يزن حلواني فنان لبناني يجعل من الملل أسلوب حياة

الفنان حلواني يعلن قطيعته مع الغرافيتي السياحي ليرسم لبنانه الجريح.
الأربعاء 2021/04/28
تعبيرية مباشرة عن آلام الغربة والهجر

"فندق بيروت واعتلاج عادي" معرض يمثّل بداية مسار تشكيلي جديد للفنان اللبناني يزن حلواني الذي أراد من خلاله أن يسرد أوجاع وطنه عبر لوحات إكريليكية معبّرة، بعد أن رسم لسنوات رموز وطنه الفنية على الجدران البيروتية، فكأنه يشكّل من الغارافيتي سردية سياحية تنتصر لكل جميل وأصيل في بلده، في حين يبثّ لوحاته آلامه الداخلية ولومه الشخصي لوطن بات مهجّرا لأبنائه. 

ارتبط اسم الفنان اللبناني الشاب يزن حلواني بجداريات رسمها في مختلف المناطق البيروتية، منها بورتريهات تخلّد أسماء لبنانية لامعة كفيروز وصباح ووديع الصافي، وشخصيات فكرية وشعرية مؤثرة كالشاعر الفلسطيني محمود درويش. ولكنه اليوم ينتقل من رسوم الشارع إلى اللوحات المُنجزة بمادة الإكريليك.

وليس من الغريب أن ينتقل فنان لبناني كحلواني من رسم الجداريات في الشوارع البيروتية إلى العمل الفني المُخصّص للعرض في الصالات الفنية. وإن كان المعرض الفردي الأول الذي قدّمه في صالة “رميل” تحت عنوان “جمهورية الموز” هو أقرب إلى فن الغرافيتي رغم كونه موضوعا ضمن صالة فنية، فإن معرضه هذا في صالة “أجيال” هو معرض أعلن فيه شبه قطيعة مع فن الغرافيتي لناحية كونه ليس مرسوما على الجدران ولناحية تعبيريته المباشرة.

من بيروت وإليها

المقابس الكهربائية تأتي في لوحات حلواني تعبيرا صريحا عن انقطاع التواصل مع الآخر، وتظهيرا للكولونيالية الأكثر تخفيا ومراوغة

منذ ولادة بصمته الخاصة في فن الغرافيتي كان من شبه المؤكّد بأنّ يزن حلواني سيتحوّل يوما مّا إلى عالم التشكيل الفني أو على الأقل سيُمارسه بموازاة غير عادلة مع فنون الشارع لصالح الفن التشكيلي.

وقد يعود سبب ذلك التحوّل إلى عدم قدرة أو بعبارة أدقّ عدم تمكّن فن الشارع من تلبية حاجة الفنان لتقديم طروحات بصرية متشابكة تحمل مواقف معنوية تدخل إلى عمق المشاهد الحياتية بكل ما فيها من تعقيدات وتناقضات.

وتجيء لوحاته الجديدة تحت عنوان “فندق بيروت واعتلاج عادي” وكأن الفنان قد انتهى للتوّ من العمل عليها (وقد بدأ برسمها قبل بداية ظاهرة مغادرة لبنان الأخيرة بسبب الأوضاع)، إذ تتمحور حول الغوص في فكرة المطار، وليس مجرد رسم موفّق لشكل مدرج الطائرات في أيام شبعت من زخات المطر، كما هي ليست مجرد رسم لغرف المغادرة الباردة.

وتتمحور لوحاته أيضا حول فكرة الهوية، وليس حول ما يبدو للوهلة الأولى على أنه تصوير لـ”مسافرين” ينتظرون موعد رحلتهم الجوية بملل أو يتوجهون بتعب نحو بوابات الإقلاع.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفنان في أعماله الجديدة لم يخرج من مزاجه اللوني ولا عن خطه في إيصال الأفكار من خلال البصريات، كما لم يغادر “الجدران” بل تمظهرت هذه الأخيرة في خشونتها وتشققاتها في خلفيات اللوحة وأرضياتها حتى تكاد تشتم رائحة الإسمنت وهو لم يزل حديث السكب.

المشاهد التي رسمها الفنان كأنها صور فوتوغرافية بالأسود والأبيض ولون البنفسج الذاوي لمشاهد عادية ويومية في المطار، هي “مهداة” من مُتأمل خارجي ومتروّ قادر على أن يفكّك ما تعنيه تلك المشاهد، إلى بيروت.

وفي إهداء الفنان مشاهد من بيروت إلى بيروت ربما أراد حلواني التقرّب منها وإعلامها، بما تيسّر، أنه مُدرك لما يجول في خاطرها وما تحفره في يومياتها.

