يسألونك عن الخلافة

الخميس 2014/08/07

كنّا خمسة ربطت بيننا الصداقة قرابة الثلاثة عقود، ومتنت اتصالاتنا مهنة الصحافة، وقوى انسجامنا حب الثقافة، أو قل حب الثقافات لأن جميعنا يؤمن بأنّنا ما أوتينا من العلم إلاّ قليلا. جمعتنا إحدى جلساتنا المتكررة بنادي الصّحافة العالمي بمدريد، حيث نلتقي، كلما سنحت الفرصة وسمحت الرزنامة أو دعت الحاجة.

جلسنا نتبادل الأخبار والمعلومات حول ما يجري في العالم من أحداث وحروب، ونحاول بالتحليل والتّعليق، فهم الحقيقة واكتشافها. كنّا ننتسب إلى أربع قارّات من هذا العالم المضطرب. الجمهوريّة الفضيّة، الأرجنتين عند العرب المعاصرين، واليابان بالشرق الأقصى من آسيا، وأسبانيا وألمانيا، ومن جنوب بحرنا الملوّث، العالم العربي أو بعض أقطاره، لأنّ المنتسب إليه، كاتب هذه النفثات، لا يُنظر إليه كغيره، حسب مأتاه ومسقط رأسه، بل ما هو إلا عربي، رغم أنّ الجميع يعرف أنّي من تونس. سبب ذلك هو أنّ الغربيين على اختلاف مشاربهم، يوحدوننا رغم تشتتنا، ولا ينسبون الواحد منا إلى بلده أي مسقط رأسه، إلا عندما تدعو حاجتهم إلى تمييز هذا أو ذاك. هذا لعمري شأن يثير الألم.

جلسنا خمستنا نتبادل الأسئلة والأجوبة والتعليقات التي لا تخلو من الطّرائف والملح. جلنا شرقا وغربا، مخصّصين الشرق الأوسط بنصيب أوفر من الحديث. فجأة واجهني كبيرنا بسؤال ثلج منه دمي في عروقي فحرت جوابا. فالسّائل يعتبر بيننا أنّه أكثرنا خبرة، وأوسعنا علاقات بصانعي القرار الذين يحترمونه، أو هم يخشونه، فلا يصدّون في وجهه أبوابهم، وهو فوق هذا أعلم منّي بما سأل عنه. قال: أفدنا، وأنت الخبير، ما هي الخلافة؟ رغم وقع وصدمة السّؤال غير المنتظر، ألهمني الله فأجبته، فكان جوابي سؤالا يربحني بعض الوقت إذ قلت: أيّة خلافة تعني؟ قال: دعك من الزّيغ! فلست سائلك عن خلافة عهد ألف ليلة وليلة، بل عن هذه التي تردّدها الأنباء هذه الأيّام، فما هي حقاّ. هل هي عقيدة أم فكر وفلسفة أم نظام شبيه بالملكيّة، أو قريب من الجمهوريّ؟

ضحكت مُفتعلا ضحكي، وقلبي جدّ محزون، وقلت بشيء بين الجدّ والهزل: هي إن شئت اسم بلا مسمّى. بُهت الذي سمع فواصلت أقول: هي طوبى، حلم راودنا ويراودنا جميعا ونحن تحت وطأة الظلم والجبروت، فتمنّينا حياة يسودها حقّ وعدل، مثل عهد عمر بن الخطّاب. لكن ليس بيننا اليوم عمر ولا عليّ. فهم صاحبي أنّ طريق هذا الموضوع مسدود، فغيّر وجهة الحديث.

وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم! هذه الحكمة الإلهيّة تدفعنا إلى القول، بتعبيرنا البشريّ، أنّ لكلّ شيء وجهين. إيجابيّ مفيد، وسلبيّ مسيء. اعتبرت فوجدت سؤال الزميل الصّديق لم يأت على ضلال، وهو يهدي ويدفع إلى التساؤل بحثا عن الحقيقة. أليس من الغرابة أنّنا، في خضمّ ما نحن فيه من معاناة، لم نسأل عن الخلافة التي كثر ترديد اسمها والمناداة بها، دون أن يحاول أحد منّا تبيّن معالمها؟ قضيت بقيّة يومي وفي رأسي تتصارع الأفكار والتساؤلات. ثمّ خيّم الليل فعملت بالمثل الفرنسيّ القائل بأنّ الليل يأتي بالنّصيحة، فانتظرتها منه لكنّه بخل بها عليّ. فاتّبعت نصيحة المقولة الأسبانيّة وهي: اسأل الوسادة! دخلت فراشي فأسندته إلى المخدّة وسألتها فأجابتني تقول: اسأل! عندها لمع النّور بهذه الكلمة أو هذا الأمر في بصري وبصيرتي، فأعددت العدّة لإلقاء السّؤال، لكن على من؟ فأنا بعيد غريب، والذين قد يصلح سؤالهم لا يتكلّمون بأفواههم بل بأفواه أسلحتهم، لذا سألت تخيّلا.

تخيّلتني جالسا إلى جمع من المنادين بالخلافة، على أمل مجادلتهم، لفهم آرائهم، ومخطّطاتهم، وتبيّن أهدافهم ومراميهم، عساني أجد لديهم الهداية إلى سواء السّبيل. سألت وتحدّثت لكن بقي صوتي فريدا، لأنّي لا أفقه لغة المسدّس ولا لسان الرّشّاش، فبقيت أسأل هل من مجيب يحسن الكلام بلغتي.

أسأل عمّن سيقيم الخلافة وكيف سينجز ذلك؟ أسأل عن الخلافة إن هي ستكون كخلافة عمر أو يزيد أو السفاح؟ أسأل من هو الخليفة، ما اسمه وما منشؤه؟ وإن كان لدينا أكثر من خليفة فكيف الفصل بينهم؟ أسأل عن عاصمة الخلافة، أين موقعها، وكيف ومن يعيّنها؟ ثمّ أجدني سائحا في متاهات النُّظم والقوانين والتّراتيب فأسأل أيَّها ستعتبِرُه الخلافة والخلفاء؟ ما نصّ عليه كتاب الله واضح مفهوم. لكن ما جدّ وأتت به الأيّام، فبأي فقه ومنطق وعدل سيُعالج؟ أبِأَزيز الرّصاص ودويّ الانفجارات، أم بالجدال وبتبادل الآراء والأفكار بحثا عن الطيّب وما ينفع النّاس؟ أسأل عن عباد الله تحت خيمة الخلافة وعن مصيرهم. أعبيدا أم رعيّة أم مواطنين سيحيون؟ وبأيّ حقوق سيتمتّعون؟

سألت وطال انتظاري عساي أحصل على مجيب فأكون من الفائزين. لكنّي بقيت كالمبشّر الواعظ في الصّحراء، فلا يجيبه إلاّ الصّمت المريب.أمنت إذّاك أنّي أطلب فهم ما لا يُفهم، ثمّ أنّي أخاطب الصمّ وهم لا يسمعون.

هكذا حملت الرّياح أسئلتي إلى غير رجعة، ثمّ عادت تهبّ نحوي حاملة عويل الثكالى وبكاء اليتامى ورعب الصّابرين الماكثين، هبّت نحوي من العراق المنهار، ومن سوريا الذّبيحة، ومن ليبيا الضّحيّة، ومن تونس الحائرة، ومن مصر الصّامدة، ومن اليمن الشّقيّ، هبّت نحوي من كلّ تلك البقاع، تحمل أصوات المنكوبين وهم يسألون: هل هذه هي الخلافة أيّها العارفون؟ فقلت يسألونك عن الخلافة قل هي بلاء عظيم، علمه عند ضالين مُضلِّلين نهايته الخسران المبين.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9