يسرا.. أيقونة الفن والجمال

على الرغم من أن يسرا لم تظهر إلا في اختتامية الأغنية إلا أنه كان لها حضور طاغ وجملة غنائية قوية لخصت المعنى الحقيقي للحب.
الاثنين 2018/03/12
نجمة العبث الجميل

في ليلة صيف حين تراود زخات مطر هاربة من بقايا شتاء آفل، السماء عن نفسها، تعانق سحابة قادمة من غيابات مرهقة تحط رحالها في سماء عنيدة، هذه هي يسرا كزخات مطر باردة تدفع عن الحياة سخافة الحر الحارق، وتكسر قسوة البرد الشديد.

أيقونة شديدة الجمال والخصوصية تدير ظهرها لكل من يتعلل بتقدم العمر، نجمة عنيدة تلمع في سماوات عدة، لا تعترف بزمن طالما لديها مشروعها الفني والثقافي ورسالتها التي مازالت قادرة على العطاء فيها وزيادة سطورها كل يوم بكلمات جديدة.

في الفن وحدها يسرا تستخدم كافة الأسلحة والآليات الفنية الرائعة، تملك أدواتها أمام الكاميرا، أداءا رائعا يتحدى الزمن لتثبت للجمع أن العمر مجرد رقم لا دخل لنا فيه، سنوات تمر لأن الأيام التي تبدأ مع إشراقة شمس الصباح حتما ستنتهي بالغروب، لكن هذا العمر الذي أضاف لتجربتها الحياتية والفنية لم يقضم جمالها وأنوثتها وأناقتها التي تحرص عليها وتعلمها للنساء والفتيات، تجد أنه لازاما على المرأة الحرص على أناقتها ببساطة ودون تصنع، ترى أن هناك ثوبا يمكنه التحدث سفيرا عن المرأة وآخر يضيف للمرأة عمرا مجانيا ويعطيها سنوات ليست من حقها، فتبدو مسنة في رداء سخيف! 

ذكاؤها الاجتماعي جعلها نموذجا مغايرا لصناعة النجم، فهي تجرب كل الصيحات الجديدة في الفن والغناء، فبمجرد ظهور موجة أغاني المهرجانات كان الثنائي الناجح مع مي عزالدين في أغنية حقي برقبتي، ومع الموجة الشبابية كانت مع حسين الإمام في “جت الحرارة”. مجرد ظهور يسرا على الشاشة يبعث حالة من التفاؤل والسعادة وحب الحياة، طاقة هائلة من الفرح البسيط، ووجود اسمها في أي عمل فني، سواء كان سينمائيا أو مسرحيا أو غنائيا يعطي شهادة صلاحية بأنك أمام عمل من طراز فريد، تجتمع لها ومعها كافة عناصر الإبهار، كطابع البريد التذكاري يتوقف عندها الزمن ليعلن وجود طابع استثنائي لحدث نادر، فتجد العمل ذات قيمة فنية وأسرية ويحمل الكثير من المعاني الراقية، والتعامل المختلف مع معطيات الحياة. على مشارف السبعين تعلن يسرا المولودة في عام 1951 أنها تملك روح العشرين!

خلال مسيرتها المهنية الفنية تتمرد على التابوهات السخيفة في التعاطي مع القضايا النسائية، فلا تنتفخ حنجرتها أو يعلو صوتها في دور كالوعاظ يعتلي منبر الأخلاق والفضيلة، بل تتضفر معها كافة العناصر لصنع تيمة مختلفة تستطيع تقديم ما تراه مناسبا للأحداث بتلقائية، عيناها وحدهما تستطيعان التعبير دون كلمات، ففي مسلسلها الأخلاقي “حياة الجوهري” قالت بعينيها ما تكفي له حلقات طويلة في مشهد يجمعها بزوجها وبارتعاشة يديها في التوقيع على عقد تمليك لقطعة أرض لصالح رجال أعمال فاسدين.

اختيرت سفيرة النوايا الحسنة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فأرضى المنصب ولعها وحبها للأطفال واهتمت بهم تحت مظلة عالمية وقدمت “حب خلي الناس تحب” أغنيتها الشهيرة بين الأطفال خاصة السود منهم، والغناء بأكثر من لغة منها العربية، الإنكليزية، الفرنسية. نجمة العبث الجميل، تعبث بمشاعرنا في الإنس والجن، ثم تعود لتسقينا الحب في أجمل أدوارها، تضيف للشخصية ما يثريها.

أغنية ثلاث دقات مع المطرب والملحن محمد أبوالعينين تخطت حاجز الـ90 مليون مشاهدة فور إطلاقها خلال فعاليات الدورة الأولى من مهرجان الجونة السينمائي الدولي ووصلت حتى الآن إلى 150 مليون مشاهدة محققة نجاحا باهرا وغير تقليدي، ففكرة الأغنية وأماكن التصوير والزوايا التصويرية والفكرة الإخراجية وكم وشهرة النجوم المشاركين كلها عناصر استثنائية كسرت تقليدية غناء المطرب الفرد أو الثنائي الغنائي بصحبة “موديلز” ومجرد تصوير في أستديوهات مغلقة أو حتى أماكن مفتوحة، ليخرج عن نمطية هذه الأفكار لحدوتة قصيرة عن الحب والنصيب ورحلة الحياة حتى أن نجوما كبارا شاركوا بمجرد الظهور دون أن تكون لهم جملة غنائية أو مشهد تمثيلي مكتفية المخرجة مريم أبوعوف بظهورهم مثل الفنان عزت أبوعوف.

وعلى الرغم من أن يسرا لم تظهر إلا في اختتامية الأغنية إلا أنه كان لها حضور طاغ وجملة غنائية قوية لخصت المعنى الحقيقي للحب، كما بدت في قمة أناقتها وجمالها الساحر بفستانها الكاشف لصدرها وظهرها.

منذ عدة أعوام قابلتها وسألتها عن حبها لقطتها التي حرمتها أن تكون أما، فقالت: القطط مخلوقات ضعيفة وجميلة، ليس من حقنا اتهامها لأن القدر لم يكتب لنا شيئا، فما حدث معي هو إرادة ربنا وأنا راضية بها جدا، فعلى الرغم من شدة حبي للأطفال وحلمي بالأمومة، فلست حزينة ولا نادمة على شيء، وكل ما مر في حياتي أعتبره قسمة ونصيب وإرادة الله.

علمتنا بساطة الحياة، وهذا ما يجب علينا تعليمه لأبنائها، يعرفون كيف يفرحون ويضحكون، ومتى تسقط الدموع بلا خجل.

21