يسألونك عن الجدوى

السبت 2014/06/21

قبل بضع سنوات، فوجئ الفرنسيون بوزير لا يفرق بين “زاديغ” رواية فولتير، و”زاديغ وفولتير” محل بيع ملابس الموضة، مثلما فوجئوا بأن رئيسهم نيكولا ساركوزي لا يقرأ ولا يساوره من ذلك أدنى حرج، بل إنه كان يسخر من الذين يقرؤون الأعمال الكلاسيكية بدعوى أنها لن تفيدهم في حياتهم العملية، ويضرب مثلا على ذلك بقوله : “ما جدوى أن تقرأ الفتيات رواية ‘أميرة كليف’ لمدام دو لافاييت، ومصيرهنّ أن يصبحن صرّافات سوبر ماركت ؟” هذان المثالان يطرحان مسألتين هامتين هما؛ التخصص، وجدوى القراءة.

فأما التخصص في مجال من مجالات العلوم والآداب والفنون والسياسة، ففيه اكتساب للمهارة والبراعة والتقنية دون ريب، ولكنه يعزل صاحبه في بؤرة واحدة، لا يرى العالمَ إلا من زاويتها. فالمهندس الذي لا يتذوق الفنون، والأديب الذي لا يهتمّ بالاكتشافات العلميّة، والفنان الذي لا يتابع غزو الفضاء، والرياضيّ الذي ليس له من دنياه غير لعب الكرة، كلهم يعانون نقصا في ثقافتهم العامّة، وآفاقُهم، كما رأينا في مثال الوزير، تظل محدودة، لأن التخصص يُكسِب صاحبَه فَهْمَ جانب من الحياة، ويسلبه الباقي، فيما الثقافة بمعناها الواسع تُكسِبه القدرة على فهم الإنسان والعالم في شتى تجلياته.

وأما جدوى القراءة، وبالأحرى التساؤل عن جدواها، فهي سمة هذا العصر الذي فرض على الإنسان أن يتعامل مع الأشياء تعاملا ماديا، فينظر إلى كل شيء من زاوية الجدوى، الآنية إن أمكن، ويزنه كما يزن البضائع بميزان الربح والخسارة. فإن بدا له ألا فائدة تُرجى من قراءة هذا الكتاب أو ذاك في إبرام صفقة أو الحصول على ترقية أو في إقناع الأنصار وإفحام الخصوم، صرف عنه نظره وتجاوزه إلى ما هو أجدى.

في كتابه “جدوى ما لا جدوى له”، يستعرض الإيطالي نوتشو أوردين حصيلة قرن كامل من المقولات والأفكار والنظريات، ليستخلص كثرة المعارف الإنسانية عديمة الفائدة، بالمفهوم المادي، القائم على الربح، كالشعر والأدب والفن والموسيقى والفلسفة وعدة علوم لا يستهان بحجمها، ولكن تلك الأنشطة – غير المجدية في الظاهر – هي التي تثير الشغف والحماس في عالم يسوده الإرهاق والكآبة. وفي رأيه أن مجتمعا يعجز عن تصور أنشطة خالية من أيّة غاية نفعية، هو مجتمع يُحتضَر.

قيل لسقراط وهو ينفخ في الناي ويتدرب على عزف لحن جديد فيما خصومه يعدّون له سمّ الشوكران : ما الجدوى وهم سيعدمونك؟ فــأجاب : أردت أن أتعلم هذا اللحن قبل موتي.


كاتب من تونس مقيم في باريس

17