدول، فهناك تباين أيضا داخل الدول نفسها.

وفيما انجذبت النخب في العواصم العربية منذ فترة طويلة نحو الفردانية، إلا أنه في المناطق الواقعة على أطراف المدن الكبرى، تتوفر عوامل تقوّي النزعة الجماعية وتدفع الناس إلى الانخراط في شبكات ثقة كبيرة للعلاقات في ما بينهم.

ورغم ذلك لا يعير الشباب اهتماما لأشكال الارتباط القديمة. وبات الكثيرون يعيشون بعيدا عن العائلات الممتدة ويعملون لساعات أطول، ويسعون إلى تكريس المزيد من الوقت للأصدقاء والعائلة المباشرة. كما منحتهم وسائل الاتصال ووسائل التواصل الاجتماعي مصادر للمعلومات وخيارات ترفيهية بديلة.

ومع شعور الناس في المجتمعات العربية بضائقة اقتصادية أكبر ومع نمو الشعور بالفردانية تصبح العائلات الممتدة والقبائل أقل أهمية. وبدا أن المواطنين يعتقدون أنهم بحاجة إلى تقرير مصائرهم بأيديهم، حيث لا يقوم أي شخص آخر بحماية مصالحهم.

وخلصت الدراسة إلى أنه من الخطأ افتراض أن الولاء يلعب نفس الدور المركزي في حياة الناس الذي كان يلعبه منذ جيل مضى. ويذكر أنه في العام 1984 أجرى عالم النفس غيرت هوفستيد دراسة حصدت فيها السعودية 38 من أصل 100 نقطة على مقياس الفردية، مما أشار حينها إلى تواجد بنية ثقافية جماعية للغاية.

وتقول الباحثة ندى الدوسري إن “القيادة القبلية لا تُمنح بالولادة بل بالنجاح في حل المشكلات. يصبح الشخص شيخا إذا اعترف رجال القبائل به كزعيم بعد أن طلبوا مرارا مساعدته في حل المشاكل القبلية. يكتسب الشيوخ شرعيتهم واعتمادهم من خلال قدرتهم على حل النزاعات وحماية مصالح القبيلة دون إعادة الفرز إلى الإكراه. وإذا ثبت أن شيخا غير قادر على رعاية مجتمعه أو إعالته، فإن رجال القبائل ببساطة يلجأون إلى جماعة أخرى”.

ويستنتج باحثون أن النزعة الفردية آخذة في الازدياد في المنطقة العربية مما يؤثر على الطريقة التي يتعامل بها الناس مع السلطة ومع بعضهم البعض.

ويجادل باحثون بأن الفردانية ليست فلسفة جديدة في تاريخ العرب، لكن القراءة المغلوطة لفلسفة “يد الله مع الجماعة” كانت حاضرة بقوة لتتصدى لنماذج الفردانية الناشئة، إلا أنّ هذا لم يمنع الأفراد من التأثير في مجتمعاتهم ولو بعد حين، حتى وإن تعرضوا للتنكيل.

الحداثة المشوّهة

الحداثة تقود الاتجاه المتزايد نحو الفردانية
الحداثة تقود الاتجاه المتزايد نحو الفردانية

تقود الحداثة الاتجاه المتزايد نحو الفردانية. وفي المجتمعات العربية، لم تتحقق الحداثة بنفس الطريقة التي تتحقق بها في المجتمعات الغربية. ويكمن  الاختلاف في أن المجتمعات العربية اختبرت التحديث بشكل رئيسي من خلال الإصلاحات السياسية. وفي الكثير من الحالات سار التحديث رأسيا، مما أثّر على البيئة التي يعيش فيها الأفراد وليس على الأفراد أنفسهم. بينما شهدت الحداثة الغربية ثورة ثقافية وفكرية أولا.

ويقول الباحث التونسي في التاريخ عبدالحميد هنية إنه اصطدم في بحثه عن إطار معرفي ونظري لدراسة سيرورة نشوء الفرد في المجتمع التونسي، بمسلّمة التعارض الجذري بين المجتمعات الشرقية والغربية، باعتبار أن الأولى منتمية إلى نموذج كلياني لا يترك هامشا لبروز الفرد ولا يعترف إلا بالجماعات والمراتبيات، وأن الثانية مؤسسة على قدسية الملكية الفردية وقيم الحرية والمساواة.

