يد بريطانيا الناعمة تواجه معضلة المصداقية

الثلاثاء 2013/11/05
ميثاق شرف وسائل الإعلام يضع الصحافة في مواجهة مع الحكومة

كشف استطلاع للرأي أن غالبية المستطلعين البريطانيين يعتقدون بأن هيئة الإذاعة البريطانية منحازة في أخبارها سواء لأحزاب اليسار أو اليمين.

وجاء في الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة «الرأي الجديد» بالاشتراك مع صحيفة الاوبزيرفر، أن 41 في المئة أكدوا إن «بي بي سي» منحازة في تغطيتها الإخبارية، حيث أكد 27 في المئة منهم أنها تميل إلى توجهات الأحزاب اليسارية، فيما اتفق 14 في المئة على أنها يمينية الأخبار.

وأجمع 37 في المئة من المستطلعين على حيادية أعرق المؤسسات الإعلامية الممولة من دافعي الضرائب البريطانيين، بينهم 26 في المئة عبروا عن عدم معرفتهم.

ويأتي الاستطلاع في وقت تواجه الصحافة البريطانية أعقد مسألة في تاريخها بعد إقرار «ميثاق أخلاقية وسائل الإعلام» الذي يطالب الصحف بعدم انتهاك خصوصية الأفراد.

واتهم حزب المحافظين في الائتلاف الحاكم «بي بي سي» مؤخرا بانتهاجها خطابا إخباريا يساريا، وفشلها في تقديم صورة صحيحة عن أسباب خفض الرعاية الاجتماعية، فيما دافعت هيئة الإذاعة البريطانية عن نفسها ضد كل هذه الاتهامات.

وتمول «بي بي سي» من ضريبة سنوية يدفعها كل منزل يمتلك جهاز تلفزيون، وتمتنع عن بث الإعلانات التجارية، فيما تركز على برامج خدمة الجمهور وربط العالم الخارجي عبر قنواتها التي تبث بأكثر من لغة بينها العربية والفارسية.

ويضع استطلاع الرأي «بي بي سي»، التي توصف بحساسيتها العالية لقيم الأخبار، أمام «مسألة المصداقية» بالنسبة إلى المتابع المحلي، فيما لم يشر الاستطلاع إلى الخدمة الدولية للهيئة.

وعانت «بي بي سي» على مدار العامين الماضيين من سلسلة فضائح أخلاقية ورشى وإصلاحات متلكئة، الأمر الذي دفع إدارتها إلى تعيين مدير عام جديد لها بعد استقالة مديرها السابق.

وطالب 57 في المئة من المستطلعين بأن تستمر الهيئة في منافسة المحطات الدولية الأخرى، إذا قدر لها أن تستمر في تلقي التمويل العام.

وتعكس نتائج الاستطلاع وجهة نظر المتابع البريطاني في قنوات وإذاعات «بي بي سي» المتعددة، فيما يتصاعد الجدل حول خدمتها الدولية.

وكان رئيس لجنة التحقيق الخاصة بوسائل الإعلام التي أقرتها الحكومة البريطانية، برئاسة القاضي اللورد ليفيسون، قد ذكر في تقريره النهائي أن الصحافة البريطانية «سبّبت دماراً لحياة أناس أبرياء على مدى عقود عديدة، وهناك حاجة إلى وضع شكل صارم من أشكال التنظيم الذاتي بدعم من تشريع لتنظيم عملها وضمان فعالية الإجراءات المقترحة».

الأمر الذي دفع السلطات إلى تشريع «ميثاق شرف» يربط وسائل الإعلام أقرته ملكة بريطانيا الأسبوع الماضي، وفشلت الصحف في منعه بعد أن رفعت دعوة قضائية في المحكمة العليا.

41 % بي بي سي» منحازة

27 % بي بي سي» تميل إلى الأحزاب اليسارية

14 % بي بي سي» يمينية الأخبار

37 % بي بي سي» محايدة

ووصف القاضي اللورد ليفيسون العلاقة بين السياسيين البريطانيين والصحافة على مدى العقدين الماضيين بأنها «كانت مدمّرة لأنها (الصحافة) لم تنظّم نفسها بشكل صحيح، ويتعيّن عليها الآن إنشاء هيئة جديدة صارمة يجب أن تكون مدعومة بتشريع لضمان فعاليتها».

وقال إن الصحافة «يجب أن تكون مسؤولة أمام الجمهور في تغطياتها وإظهار احترام لحقوق الآخرين، لأنه من غير المقبول أن تستخدم صوتها وسلطتها ونفوذها لتقويض قدرة المجتمع وتجاهل هذه الممارسات مع الإفلات من المحاسبة».

وسبق أن وعد رئيس مجلس أمناء هيئة الإذاعة البريطانية جمهورها التواق إلى أعلى قيم المسؤولية في الأخبار بإقناع الحكومة البريطانية بعدم التخلي عن الذراع الدولية للشبكة «بي بي سي وورد نيوز».

وقال كريس باتن إنه عمل على إقناع وزارة الخارجية البريطانية باستمرار بدعم الخدمة العالمية في الشبكة، والحيلولة دون تحويلها إلى قناة تجارية تمول نشاطها من الإعلانات.

وعد اللورد باتن الذي كان حاكماً لهونغ كونغ الخدمة العالمية لـ «بي بي سي» جزءا مهما من قوة بريطانيا الناعمة حسب تعبير وزير الخارجية ويليام هيغ.

وعبر عن فخره بالخدمة العالمية لهيئة الإذاعة البريطانية، مؤكداً على أهمية حمايتها من قبل وزارة الخارجية البريطانية.

وقال في مقابلة مع صحيفة «صنداي تلغراف» «إذا أردت أن تعرف كم هي جيدة ومهمة (بي بي سي)، اذهب إلى أي مكان آخر».

وقررت وزارة الخارجية البريطانية وقف تمويل الخدمة العالمية بحلول عام 2014، على أن تمول بعد ذلك من أموال رخصة التلفزيون التي يدفعها المواطنون في بريطانيا.

وتعارض نقابة الصحفيين البريطانية «ان يوجي» مبدأ البيع وتحويلها إلى قناة تجارية احتراماً لذائقة الممول «الشعب البريطاني».

وسبق أن وصف المدير العام لهيئة الإذاعة البريطانية الأسبق مارك تومسون قواعد الحياد على شاشات التلفزيون بأنها أضحت قديمة ولا مكان لها اليوم في مجتمع الفضاء الإلكتروني والإعـــلامي المفتوح على الإنترنت.

وطالب تومسون الذي انتقل إلى رئاسة تحرير صحيفة نيويورك تايمز، قنوات «بي بي سي» بالتخلص من قواعد الحياد التلفزيونية القديمة ومنافسة «فوكس نيوز» في استقطاب المشاهد في عصر الإنترنت.

وأكد تومسون خلال مشاركته في ندوة إعلامية في المبنى الحكومي «وايتهول» في العاصمة البريطانية لندن، على أن الإنترنت يهدد بانهيار التلفزيون إن لم يتكيف مع المستقبل، وأنه لم يعد من المنطقي لخدمات «بي بي سي» و»القناة الرابعة» في التلفزيون البريطاني احتكار المنافسة وسط البدائل الهائلة للمشاهد على الإنترنت.

وعين جورج إنتويستل مديرا لـ»بي بي سي» بعد تومسون إلا أنه لم يستمر في منصبه سوى أسابيع، واختير بعده توني هول الذي رأس دار الأوبرا الملكية البريطانية، معبرا عن تفهمه للانتقادات التي وجهت إلى «بي بي سي» – سواء تلك التي لها ما يبررها أو غير المبررة، لكن الأهم من ذلك، حسب تعبيره إعادة سمعتها بين الجمهور.

وأضاف تومسون «كان المنطق قائماً في الحياد الإخباري عند احتكار البث الفضائي من قبل عدد محدود من القنوات، لكن في المستقبل ومع توفر مجموعة واسعة من الخيارات، سيكون بإمكان الجمهور تحديد ما يود رؤيته أو سماعه».

وأكد على أن قيم الأخبار في هيئة الإذاعة البريطانية ونزاهتها ستنمو وستبقى على الحياد، إلا أنه شكك في الإبقاء على احتكار الأخبار في المستقبل مع توفر البدائل في فضاء الإعلام الإلكتروني.

فيما طالب كيلفن ماكينزي المحرر السابق في صحيفة «صن» الشعبية هيئة الإذاعة البريطانية بالسماح بنقاش أوسع حول تداعيات الهجرة إلى أوروبا أو انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وقال إنه بحث مع رئيس الوزراء ديفيد كاميرون مؤخرا فكرة إطلاق «إذاعة مجانية» تسمح لجميع المستمعين المشاركة فيها عبر إبداء آرائهم بحرية ومناقشة أوضاع البلاد، إلا أن كاميرون أبدى حذره من إنشاء المؤسسات ومخاطرها، معبراً في الوقت نفسه عن قيمة الفكرة المثيرة للاهتمام في الإذاعة وعدم صلاحيتها للتلفزيون.

18