يزن الهجري: الألم يصنع الفنان والفن يجدد الهوية

يشكل الفن لدى الفنان يزن الهجري حالة متعددة الجوانب، من الفن التشكيلي، إلى الموسيقى، إلى الغناء والتأليف، وكذلك التصوير الضوئي، والفيديو آرت، وصولا إلى الموسيقى الإلكترونية، كل ذلك في مزيج فني ساحر وغريب، قلما يجتمع في شخصية فنية واحدة، فهو من المواهب السورية الشابة التي تحاول تقديم حالة فنية مختلفة، بعيدا عن سطوة السائد، وتحكم شركات الإنتاج، التي أوصلت الفن إلى ما وصل إليه اليوم من تشابه وتكرار ونمطية، وأخيرا فهو أحد المبدعين السورييين الذين نجوا من الحرب، والذين شكل اللجوء منبرا جديدا لانطلاقتهم، معه كان لـ”العرب” الحوار التالي.
الأربعاء 2016/08/03
حالة فنية متعددة الجوانب والمواهب

يفتتح الفنان السوري الشاب يزن الهجري في حواره مع “العرب” حديثه قائلا “أبحث عن الموسيقى فيما أبحث عن نفسي من خلالها”، ويضيف “في البداية لم أختر الرسم والموسيقى بشكل عقلاني مقصود، بل كان ذلك مجرد ميل طبيعي وقوي تجاه عالم روحي، غير مادي وغير محسوس، يحمل الكثير من الاحتمالات في التعبير والحرية والغموض والسحر، مقابل العالم الواقعي الرديء والقاسي والرمادي والممل”.

هكذا إذن بدأت طفولة يزن الهجري مثل حلم، حيث كان ذلك الطفل برفقة أبويه في وارسو، حينما كان يشاهد موسيقيين يعزفون شوبان في حديقة حملت اسمه، ثم ما لبثت أسطورة شوبان أن استحوذت على عقل ومخيلة الطفل الذي كانه آنذاك، وحملته إلى تعلم البيانو، وحلم أن يصبح عازفا.

يتذكر ضيفنا ذلك، ويقول “في طفولتي المبكرة تأثرت بموسيقى فريدريك شوبان وبشخصيته تحديدا عندما كنت في وارسو مع والديّ، لما كانا يدرسان الفنون والعمارة حينها، وكنا نجلس لنستمع إلى عازفي البيانو وهم يعزفون موسيقى شوبان بالقرب من تمثال كبير له، يقومون بذلك مجانا للناس المجتمعين في حديقة حملت اسمه، ولا سيما قصته المؤثرة حين أوصى أن ينقل قلبه بعد موته من منفاه في فرنسا إلى قلب كنيسة في وارسو موطنه الأصلي”.

البحث عن الذات

يزن الهجري فنان شاب طموح وممتلئ بالأحلام والرغبة بالتغيير والتجاوز، كان يقيم في دمشق مع والديه، كان أبوه نحاتا وأستاذا في كلية الفنون الجميلة، وأمه فنانة مولعة بالفن، وكانت أيضا أستاذة في قسم السينوغرافيا بالمعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق.

هكذا إذن نشأ يزن الهجري في بيئة مأخوذة بالفن بكل أشكاله تقريبا، مما أثّر في وعيه وذائقته وتكوين شخصيته في ما بعد، عن هذه النشأة يتحدث يزن الهجري قائلا “في الموسيقى والفن عموما إمكانيات لا حدود لها في التعبير وإلهام الناس وتغيير حياتهم نحو صورة أجمل وأكثر حقيقة وصدق”.

أما عن اختياره الشخصي، فيقول “السبب الأهم هو أن الموسيقى تجعل لحياتي معنى وترويها كقصة”، يتذكر ضيفنا أنه طرد ذات يوم من المعهد العربي للموسيقى في دمشق عندما كان صغيرا، لأنه كان يصنع موسيقاه الخاصة، بدلا من واجباته المدرسية، ويتابع “بعد سنوات من الدراسة والعمل والتجريب، تخرجت من كلية الفنون الجميلة في دمشق وقبل افتتاح أول معرض رسمي للخريجين بيومين أغلق المركز الثقافي الفرنسي نهائيا بسبب الأحداث الجارية في سوريا.. لكن اهتمامي بالموسيقى قادني من جديد إلى المعهد العالي، فدرست لعامين ثم تركته وسافرت إلى بيروت بسبب تفاقم الأحداث ذاتها”.