ويفسّر الأستاذ في جامعة تونس المولدي قسومي أن “الفردانية في الغرب كانت نتاجا طبيعيّا للثورات وهي متأصّلة فيها، أما في حالة الموضوع قيد التناول فنجد أن الفردانية من ناحية أولى هي وليدة البنيوية الصّدفيّة ومن ناحية ثانية هي أصل للثّورة وليست نتاجا لها”.

وتختلف القيم الحداثية في المجتمعات الغربية عن القيم التقليدية في المجتمعات العربية. فالأولى تعلّي من الفردانية والاستقلالية، بينما تنتصر الثانية للجماعة والخضوع، حيث تهدف هذه الأخيرة إلى إدخال الفرد في عقل جمعي مؤطر بمعايير وقيم جماعوية، سواء كانت قبلية أو عائلية أو دينية أو عرقية. فالقيم الدينية المبنية على معنى الحلال والحرام أو القيم العرفية، هي قيم تنتمي إلى العقل الجمعي الموحد، حيث تعزز من وصاية الجماعة على الفرد. فيصعب على الفرد المتعلق بها بناء مواقف موضوعية وعقلانية مع الآخرين لاعتبارات أخلاقية عاطفية.

ثورات الفردانية الهشّة

التونسيون الأكبر سنا ينتقدون الأجيال الشابة لافتقارها إلى الإحساس بالمجموعة
التونسيون الأكبر سنا ينتقدون الأجيال الشابة لافتقارها إلى الإحساس بالمجموعة

مثّلت ثورات الربيع العربي حدثا استثنائيا في منظور الكثير من الشباب الذين أعادوا اكتشاف ذواتهم وبناء وعيهم. وظهر الشباب العربي متحدّيا سلطة الدين والسياسة، ما دفع بالقضايا الاجتماعية الشائكة، التي ظلت حبيسة عقود من الصمت والكبت للبروز على السطح، والتي أحدثت صداما وجدلا عنيفا كقضايا النسوية وحرية المعتقد والمثلية الجنسية ومسألة حرية التعبير السياسي.

وأظهرت ثورات العالم العربي أن تحولات عميقة جدّت على بنية المجتمعات العربية وعلى شخصية المواطن العربي. ولعل من أبرز ما كشفت عنه هو بروز مظاهر فردانية حميدة وإبداعية لدى جماهير الثائرين والمحتشدين في الساحات والميادين العامة.

ومن بين المظاهر المميزة للفردانية العربية تلك اللافتات الصغيرة التي يحملها المواطنون خلال الاحتجاجات، والتي تعكس كل منها شخصية صاحبها ونظرته الخاصة وأسلوبه المختلف في نقل رسالته.

المولدي قسومي:

الفردانية في الغرب كانت نتاجا طبيعيّا للثورات وهي متأصّلة فيها

لكن هذه التمرّدات غالبا ما عكست فردانية هشّة ومهزومة ولا تتجاوز ردّ الفعل الانفعالي تجاه ما تتبناه من أفكار وسلوك، وتغلب عليها نزعة المظلومية، ودور الضحية، وأحيانا لم تزدْ عن كونها استعراضا لا يخلو من المنفعة المادية والرغبة في تحقق ذاتي يتطلب الإحساس بلذة الضوء والشهرة.

ورغم أنه لا يمكن تجاهل ما يمارسه المجتمع والسلطة السياسية من استبداد وقمع ضد أي شخص يعلن تحدّيه لهما، لكن الأمر يستوجب نقد آلياته وكيف تستغله الأيديولوجيا، لاسيما وأن البعض يحاكي النموذج المتمرد دون قرار ذاتي في ما يعرف “بعدوى المثال”.

ولم تكن الفردانية العربية الجديدة لتظهر دفعة واحدة لولا سلسلة من التحولات التي مرت بها الشخصية العربية على مدار العقود القليلة الماضية، والتي لعبت العولمة وثورة المعلومات والاتصالات دورا كبيرا في صنعها، حيث سمحت فضاءات الحرية المنتزعة عنوة من الأنظمة المستبدة بفرصة ظهورها وازدهارها.

وكشفت الثورات الشعبية عن الازدهار والتنوع اللذين جدّا على شخصية المواطنين العرب في “ظروف الحرية”. فهويتهم كأفراد لم تعد تتحدد وتتشكل في سياق الجماعة أو الفئة الاجتماعية المغلقة التي يولدون وينشأون فيها، وإنما باتت تتحدد في سياقات وطنية وإقليمية وعالمية أكثر رحابة وانفتاحا.

