يسعد ربراب رجل أعمال في خضم حرب اللوبيات والسلطة

السبت 2015/10/24
جزائري تحوّل من محاسب بسيط إلى جالس على عرش امبراطورية السكر والزيت

الجزائر - لا يشذ رجل الأعمال الجزائري يسعد ربراب عن قاعدة الثراء المدعوم بالسياسة، وهو واحد من الأغنياء الذين تكونت ثروتهم في الغموض، وقد تنتهي في غموض أكبر، في ظل القبضة الحديدية القائمة بينه وبين السلطة منذ عدة أشهر، وليس ذلك بعسير في الجزائر، بالنظر إلى تجربة إمبراطورية “الخليفة”، التي انطلقت سريعة وانتهت على وقع فضيحة غامضة الألغاز، وقد يكون الفارق بين حالة ربراب والحالات الأخرى، هو ذكاء الرجل الاقتصادي، وتوزيع استثماراته على ربوع العالم من أميركا اللاتينية إلى غاية أفريقيا.

ذكرت بعض المصادر المطلعة، أن من أبرز الأسباب التي قادت الرئيس السوداني إلى الجزائر مؤخرا، رغم الحرج الدبلوماسي مع المحكمة الدولية، هو رغبة السلطة الجزائرية في تطويق استثمارات رجل الأعمال يسعد ربراب في السودان، وافتعال تدخل رسمي في الخرطوم لإعاقة أداء مصانع الرجل للزيت والسكر، في إطار حملة تصفية الحسابات بين الطرفين منذ الإطاحة بالجنرال القوي محمد مدين (توفيق) الذي كان يسند استثمارات ربراب، من على رأس جهاز الاستخبارات.

سقوط الجنرال يعرّي الغابة

رغم نفي الرجل لاستناده لأيّ كان من عصب النفوذ في العسكر أو المخابرات، بمن فيهم مدير جهاز الاستخبارات السابق الجنرال توفيق، فإن بصمات مراكز القوى في هرم السلطة واضحة في تنامي ثروة الرجل وتوسع استثماراته.

ولأنه كان إلى حين يمثل الذراع الاقتصادية والمالية للجهاز، فلا يستبعد أن يكون الفتيل الخفي لما عرف بـ”انتفاضة الزيت والسكر” التي عاشتها الجزائر خلال العام 2011، بما أن الرجل يحتكر حوالي 70 بالمئة من المادتين المذكورتين.

بقي مضمون التحقيق البرلماني الذي قامت به لجنة برلمانية في العام 2001، والتي كلفت بالتقصي في أحداث الربيع الأمازيغي الذي أودى بحياة أكثر من 120 ضحية مكتوماً، لكن تسريبات تحدثت عن يد خفية حركت الشباب المنتفض بالمال في منطقة القبائل، وتم توجيه أصابع الاتهام إلى رجل الأعمال المذكور، وذلك في إطار صراع عصب السلطة وتوظيف الأذرع المالية والاقتصادية وحتى السياسية والتنظيمات المدنية لتصفية حساباتها.

وعلى عكس سيرة رجال الأعمال في العالم التي تنطلق من أفكار ومغامرات وتضحيات، فإن سيرة بعض رجال الأعمال في الجزائر تشذ عن القاعدة، وتتزاوج فيها لعبة المال والنفوذ السياسي، فلا مناص للأول من الثاني والعكس صحيح، في ظل ضبابية مناخ الأعمال، وغياب الشرعية الدستورية للنظام السياسي القائم.

مصادر في سوق الاستيراد والتصدير تذكر أن رجل الأعمال يسعد ربراب يعد (من الأباطرة القلائل الذين حافظوا على احتكارهم لميدان نشاطهم، بفضل تغلغل نفوذه في مختلف مفاصل الدولة، وليس هناك من يجرؤ على منافسته من رجال الأعمال، بينما هناك من انتهى به المطاف إلى الإفلاس بسبب عرقلة نشاطه ولو بإفراغ حمولات الزيت والسكر في البحر وليس في الميناء)

سيرة المليارات

يقول عارفون بسيرة الرجل، إن ربراب كان قد بدأ حياته محاسبا بسيطا لينتهي به المطاف واحدا من بين 40 ثريا في القارة السمراء، وواحداً من لائحة فوربيس لرجال الأعمال بثروة تقدر بأربعة مليارات دولار، بفضل قرض بنكي حصل عليه في سبعينات القرن الماضي، من خلال واسطة لرئيس الحكومة السابق سيد أحمد غزالي، ما مكنه من تأسيس أولى شركاته الاقتصادية.

وتتأكد حالة النفوذ السياسي في عالم الأعمال الجزائري بما ورد في مذكرات رئيس الحكومة الأسبق بلعيد عبدالسلام، التي يقول فيها “لما كنت على رأس الحكومة في أواسط التسعينات، تدخل الجنرال السابق محمد تواتي لديّ شخصيا، ورغم ظروف الأزمة الاقتصادية التي كانت تمر بها البلاد، فقد طلب مني التدخل لدى البنك الوطني للموافقة على قرض بمبلغ 80 مليون دولار لفائدة رجل الأعمال يسعد ربراب”.

وأمام الحس الاقتصادي والمالي للرجل، وإتقانه للعبة اقتناص الفرص، فإن ربراب استغل فترة الانفتاح الاقتصادي للبلاد، وتحول في ظرف قياسي إلى ملك سوق السكر والزيت، التي تقدر بأربعة مليارات دولار، وتفتقد لفرص المنافسة من طرف السوق الداخلية، مستفيدا في ذلك من نفوذ عميق في إدارات الميناء والجمارك والوزارات، ومن امتيازات حصرية من طرف الضرائب.

نفوذ وبريق

تذكر مصادر في سوق الاستيراد والتصدير، أن رجل الأعمال يسعد ربراب يعدّ “من الأباطرة القلائل الذين حافظوا على احتكارهم لميدان نشاطهم، بفضل تغلغل نفوذه في مختلف مفاصل الدولة، وليس هناك من يجرؤ على منافسته من رجال الأعمال، بينما هناك من انتهى به المطاف إلى الإفلاس بسبب عرقلة نشاطه ولو بإفراغ حمولات الزيت والسكر في البحر وليس في الميناء”.

ربراب استطاع توسيع استثماراته إلى عدة قطاعات صناعية وغذائية وتركيبية، متحولاً إلى موقع القوة الاقتصادية الأولى بعد شركة سوناطراك النفطية الحكومية، فهو المصدر الأول خارج قطاع المحروقات، والمصدر الثاني للجباية العادية بعد سوناطراك، ولم تسلم الحكومات الأخيرة من انتقاداته واتهاماته لها بعرقلة مشاريعه الاستثمارية، إلا أن سقوط ذراعه القوية في جهاز الاستخبارات جعله أول ضحايا التوازنات الأخيرة في هرم السلطة، ودفع الحكومة لإخراج غسيله للرأي العام، لتتحول المواجهة بين الطرفين إلى العلن وتكشف عن أسرارها تباعا.

ثورة الزيت والسكر في الجزائر 2011 راح ضحيتها 5 قتلى ونحو 800 جريح

وصل السجال بين رجل الأعمال والحكومة خلال الأسابيع الأخيرة إلى تبادل الاتهامات، أعقبتها إشاعات بإصدار مذكرة توقيف دولية في حقه، دفعت ربراب إلى تحويل رحلته من البرازيل إلى باريس بدل الجزائر، ورغم نفي أطراف رسمية في الحكومة لخبر المذكرة إلا أن الرجل صرح لوسائل الإعلام بأنه لن يدخل إلى الجزائر إلا بعد حصوله على ضمانات من الرئيس بوتفليقة شخصيا، أو قائد هيئة أركان الجيش الجنرال قايد صالح، وأنه أبلغ في السابق من مصادره بإصدار مذكرة التوقيف.

الحكومة تكسر الاحتكار بالاحتكار

وزير الصناعة والمناجم عبدالسلام بوشوارب، كان قد صرح بأن رجل الأعمال يسعد ربراب، حاول التحايل على البنك الجزائري لتحويل حوالي ستة ملايين أورو لفرنسا بدعوى اقتناء معدات لمصنع له بمحافظة سطيف (300 كلم شرقي العاصمة) بمبلغ لا يتعدى الثلاثة ملايين، كما أنه جهز مصنعاً له في فرنسا بتجهيزات عصرية، بينما أراد تحويل المعدات المستعملة لمصنع سطيف، وهو ما يتنافى مع قانون القرض والنقد.

لكن ربراب رد بنفي ما أورده الوزير واعتبر تصريحه “إهانة تستوجب الاعتذار الرسمي والعلني وإلا تابعه أمام القضاء”، وقال إن “مصنع براندنت في فرنسا في حالة جيدة وكل تجهيزاته عصرية، وسأدعو الوزير نفسه ووسائل الإعلام لزيارة مصنع سطيف ومعاينة تجهيزاته إن كانت قديمة أو حديثة، والقرض الذي طلبته هو لاقتناء معدات جديدة لتطوير وترقية منتوجات المصنع من آلات الغسيل المنزلي”.

يضيف ربراب إن “الحكومة تتعمد عرقلة استثمارتي كلها، وليس في سطيف فقط، فحتى مشروع ميناء دلس، ومشروع الصناعات الغذائية في الصحراء بقيا حبرا على ورق، بسبب الممارسات البيروقراطية وثقل المنظومة البنكية”، وشدد على براءته من التجاذبات السياسية في هرم السلطة، وأن ما يهمه هو المساهمة في خلق الثروة وفرص الشغل في البلاد.

