يريدونها نائمة

المعادلة التي فرضتها ثورة التحديث السعودية لم تعجب الكثيرين الذين أرادوا أن تبقى المملكة دولة نائمة.
الخميس 2018/10/18
السعودية ستكون بلدا آخر في غضون سنوات قليلة

منذ أن أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن مشروعه التنويري والثوري في الإصلاح دب الذعر في أوساط عالمية، كانت إلى وقت قريب تطالب بأن يخفف النظام الحاكم في السعودية من قيوده المفروضة على الحريات الشخصية.

قفزت المملكة العربية السعودية إلى واجهة الدول التي تتم مراقبة ما يجري فيها، حتى وإن كان ذلك حدثا عاديا عابرا، لكي يجرى تأويله والقياس عليه لمعرفة مدى خروجه على المألوف.

بدا واضحا أن الخطوات الجريئة التي اتخذها الأمير الشاب من أجل تحديث بلاده وفتح أبوابها ونوافذها على العصر لم ترق للكثيرين، بحيث صارت صفات من نوع “نزق” و“مغامر” و“متهور” تُلصق عنوة به، لتكشف عن حقيقة أهداف ونوايا الآخرين الذين طالما ابتزوا المملكة بالحديث عن الإصلاح وحقوق الإنسان.

الإصلاح الذي يليق بالسعودية من وجهة نظرهم لا يتخطى، مثلا، منح المرأة حق قيادة السيارة. هذه هي الحدود القصوى المسموح بها. وليبق البلد كله نائما في نعيمه المتخيل.

أما أن يضع الأمير الشاب مسألة قيادة المرأة للسيارة وراء ظهره باعتبارها مسألة تعود إلى الماضي، ويعلن عن البدء بإنشاء مشاريع عملاقة سيكون لها أثرها العظيم في المنطقة، لا على المستوى السياحي كما يتوهم البعض، بل وأيضا على المستويات السياسية والثقافية والاقتصادية، فإن ذلك يعني أن دولة سعودية جديدة هي قيد الإنشاء.

تلك السعودية التي يؤسس لها الأمير محمد بن سلمان لا تقطع الصلة بماضيها الذي ذهب من غير رجعة بقدر ما تصحح مسار الصلة بالحاضر والمستقبل. وهو مسار كان إلى وقت قريب يستند إلى أحكام الماضي.

لقد قطع محمد بن سلمان الصلة بأحكام الماضي وقرر بخطوة ثورية جريئة أن يربط بلده بمعايير الكفاءة العصرية. ستكون السعودية بلدا آخر في غضون سنوات قليلة. لا يتعلق الأمر بالإصلاح بل بإعادة صياغة الدولة والمجتمع على أسس جديدة، لا علاقة لها بالشكل التقليدي التي كانت المملكة تظهر من خلاله.

في وقت قياسي شهدت المملكة قيام مؤسسات اقتصادية وثقافية واجتماعية صارت تعمل بخطى متسارعة على تثوير الواقع وتحريره من القيود التي سبق وأن فرضت عليه. المفاجئ في الأمر أن تلك المؤسسات تُدار من قبل شباب سعوديين. العقل السعودي يتقدم وينتصر على صورته النمطية. كل ذلك كان تحت المراقبة.

وهو ما كان سببا رئيسا في الحملة على السعودية.

السعودية بلد كبير وهي دولة ثرية وهي في الوقت نفسه صديقة للغرب، إضافة إلى أنها كانت ولا تزال كريمة في إنقاذ العالم من أزماته، وبالأخص على صعيد الطاقة. ما تقدمه السعودية إلى العالم الغربي هو أكبر بكثير مما يقدمه ذلك العالم لها. لذلك يحق لها أن تصرف شؤونها بما ينسجم مع طموحات شبابها الذين فتحوا أعينهم وعقولهم على التقنيات الحديثة.

المعادلة التي فرضتها ثورة التحديث السعودية لم تعجب الكثيرين الذين أرادوا أن تبقى المملكة دولة نائمة. خيمة وبعيرا وبئر نفط ونساء محجبات وشيوخا متصابين كما في الأفلام الأميركية. “السعودية ليست كذلك” هذا ما صار الواقع يقوله. وهو واقع صنعته إرادة التغيير التي تبناها ولي العهد في مشروعه الهادف إلى قيام دولة سعودية جديدة.

لقد بشّر الأمير الشاب أثناء جولته الأميركية الطويلة بولادة تلك الدولة، غير أن أحدا لم يستوعب، كما يبدو، حقيقة ما يحدث داخل بلد، كان أميره الشاب على معرفة بأن شبابه قادرون على إدارة حاضره وصنع مستقبله.

ولأن السعودية ليست دولة يمكن الاستغناء عنها عالميا، فإن الحملة المضادة للتغيير وإن تعددت رؤوسها والجهات التي تقف وراءها وفي مقدمتها أطراف متورطة في تمويل ودعم التنظيم العالمي للإخوان المسلمين ستفشل وتنحسر ريحها لتطل السعودية بوجهها الجديد على العالم.

8