يشار كمال الكاتب الذي اكتمل بدروس الحياة الناقصة

الاثنين 2015/03/02
يشار كمال ولد في منعطف تاريخ تركي حاسم جدا

ربما أفضل بداية لمعرفة هذا الذي غادر، حياته الشخصية مرغما، يشار كمال، بتاريخ 28-2-2015، وله من العمر اثنان وتسعون عاما.

ولد يشار كمال في منعطف تاريخ تركي حاسم جدا جدا، وذلك بإعلان كمال أتاتورك نهاية مرحلة امتدت عمرها أربعة قرون ونيّف، بوصفها مرحلة الخلافة الإسلامية، والتحول الكلي إلى عهد جديد: الجمهورية التركية العلمانية والتي تقوم على دعامة لافتة ومرعبة: طوبى لمن يقول أنا تركي، وكأن ولادة يشار كمال تهيأت لتتلقى هذا المؤثر الصاعق والنافذ بعنفه في نسيجه الحيوي.

مضى يشار كمال دون نأمة لينظر في روحه، أعني هذا الذي ودّعنا بطيف وافر الرقة من روحه المثقَلة تلك، بأعباء دروس الحياة الناقصة ليعيش اكتماله برحيله غير المرغوب فيه بأكثر من معنى. نعم، هذا النوع من الرحيل الذي -ربما مجددا- هو أكثر مما لا يرغب المبدع ليس في التفكير به فحسب، وإنما -أيضا- في محوه من كامل ذاكرته، كما لو أن رحيله الأبدي في عرفنا البشري المعتاد منذ آلاف مؤلفة من السنين، كان بداية نهاية مرحلة، واستشرافا لعهد جديد، أو حياة من نوع مغاير، وتبرز الجمهورية ذات الإمضاءة الأتاتوركية فاقدة صلاحيتها جهة النظر في التضاد الصارخ بين “دين” أردوغان ذي العمامة المقدّرة، وعلمانية أتاتورك ذي القبعة، وهي مفارقة كبرى، لطالما ألمح إليها صاحب “الصفيحة” وهو يعرّي بنية العلمانية بعلامتها الفارقة الطورانية، وقبل رحيله، طلّق أردوغان علمانية فاصلة، واستعاد ما طلّقه أتاتورك: خلافته هذه التي قدّم فيها أوراق اعتماده ليكون في واجهة العالم الإسلامي، دون التخلي عن توقيع أتاتورك الرمزي.

رحل يشار وترك مهمة تمثيل الحياة في تعددية نسخها لمن يحترق بنار الكتابة أو شغفها، إذ الكتابة الفعلية لا تعدو أن تكون النار الوقادة لِمَاسة الروح وهي تمتص الوهج الخفي في الحياة. لكأن الأربعين، على الأقل، مما تناثر من روح يشار، في مقام أربعين حياة متعاضدة ومختلفة الإيقاعات في آن، وثمة في أدوارها الصيرورة المركّبة للمجتمع التركي، وما يميط اللثام عن السائد فيه، حيث يتمّ قمع المتعدد.

بدءا من “ميميد الناحل” أو “محمد الناحل”، رغم أن “ميميد” الاسم المصرّف تركيا له رنين معنى مغاير في التهجئة، ونكهة اعتبار -كما هو الرهان عليه في أصل الرواية بداية- لتكون عناوينه موازينه، إن جاز التوصيف، لتلك الأمكنة التي عاشها وأودع فيها أرواح كائناته الروائية بميسمها الملحمي والشعبي والأسطوري والواقعي الكمالي، ربما ليس الحاضر في المقابل بلزاك الفرنسي، إنما يملّح بلزاك وهو المتحري نبض كائناته في الريف حتى وهو يقيم في المدينة، لكأن مقاربة الريف حيث كانت ولادته كرديا وابن كرديين، لكنه في مجتمع فسيفسائي جرى تجريده من هذا الإكسير الجمعي التعددي أتاتوركيا: لا هو كردي، ولا عربي، لا يوناني، لا جركسي، لا أرمني، لا بلغاري، إلخ.. إنما هو تركي، ومن لا يرغب في هذا التنسيب فليخرج أو يصمت بلسانه المغاير أو بلغته الأم.

من “أسطورة جبل آكَري”، إلى جانب “جريمة سوق الحدادين”، فـ”اقتلوا الأفعى”، و”الصفيحة”، وتمازج الرومانسية بواقعية نازفة قيميا، و”الأرض حديد - السماء نحاس″ وهذه هي الأكثر بروزا بملحميتها واقتدارها على تمثيل الواقع المعتّم عليه ونبش المغيّب والمصمت عميقا، لائحة من الأعمال: الحيوات التي تنتمي إلى جملة دروس الكتابة، كتابة دروس الحياة الناقصة وهي تبث في جسده مع الزمن ما يهبه اكتماله لحظة رحيله الأبدي، وفيه تركيا الملتهبة، وفيه نشدان المجتمع الجامع بين التركي والكردي وغيرهما، وفيه الحوار العاصف بين المأهول بشقاوته، والرحالة إليه على صعيد المتخيّل قيميا.

