يريدون عودة الانتداب الفرنسي

ما يميز الشعب اللبناني هو أنه تجاوز الخوف والحذر، فهو يقول ما لديه ويغامر ويخرج في مظاهرات ويهتف ضدّ جميع أفراد السلطة ويفضح الفساد والفاسدين بالاسم، وقلّما تجد لبنانيا يرتدي القناع.
الجمعة 2020/08/14
الناس ضجروا من كذبة الانتماء للأوطان

ليس غريبا أن يطالب بعض اللبنانيين بعودة الانتداب الفرنسي على بلدهم فهم شعب صريح وسريع البديهة وبارع في التعبير عن نفسه، وأظن هذه الرغبة موجودة لدى غالبية العرب الفقراء، ولكنهم لا يستطيعون الجهر بهذه الرغبة، نظرا إلى أن البوح بمثل هذا التوجه يعتبر خيانة تترتب عليها عقوبة قانونية واجتماعية، ولكنني أجزم أن هذه الرغبة موجودة لدى كل الفقراء والمظلومين والمهمشين في بلاد العرب، ولو قيّض لهم أن يهاجروا لهاجروا دون وداع.

معروف عن العرب أنهم يعتمدون على القناع الاجتماعي، وهو آخر مستوى من الشخصية بعد اللاوعي والوعي، وهو الجزء الذي أضافه العالم كارل يونغ إلى تصنيف فرويد لمستويات الشخصية. إذ اعتبر فرويد أن الإنسان يعيش بوعيه ويضبط سلوكه حسبما هو مقبول اجتماعيا وقانونيا، ثم جاء يونغ ليقول إن هناك بعدا مهمّا في الشخصية وهو القناع، أي تزييف الواقع والحقيقة، أي أن الإنسان يلتزم بالقوانين والأعراف وكل السلوكيات المقبولة في المجتمع، لكنه حين يشعر أنه غير مقتنع بالواقع، فإنه يرتدي القناع كي لا يعاقبه الناس، إذن فعلا هو مستوى جديد من الشخصية وهذا ما نلاحظه يوميا.

فالعربي يكره الحاكم لكنه يقف عند حدود الوعي ولا يصرح بذلك، وهو يرغب في الحب والعلاقات العاطفية خارج الزواج لأن الزواج مشروع خطير قد يجلب للإنسان التعاسة طوال العمر، لكنه لا يصرح بذلك كي لا يعاقب، ويرغب في التصريح لأقاربه أنه يكرههم ولا يريد التواصل معهم، لكنه يقف عند الوعي ولا يصرح خوفا من العقاب الاجتماعي، وعندما يجد الإنسان نفسه مقيدا بكل القيود التي يكرهها، فإنه يلجأ إلى ارتداء القناع، وينزل إلى خندق خفي يمارس فيه جميع الأشياء المرغوب فيها ولكنها ممنوعة. وهنا تكمن الخطورة، حيث أن التوجه الفردي قد يصبح توجها مجتمعيا كاملا، فتضيع بوصلة الفرد، ولا يعرف كيف يفكر الناس وهل القوانين والأعراف المثبتة قانونيا واجتماعيا صحيحة أم أنها ليست قائمة على أساس، ولكن الناس يتبعونها خوفا من العقاب الاجتماعي والنفسي والإقصاء، فيعمد الناس إلى ارتداء القناع، فلا يعود أحد يعرف ما يدور داخل الفرد وتنعدم الثقة ويسود الحذر وتكثر الجرائم، لأن الناس يفعلون كل شيء خلف القناع بالسر.

ما يميّز الشعب اللبناني هو أنه تجاوز الخوف والحذر، فهو يقول ما لديه ويغامر ويخرج في مظاهرات ويهتف ضدّ جميع أفراد السلطة ويفضح الفساد والفاسدين بالاسم، وقلّما تجد فردا يرتدي القناع دائما مثل باقي العرب، وحتى في الأمور الشخصية، فهم لا يخافون أن يقولوا ما لديهم والتحدث عن علاقاتهم غير المشروعة، بل إن هناك الكثير من الممارسات غير المقبولة اجتماعيا التي يصرحون بها دون قناع.

من هنا، طالب بعض اللبنانيين بعودة الانتداب الفرنسي دون قناع ولو خلع بؤساء العرب القناع لطالبوا بعودة الاستعمار، نظرا لأنهم يعانون ظروفا مرّة تحول بينهم وبين الولاء لبلادهم، وكيف لهم أن يكون لديهم حسّ انتماء أو ولاء لدول تسرق أعمارهم ثم يموتون بحسرتهم، ولم يحسّوا يوما بطعم الحياة؟ هذا ليس معنى الحياة، لا في الأديان ولا الأعراف الاجتماعية، فإذا كان العربي مؤمنا، فهو يؤمن بأن الله خلقه وأنعم عليه بالطيبات لكنه لا يجدها، وإذا كان ملحدا، فهو يؤمن بأن من حقه أن يأخذ نصيبه ممّا تجود به الحياة عليه، وفي الحالتين، فإن العربي يتمنى أن يعود الاستعمار لكي يخلصه من حياة تشبه حالة الاحتضار الطويل. ماذا لو خلع العرب القناع بشكل كامل وظهروا على حقيقتهم، ماذا سيخرج منهم؟ أجزم أنه سيكون فوق الخيال والقدرة على التنبؤ.

يقول الإنجليز إن السكران يفلت من الوهم إلى الحقيقة، لأنه يقول ما في جوفه بعيدا عن وهم القوانين والأديان والأعراف الاجتماعية، فهو يعرف أن غالبية الناس منافقون وفاسدون بل ومجرمون وسوف يقول كل ذلك وهو في حالة السكر، لأنه ببساطة نزع القناع الذي يقيه من البوح بمكنونات نفسه دون أن يشعر، لكننا نعيش في مجتمعات تعتمد على القناع، فكيف نعرف ما في نفوس الناس؟

إن مطالبة بعض اللبنانيين بعودة الاستعمار رغبة موجودة لدى فئة كبيرة في المجتمع العربي، وهؤلاء هم الذين ضجروا من كذبة الاستقلال والولاء والانتماء للأوطان.

8