أما ما يُحفر في يومياتها ويتراكم ويتداخل فهو تجليات لفوضى نفسية ووجودية عارمة أكدّ الفنان على وجودها في العنوان المُكثف الذي أطلقه على معرضه “فندق بيروت واعتلاج عادي”. فبيروت تصبح سنة بعد سنة للكثيرين من أهلها أو القاطنين فيها مُجرد “فندق” أو محطة وليست بمستقر فيه أدنى شروط الاستمرارية.

أما استخدام كلمة “الاعتلاج” العلمية التي يمكن أن تحمل معاني كثيرة وغير متضاربة البتّة كفوضى ولغط، واختلال في التوازن، والطاقة الحركية واعتلال حراري ووظائف الموجة.. الخ وذكرها، أي كلمة اعتلاج، كملحق لكلمة “عادي” فهو في حد ذاته إفصاح عن مضمون المعرض بشكل عام.

توثيق الاشتياق

أسفار وأثقال فرضها وضع رديء
أسفار وأثقال فرضها وضع رديء

يزن حلواني المتأمل الخارجي لأحوال بيروت يبدو في أعماله التي تصوّر “العادي جدا” وكأنه يقول للمدينة “أرى عبرك العابر والهش وأرى الرجاء المتوتر والحزن العادي جدا، وأرى الاشتياق للآخر وللأشياء التي تحمّلت ذاكرتنا الشخصية. وأرى الملل كيف يصبح أسلوبا للحياة وكيف تصبح الغربة مساحة ذات حميمية غرائبية تتجاور فيها وجوه أسماء وهامات دون أقدار مشتركة”.

يذكّر الكُتيّب المرافق للمعرض الذي واظب صاحب الصالة على طباعته مع كل إطلاق معرض على الرغم من فظاعة الوضع الاقتصادي في البلاد، أن معرض الفنان مبنيّ على ثلاثة محاور متداخلة.

الأول تظهر فيه لوحات للمطار والثاني لوحات للمسافرين وحقائبهم أما الثالث فيضمّ عدة لوحات بحجم كبير، كباقي اللوحات، رسم فيها الفنان قطعا عديدة هي ما يُسمى بـ”المقابس الكهربائية” المختلفة باختلاف البلدان التي تستخدمها تاريخيا وحاليا.

اللوحات الجديدة تتمحور حول فكرة المطار كرمز للهوية، وليس حول ما يبدو مجرد رسم موفّق لغرف المغادرة الباردة

في كل مجموعة من اللوحات يأخذنا الفنان إلى ما هو أعمق ممّا نشاهد في المستوى الأول منها. المطار هو اللامكان، إذا صحّ التعبير، والمقابس الكهربائية هي “التشبيك” الوقتي وانقطاع التواصل مع الآخر، وهي تظهير للكولونيالية السابقة والجديدة الأكثر تخفيا ومراوغة.

أما المسافرون فهم الضاجون بتناقضاتهم، وربما من المجحف جدا الكلام عن مسافري يزن حلواني دون أن نأتي على ذكر القصيدة الهائلة للشاعر المعاصر وديع سعادة التي تحمل عنوان “غُبار” والتي ربما هي الأمد بقدرتها على الكشف عن جزء كبير ممّا تُشعرنا به لوحات الفنان اللبناني.

يستحيل إيراد كل القصيدة هنا، وهذا مقتطف رائع منها “العابرون سريعا جميلون. لا يتركون ثقلَ ظلّ. ربما غبارا قليلا، سرعان ما يختفي. الأكثر جمالا بيننا، المتخلّي عن حضوره. التارك فسحة نظيفة بشغور مقعده. جمالا في الهواء بغياب صوته.. متخلّون عن الأمكنة، والأوطان، والآباء، والبنين.. ثمّة رقص على الدرب لا يراه الراكضون. رقص يعرفه الجالسون. ثمة رقص خفيّ في الجلوس. الساكنون يسمعون وحدهم الأغنية. الضّاجون طرشى ضجيجهم”.

ويزن حلواني من جيل ما بعد الحرب اللبنانية. تخرّج في الجامعة الأميركية في بيروت بشهادة هندسة الكومبيوتر والمعلومات ثم تابع دراسته الأكاديمية في جامعة هارفارد لإدارة الأعمال. شارك في العديد من المعارض الجماعية داخل لبنان وخارجه كالأردن وألمانيا وفرنسا وساحل العاج والمملكة المتحدة.

طابور ناطق بأوجاع فردية وجماعية
طابور ناطق بأوجاع فردية وجماعية
المطار والطائرات رموز حسية لهجرة جماعية قسرية
المطار والطائرات رموز حسية لهجرة جماعية قسرية

 

16