تصوّروا، كيف يسعى هذا المعنّى بوطأة الكمالية، إلى طرح عذابات الكمالي “أي كمال أتاتورك” وهو ينظر إلى تركيا من خلاله، بجوار الآخرين ممن تمّ استشباحهم بصورة ما، مخففا من وطأة الصدمات التي عاشها التركي ممارس العنف ومن يكون أداته ومن يكون ضحيته في النهاية، وملء النظر شخصيات أخرى تتكلم بلسان التركي، لغته، اضطرارا، لعل في ذلك ما يخرجه من أحاديتها ويسمعه ما هو قريب منه، ليكون كائن حياة، وهو يقول بوضوح مدهش “على الذي يهتمّ بقراءة كتبي، أن لا يتحوّل إلى قاتل، بل عليه أن يصبح عدوا للحروب، عليه أن يناضل ضد اضطهاد الإنسان للإنسان.

فرانسوا ميتيران يكرم الكاتب الراحل

لا يحق لأحد أن يحتقر الآخر و لا أن يطبق على الآخر سياسة التطهير العرقي، يتوجب قطع دوابر الأنظمة والحكومات التي تفرض نظام التطهير العرقي على شعوبها، على الذين يهتمون بقراءة كتبي، أن يعلموا أن الأنظمة التي تعمل من أجل إزالة الثقافات الأخرى من الوجود، قد فقدوا ثقافتهم وإنسانيتهم. هذه القضايا تعني بلادنا أيضا، حيث تمّ فرض الحظر على اللغات الأخرى على مدى (80) عاما، لكن الحكومات المتعاقبة لم تعلم أنها بفعلها هذا تفقد ثقافتها أيضا”.

هذا نظير خطاب ينفتح على الاتجاهات كافة، بقدر ما يصل بلغة المتكلم طمأنة، أو إيحاء إلى أن ليس في مقدور الطريق الضيق والوعر ووحيد الاتجاه أن يمثّل الحياة، ودون أن يخفي مرارة ما يخفيه داخله ككردي “لأنني لا أفكر بالكردية، حتى وإن كانت لغتي الأم فأنا أمّيّ بهذا المعنى”.

يشار كمال منح الفسحة الأناضولية تلك الانطلاقة الوثابة في لفت الأنظار، وكيف يعيش إنسانها، كما أفصح عن ذلك سوسيولوجيا إسماعيل بيشكجي، وبقدر ما نتلمس ذلك في رواية نظيره التركي أورهان باموق “ثلج”، مثلما حاول أن يمدّ جسور الحوار بين الريف المنبوذ والمداس بأناسه، والمدينة التي تضعضعت هي الأخرى تحت وزر ذاكرات ماضية إنما قريبة العهد على ضفاف البوسفور، وبين ضفتي البوسفور: الآسيوية والأوروبية، وكأني بكمال نبّه تركيا بحقيقة اضطرابها الداخلي وهجنتها، واستحالة استمرارها وهي تترنح أناضوليا بمآسي بشر هم شعوب، كما هم كرده، وتباهيها الأوروبي وهي مختبر حداثة يرفض منحها جواز مرور إلى العالم المنشود، وثمة حسابات يجب أن تسوّى، ثمة متطلّب تطهير واستتابة تاريخية.

هذا ما يمكن التذكير به من خلال حديثه عن “الذئب الأغبر” بتجسيده الأتاتوركي، وقبل عقدين من الزمن، وهو في أوروبا وفي تصريح له ارتجت له تركيا “تركيا لم تعرف الديمقراطية منذ ثلاثة أرباع القرن”، وهي إشارة لا تخفى ناحية المشار إليه، أي وهو يستقبح وجه تركيا الأتاتوركية والفشل الذريع الذي آل إليه مصيرها، ولا يعرف ما إذا كان أردوغان يعيش هذه التجربة المرّة، ويروم تحررا من ثقلها الكبير.

في مختلف الأحوال، وبالنسبة للروائي الكبير يشار كمال والذي فارقنا حديثا جدا، يبقى على المأهولين بنار الكتابة الإبداعية أن يوسّعوا نطاق دروس الحياة، كما هو “جذمور” الشجر الدولوزي “الفرنسي”، ليتألقوا أكثر، ويقهقروا الظلام ما أمكن، وخصوصا راهنا، إن أردنا الحياة المتبقية لنا، والحياة الأكثر رحابة لأبنائنا وحفدتنا، ودون ذلك سنكون عبئا على أسمائنا، وعلى كل ما ينتمي إلينا هنا وهناك.

يبقى سؤال وثاب هنا، وهو: هل ما يحاول أردوغان ورفيقه الحزبي أوغلو بصدد السلام، والمزيد من الانفتاح على المجتمع في تنوعه الإثني، هو ما كان يشغل خاطر راحلنا يشار كمال؟ لا يمكن الجزم بذلك، سوى أن المردود الفني لا يستهان به زمنيا من جهة، والراحل، لا أظنه، أسمِع قبل رحيله الأبدي ما ينتظر تركيا التي أرادها أدبيا من جهة ثانية، إنما لا ينفي في الحالتين، أن رؤية الراحل تحتفظ بجرأتها الأثيرة.

15