يشار كمال راوي ثورات الشعوب في هضاب الأناضول

السبت 2015/03/07
يشار كمال المعلم الكردي الكبير ابن الحياة

بهذا العنوان "المُعلِّم الكبير" نَعَتْ جميع الصحف التركية على اختلاف أيديولوجياتها الأديب التركيّ الكرديّ الأصل، الذي وافته المنية بعد عصر يوم 28 من فبراير 2015، عن عمر يُناهز 92 عامًا، بعد توقف جهاز القلب الموضوع عليه منذ فترة في مستشفى “تشابا إسطنبول” الجامعي، الذي دخل إليه بعد حالة فقدان الوعي وعدم القدرة على التنفُّس.

كلمة أُسْطَة ـ أُسْطَى في التركية، لا تُقال إلا للحاذق والمُتْقِن لعمله، في إشارة للمكانة التي كان يَحظى بها في داخل تركيا وخارجها فقد تُرجِمَت رواياته إلى أكثر من أربعين لغةً، فضلاً عن أنّه كان أوّل تركي يُرشَّح لجائزة نوبل للآداب عن روايته «مُحمّد النحيل» (4 أجزاء) منذ عام 1973، والتي حظيت بشهرة عريضة لدى القارئ العربي.


الكردي العالي


ولد كمال صادق كوكجلي (اسمه الأصلي قبل أن يعتمد الاسم الأدبي يشار كمال إبّان التحاقة بجريدة الجمهورية) لعائلة كردية، لأب مزارع صادق أفندي وأم السيدة نيجار، في السادس من أكتوبر عام 1923، في قرية أرنيس، التابعة لمركز مرادية القريبة من بحيرة وان على حدود إيران، ثمّ انتقلت الأسرة بسبب الاحتلال الروسي في الحرب العالمية الثانية إلى قرية هاميتا التركمانية التابعة لأضنة، وهو في الخامسة من عمره شهد مقتل والده في الجامع على يد أخيه بالتبني يوسف بعد أن أنقذه بعد فراره من السجن، وهذه الحادثة تركت أثرًا عليه إذ أصيب بالتّأْتَأَة، لكن العجيب أنه كان أثناء الغناء والقراءة الجهرية للشعر والقصص لا تظهر فيه حتى شُفي منها تمامًا. في الحادية عشرة من عمره، تَركَ الدِّرَاسَة في المرحلة الثانوية فامتهن أعمالًا كثيرةً مثل عامل بناء، وناطور في مزارع الأرز في منطقة جكوراوفا، ثم موظفا في مكتبة، ورئيسا في وقاية النباتات فوكيل مُعلِّم في قرية “حديقة قاديرلي” ما بين عامي 1941 و1942.

وعمل أيضًا في حقول القطن وكفلاح أجير في مزارع سمكية وكسائق للجرّار في بعض الأحيان. هاجر مطلع الخمسينات إلى إسطنبول. وعمل في صحافتها، إلى أن تفرّغ للكتابة في السبعينات. وقد كان أحد مؤسسي جريدة “أنط / قَسَمْ” السياسيّة الأسبوعية عام 1967. سَاهمَ في تأسيس نقابة الكُتّاب في تركيا عام 1973، وشغل منصب الرئيس فيها بين عامي 1974-1975 كما شغل منصب أوّل رئيس لرابطة كُتّاب PEN المