يرسمون كما العميان

الاثنين 2015/11/30

لم أر في حياتي أعمى يرسم، فالرسم علاقة بصرية بالعالم، ما نراه نرسمه أو نتحايل عليه لكي نرسم ما لم نره منه، غير أن العلاقة تظل دائما بصرية.

البحريني ناصر اليوسف هو الرسام الوحيد الذي التقتيه وقد كان مصرا على أن يرسم، بعد أن فقد في السنوات الأخيرة من حياته حاسة البصر.

كان يرسم يومها بتقنية الحفر الطباعي التي شغف بها وكان يعرف تماما ما يفعل، لم يكن أعمى تماما، كانت يده وقد خبرت الرسم تملك خيال الرسام كاملا.

كان تاريخه الخيالي يقيم في يده، وهو ما ساعده على أن يرى من خلال يده ما لم تكن عينه قادرة على رؤيته.

في حالة ناصر اليوسف كانت اليد قد أقامت علاقة مباشرة بالدماغ لتفسير المرئيات وبرمجة اللغة المناسبة لها، ومع ذلك يظل ذلك الفنان استثناء نادرا.

فالرسامون يستعملون عيونهم من أجل الرسم، ولن يكون الرسم ممكنا في العتمة، بل في نهار شاسع، لا يغادره الضوء الذي يحمل للون الواحد العديد من تجلياته.

ومع ذلك فإن ناشطة سورية، كانت قد أقامت منزلا للإقامة في لبنان روت لي حكاية مختلفة؛ كان الرسامون الذين استضافتهم في دارها ينامون في النهار ويرسمون في الليل، إنهم لا يعيشون الجزء الأهم من حياة الرسام ولم يكن الضوء الطبيعي يعني لهم شيئا.

“هل استضفت خفافيش؟” قلت لها.

وإذا ما عرفنا أن الفنانين الذين استضافتهم تلك الناشطة كانوا جميعا شبابا، سندرك معنى أن يتحول الرسم إلى شخبطات، هي عبارة عن هذيانات ليليلة. فأياديهم التي لا تملك خبرة يد ناصر اليوسف ولا خيالها ستذهب بعيدا في تجليات فوضاها، وهو ما يعني أن كل شيء صار محل سوء فهم.

فالرسم الذي هو عبارة عن فعل يهدف إلى تصريف علاقتنا بالعالم المرئي صار عبارة عن حشرجات يد لم تكن لديها الخبرة في استعادة ما كانت قد فعلته في أوقات سابقة؛ إنهم يرسمون كما العميان.

كاتب من العراق

16