وفي خطوة لكسر احتكار الرجل لسوق السكر والزيت التي تحوّلت إلى مصدر صداع سياسي واجتماعي للسلطة، أعلنت الحكومة عن إصدار ثلاث رخص لرجال أعمال آخرين لإنشاء مصانع لتكرير وتوضيب مادتي السكر والزيت، لكن المتابعين توجسوا من الخطوة، وأعربوا عن تخوفهم من نوايا تكسير احتكار معين من أجل خلق احتكار آخر، بما أن رجال الأعمال الثلاثة الذين حصلوا على الرخص الحكومية معروفون بقربهم من محيط الرئاسة، ومن رجل أعمال السلطة علي حداد.

ويبقى هاجس السلطة الوحيد هو إمكانية نقل صاحب مجمع “سيفيتال”، الصراع بينه وبين الحكومة إلى صراع جهوي بما أنه أصيل منطقة القبائل المعروفة بمعارضتها التاريخية للسلطة، وهو ما تجلى من خلال حملات التضامن في المنطقة مع الرجل، حيث نظمت عدة مسيرات شعبية في محافظتي بجاية وتيزي وزو للتنديد بالمضايقات التي يتعرض لها، وهو مالا تريده السلطة في الظرف الراهن، بالنظر إلى حاجتها الماسة للاستقرار الاجتماعي والسياسي.

ربراب استطاع توسيع استثماراته إلى عدة قطاعات صناعية وغذائية وتركيبية، متحولاً إلى موقع القوة الاقتصادية الأولى بعد شركة سوناطراك النفطية الحكومية

من أميركا اللاتينية إلى أفريقيا

يشكل التعداد البشري العامل في مصانع وورشات مجمع ربراب البالغ حوالي 12 ألف عامل، هاجسا آخر للسلطة، وأيّ سيناريو مماثل لسيناريو مجمّع الخليفة، سينفجر عنه غضب ويشكل عبئا على الجبهة الاجتماعية، ما يرجّح فرضية الترويض التدريجي، لإعادة رسم

خارطة التوازنات الاقتصادية والمالية في البلاد.

يحظى يسعد ربراب بدعم قطاعات عريضة من الطبقة السياسية، حيث انتقدت رئيسة حزب العمال اليساري المتطرف (التيار التروتسكي) لويزة حنون، الخطوات المتخذة من طرف الحكومة للتضييق على المجمع، وشنت هجومات قاسية ضد من تسميهم بـ”الطبقة الأوليغارشية” المحيطة بالرئيس، في إشارة إلى رئيس منتدى المؤسسات ورجل الأعمال علي حداد، الذي عبر عن تأييد هيئته لقرارات الحكومة.

أما رئيس المجلس الشعبي الوطني السابق (الغرفة الأولى في البرلمان) عبدالعزيز زياري فتمنى في تصريح صحفي، أن يكون في الجزائر “ألف أو حتى عشرة آلاف ربراب، للنهوض بالاقتصاد الجزائري والخروج من تبعية النفط “.

أما أستاذ علم الاجتماع الهواري عدي، فقد قال إنه “لو كان في الجزائر عشرة مجمعات مثل سيفيتال لكانت الجزائر قد التحقت بتركيا”، وأن مشاكل ربراب توحي بأن هناك قوى لديها تأثير على الحكومة، وتعارض الانتقال إلى مرحلة ما بعد النفط، في وقت تسعى فيه الجزائر إلى الخروج من التبعية للنفط الذي يمثل 98 بالمئة من مداخيلها، خصوصا بعد تهاوي أسعار النفط في الأسواق الدولية.

في حين اعتبر الموقع الإخباري “مغرب إيمرجنت” المتخصص في الشؤون الاقتصادية، قضية ربراب بعيدا عن حيزها القضائي، دليلا على هشاشة مناخ الأعمال في الجزائر، التي تحتل مرتبة متدنية في هذا المجال.

ومن بين ما رواه ربراب عن مسيرته قوله “كنت أطمح إلى تحسين وضعيتي المالية، ولم يكن ذلك بالأمر البديهي أول الأمر، بدأت بإجمالي مداخيل قدرت بـ120 دولاراً فقط، وكنت أدفع إيجارا شهريا بـ 1.3 دولار، ولكن كنت أعمل على تحسين دخلي، وأذكر أنني كنت في نهاية العام 1969 أحقق مبلغ 100 دولار في الشهر، بعدها ازداد طموحي وقررت في سنة 1974 خوض غمار عالم الصناعة”.

13