وفي تونس تكشف النقاشات عن انقسام جيلي (نسبة إلى الجيل) صارخ في المواقف. ويؤكد الشباب أن لجيلهم الفضل في إسقاط الدكتاتورية، متهمين الأكبر سنا بتمكين الدكتاتورية. لكن بعد مرور عشر سنوات على الثورة تخلى معظم الشباب عن تفاؤلهم بشأن مستقبل تونس لدرجة أنهم يقومون بكل ما في وسعهم لمغادرة البلاد بحثا عن فرص أوفر في الخارج.

وفي المقابل ينتقد التونسيون الأكبر سنا الأجيال الشابة لافتقارها إلى الإحساس بالمجموعة.

ويذكر أنه في معظم أنحاء تونس تعتبر الهويات القبلية أقل قوة بكثير مما هي عليه في البلدان الأخرى.

عودة الدين

باحثون: عودة الدين هي تعبير عن عدم قدرة المجتمع على الوصول إلى الحداثة
باحثون: عودة الدين هي تعبير عن عدم قدرة المجتمع على الوصول إلى الحداثة

سجلت الفردانية نقاطا مهمّة على حساب الجماعوية والمعايير التقليدية، لكن من دون تحقيق ثورة كاملة وتغيير في النسق الاجتماعي. فالثقافة الجماعوية والعلاقات التقليدية مازالت مؤثرة وفاعلة، بل مطلوبة لمجابهة المصاعب والأزمات التي يوضع فيها الفرد في غياب استقلالية مادية وتعليم جيّد. كما أن العرب يزاوجون بين القيم التقليدية والحداثية بحسب ما تقتضيه الوضعية. وأحيانا يقع اختيار حل وسطٍ مرضٍ للجميع بالتفاوض بين ما هو تقليدي وما هو حداثي في كل مسألة على حدة، وأحيانا الجمع بينهما بواسطة التركيب والترميق والتلفيق.

ورغم ذلك لا تزال المجتمعات تفرض على الفرد المختلف في اختياراته عزلة مجتمعية قد تصل إلى حد قطع سبل العيش إن كانت له أفكار مختلفة عن الجماهير العريضة؛ أي أنّ الفردانية قبل أن تكون مؤثرة قد تؤدي بأفرادها إلى حالة اغتراب وقتية عن المجتمع وعقله الجمعي. ومن المرجح أن مقاومة العقل التقليدي للحداثة تنبع أساسا من استمرار ثقافة تركّز على التواصل الشفهي.

ويعتبر ارتفاع معدل الأمية إلى جانب الانخفاض اللافت في معدل القراءة من العوامل التي يمكن أن تفسر إلى حد كبير الافتقار إلى الفردانية في الدول العربية.

ويقول الكاتب السياسي حازم صاغية إن المنطقة العربية مازالت لم تحقق فردانيتها بل إنها تابعة للجماعة بمختلف أشكالها (الدين والعائلة والمجتمع والقبيلة والحزب). ويضيف أن هذه المجموعات لها الحق الكامل في التدخل في حياة الفرد  ومعارضته إذا كانت خياراته تخالف المعتقدات والأعراف الاجتماعية.

ويرى باحثون أن عودة الدين هي تعبير عن عدم قدرة المجتمع على الوصول إلى الحداثة، مرجعين ذلك إلى تراجع ناتج عن فشل التحديث، عندما لا يمنح المجتمع التقليدي نفسه الوسائل لتحويل نفسه إلى مجتمع حرّ.

ويضمن الدين اندماج الفرد في وعي جماعي ضمن مجموعة من المعتقدات وقواعد السلوك التي يقبلها دون تحفظ. وهذا الالتزام تجاه المجموعة لا يترك له عمليا أي مجال للحرية.

وبسبب عدم وجود الفردانية في المجتمعات العربية، تأخذ عودة الدين بعدا سياسيا وأيديولوجيا. ونظرا لقدرته على حشد الجماهير، فإن الدين يمثل قوة يمكن للسلطة السياسية تسخيرها.

وفي رد فعل بديل، حلت الانتماءات الأيديولوجية الطوعية مكان الفردانية من خلال “الانتماء الفخور” لجماعات الإسلام السياسي على غرار القاعدة وكذلك جماعة الإخوان المسلمين.

20