يسري نصرالله يغير جلده في "الماء والخضرة والوجه الحسن"

البحث عن مظاهر الجمال الثلاثة المعروفة، الماء والخضرة والوجه الحسن، رغبة تظل عالقة في عقل كثيرين، لكن ربما كان هذا الجمال منقوصا داخل أحداث الفيلم المصري الجديد “الماء والخضرة والوجه الحسن” ليسري نصرالله الذي حمل عنوانه هذه الصفات.
الثلاثاء 2016/10/04
غاب الجمال في زحمة الأحداث

فيلم “الماء والخضرة والوجه الحسن” عاد به المخرج يسري نصرالله إلى جمهوره، بعد غياب أربعة أعوام، منذ تقديم فيلمه “بعد الموقعة”، نائيا فيه عن الخصوصية التي اتسمت بها أفلامه، بما تحمله من رؤية فلسفية عميقة، قد لا يميل كثيرون لرؤيتها، في ظل الأوضاع التي عاشتها صناعة السينما في الأعوام الماضية، وما غلب عليها من نمط تجاري سيطر على معظم الأعمال الفنية.

اتجه يسري نصرالله بعدسته إلى محافظة الدقهلية (شمال القاهرة) واقترب من أجواء الريف المصري، راصدا حياة الطباخين البسيطة.

تعدد الخطوط الدرامية

تبدأ الأحداث لدى عائلة يحيى الطباخ الذي يمتلك فندقا بارعا في صناعة طعام المناسبات والأفراح بصحبة نجليه رفعت، وجلال، الأول يلعب دوره الفنان باسم السمره (صاحب فكرة الفيلم)، وتبدو عليه ملامح العقل والرومانسية، إلى جانب الإخلاص في صنعته، فالطهي لديه مثل عند والده فن له أسلوب وأصول وقواعد.

في حين يعتقد شقيقه جلال الذي يجسد دوره الفنان أحمد داوود، أن الفنانين الذين يتذوقون طعامهم لا يعرفون شيئا ولا يتذوقون، وأن السبيل لديهم هو سد الجوع حتى أن الأخ وشقيقه يدخلان رهانا حول هذا الأمر ليكون الانتصار لصالح رفعت.

لا نستطيع القول إن الفيلم ينتمي إلى نوعية الأعمال التي تدور أحداثها في دراما اليوم الواحد، لكن في الوقت ذاته لابد من الإشارة إلى أن أغلب الأحداث جرت في يوم تتبدل فيه الكثير من التفاصيل في حياة الشخصيات، تبدأ لدى رفعت الذي يرفض الارتباط بابنة عمه التي تجسد دورها الفنانة منة شلبي.

وفي صباح هذا اليوم تظهر حبيبته القديمة وجارته شادية، الدور الذي تقدمه النجمة ليلى علوي، والتي تعود من دبي عقب انفصالها عن زوجها ووفاة نجلها، ما يجعل مشاعره تتحرك من جديد نحوها.

يسري نصرالله اتجه بعدسته إلى محافظة الدقهلية واقترب من أجواء الريف المصري، راصدا حياة الطباخين البسيطة

أما شقيقه جلال فتصارحه ابنة عمه كريمة، وهي شقيقة زوجته المتوفاة بحقيقة مشاعرها تجاهه، فيقرر الهرب والابتعاد تفاديا لحدوث أزمة مع شقيقه في بادئ الأمر، وبدأ يفكر في السفر خارج البلاد.

أما الأب يحيى والذي قدم دوره ببراعة الممثل علاء زينهم، والذي لربما ينتقل مع يسري نصرالله بهذا العمل إلى مصاف النجوم الكبار، بعد رحلة عمل شاقة امتدت سنوات اقتصرت على أدوار ثانوية، فيقدم دوره بصدق وتلقائية بشكل أكثر قربا من حياة البسطاء، حيث يعمل بإخلاص طيلة النهار في الطهو لأحد الأفراح الكبرى بالبلدة، وفي المساء يشاهد إحدى الفتيات التي تخرج مسرعة من المنزل المقام به الفرح، سارقة علبة حلوى فيطلب منها إعادتها.

وعندما ذهبت إليه في مطعمه منحها علبتي حلوى لنجلها المريض، وهنا يبدأ تحول درامي جديد، ففي لحظة جمعت بين الاحتياج إلى الراحة والاسترخاء على يد أنثى قامت بتدليك قدميه بالماء لتخفيف الإرهاق، ورغم نظراته المصحوبة بشهوة خفية، إلاّ أن الأمر ينتهي بسرعة، وقبل أن تغادر المكان يطلب منها قبلة على خديه.