الهجري في أميركا كتب ولحن وغنى "نشيد الشهداء" تحت تأثير تصاعد الألم السوري، وهو عمل مهدى إلى كل ضحايا سوريا

بعد أن قدم عدة حفلات في دمشق، سافر الهجري إلى بيروت، بسبب الحرب السورية، وهناك أنشأ فرقة موسيقية، مع بعض أصدقائه، حيث كان هو من يؤلف الأغاني ويكتب الموسيقى، ويغني أيضا مع فرقته، يتحدث عن تلك التجربة قائلا “بعد سفري إلى بيروت أسست أول فرقة جدية مع موسيقيين من لبنان وسوريا وأميركا حملت أول اسم خطر على بالي حينها وهو «هات لنشوف»، وكانت تقدم بوب روك مع تلوين جاز وتأثر بموسيقى الفولك، والفرقة ذات طابع مسرحي من حيث الشخصيات والأفكار والمكياج والأداء الذي يمكن تسميته بـ«الكاباريه»، مع تأثر كبير بالمسرح الغنائي العالمي والأميركي، لكن بلغة عربية محكية.

كانت أغاني يزن حينها تحمل رسائل اجتماعية نقدية سياسية عبر شخصيات مسرحية متخيلة، لكن الفرقة توقفت بعد عدة عروض ناجحة في مسارح ومهرجانات في بيروت، بسبب ظروف اللاجئين، دون تسجيل ألبوم، ثم ما كان للفنان الذي شكل اليوتيوب مجال حيوي لموهبته، إلاّ أن حزم أمتعته، والتحق بعائلته التي أسعفها الحظ في الوصول إلى أميركا.

يقول ضيفنا “بعد وصولي إلى أميركا كتبت ولحنت وغنيت «نشيد الشهداء» تحت تأثير تصاعد الألم السوري وهو عمل مهدى إلى كل ضحايا سوريا، قدمته تحية لهم، ثم بدأت بالعمل على الموسيقى الإلكترونية وبما في ذلك أغنية «أوقف هذا العالم» والتي تمثل بالنسبة إليّ صرخة شعرت أني بحاجة إليها في بلد رأسمالي بارد ومادي استهلاكي، وأخيرا «المطلوب رقم 13» وهي قطعة جاز إلكتروني تحكي قصة متخيلة لشخص معارض عائد إلى سوريا”.

هوية متجددة

الإنسان يصنع هويته كل يوم ويجددها عبر عمله وإنتاجه ولا يرثها بشكلها الجاهز النهائي، هكذا يشرح ضيفنا الهجري، ويضيف “الفنون مرتبطة ببعضها وتغذي وتلهم بعضها، فاللوحة تقول ما لا تستطيع أن تقوله القصيدة، والأغنية تقول ما لا تستطيع قوله اللوحة وهكذا”.

ويستأنف “أحب أن أرمي نفسي في تجارب جديدة، وأحاول التفوق على نفسي بالدرجة الأولى، قد أنجح في ذلك أو أخفق، لكن من الصعوبة تأتي المتعة وكما يقول أينشتاين: الحياة مثل قيادة الدراجة، لكي تبقى متوازنا يجب عليك الاستمرار في المتابعة”.

يعمل حاليا الفنان الهجري على مشروع إنجاز ألبوم موسيقي غنائي يحمل عنوان “نبي من قزاز”، بدعم وتمويل من “آفاق” الصندوق العربي للثقافة، ويتحدث عن هذه التجربة التي يخوضها، قائلا “أسعى إلى تطوير أسلوبي الموسيقي في التوزيع عبر البحث في موسيقى الجاز والموسيقى الإلكترونية واستخدام عناصرهما لخلق موسيقى وأغنية عربية معاصرة تعالج مواضيع عديدة مثل الغربة، السفر، اللجوء، الانتماء، الحب، الحرية وبالطبع الحالة السورية اليوم بكل ما تحمل من تراجيديا إنسانية عابرة للقارات”.

وفي ملاذه الجديد اليوم، قد تتاح له رؤية مغايرة، أو أكثر موضوعية، عبر معايشته لتجارب وعلاقات إنسانية متعددة، واطلاعه على ثقافات متنوعة، وفي خضم حديثنا عن حال العرب اليوم، ولا سيما في بلاد اللجوء والاغتراب يختم يزن الهجري قائلا “أعتقد أننا كعرب مقيدون في سلوكنا وثقافتنا، وتمارس رقابة شديدة على كل نشاطاتنا حتى البسيطة منها؛ رقابه دينية وسياسية، تهم وتخوين، ويصح أن نقول إن الثقافة العربية اليوم ليست ثقافة مدنية، بل عسكرية عنيفة، وفي باطنها ثقافة دينية مكبلة غير حرة لتقول ما يجب قوله”.

16