ويأتي المشهد التالي منوها بجنازته، وكأن رغبة أو حلم هذا الرجل قبل رحيله كانت تتمثل في بضع دقائق يشعر فيها بالحنو والاحتواء من قبل الجنس الآخر. ومع أن رغبة العجوز كانت مقبولة وتحمل تأملا عميقا في الحياة، لكن تكرار هذه الرغبة أو الإشارة لها في أكثر من حدث بالفيلم، قلل من قوامه، فمثلا نجد سيدة في الفرح بدت عليها ميول لممارسة الجنس مع أيّ من الشقيقين، وتنجح بالفعل في إقناع أحدهما، رغم زواجها من

شقيق العروس. أما ليلى علوي فتجلس بجوار باسم السمره تحت تأثير مخدر الحشيش الذي تناولته في القهوة خطأً، ثم تلـمح له صراحة قائلة “أنت عاوز تبوسني” وتبتعد عنه في دلال، وصحيح أن كل هذه الإيحاءات لم تحمل مشاهد تخدش الحياء، لكن وجودها لم يخدم الحدث الدرامي أيضا داخله بدرجة كافية.

وإلى جانب الرغبة الطاغية، يظهر خط درامي جديد، يتمثل في الصراع بين أفراد عائلة الطباخ، ونجل عمهم أبورية والذي يريد الاستيلاء على الفندق وهدمه، وإنشاء مشروع استثماري للمأكولات يدعمه في برنامجه الانتخابي والترشح للبرلمان.

ويرفض أبناء الطباخ في البداية، لكن مقتل صديقهم المطرب الشعبي (الفنان محمود الليثي) المتزوج من شقيقة أبورية على يديه بعد علمه بالأمر، يجعلهم يدبرون له الفخ الذي يقع فيه في نهاية الأحداث.

الفيلم لا يحمل مللا ولا يقدم متعة عظيمة في اللحظة ذاتها، لكنها حالة ربما يشتاق إليها من حرموا من رؤية نموذج البسطاء الطيبين في الأعمال السينمائية، التي تجاهلتهم مؤخرا

حب الحياة

فيلم “الماء والخضرة والوجه الحسن” له خصوصية لدى المشاهد الأكثر ميلا لمشاهدة الأعمال التي تمتلئ بالمأكولات والطهو، كما أنه يتحدث عن فئة اجتماعية لم تقترب إليها السينما كثيرا من قبل، وهو ما حمل معه مساحة من التفاصيل والأحداث في حياة الشخصيات التي تم اختزالها في تحضير طعام الفرح، ومشهد الانتقام من ابن العم في النهاية.

ليس هذا فقط، بل إن فكرة الرغبة في الاحتياج إلى الجنس الآخر وحب الحياة، بدت قضية ثرية في أحداث الفيلم، ما يمهد لها بتفاصيل أخرى على مستوى الدراما، وإن كان المؤلف أحمد عبدالله والمخرج يسري نصرالله نجحا في تقديمها فقط على مستوى الأب يحيى الطباخ في فكرة الوصية التي تركها لأبنائه، وأوصاهم فيها بخروجهم للتنزه والمرح في ذكرى الأربعين لوفاته وعدم الحزن أو ارتداء الملابس السوداء، رغبة منه في استمرار حياة عائلته.

أما على مستوى علاقة الصورة بما حمله عنوان الفيلم، فمع كل المهارة التي يتمتع بها مدير التصوير سمير بهزان في رصد طبيعة هذه الأحياء الريفية بعدسته، لكن الماء والخضرة كلمتان لم يظهرا إلاّ في مشهدين واضحين، أحداهما النزهة في ذكرى يحيى الطباخ، والآخر صور “كادر” من أعلى لصورة البحر في “الفيلا” التي حبست فيها شقيقة المرشح البرلماني.

في حين أن عنوان الفيلم وحالته كانا يستدعيان الطواف بالكاميرا داخل جمال الريف المصري، لكن الأحداث جميعها انصبت حول المنزل المقام فيه الفرح، ومنازل الأبطال، أما الوجوه الحسنة كان تمثيلها الأعظم في شخصية شادية التي قدمتها النجمة ليلى علوي، وبدا ذلك في تعبير ونظرات باسم السمره إليها طوال الأحداث.

الفيلم لا يحمل مللا ولا يقدم متعة عظيمة في اللحظة ذاتها، لكنها حالة ربما يشتاق إليها من حرموا من رؤية نموذج البسطاء الطيبين في الأعمال السينمائية، التي تجاهلتهم مؤخرا.

16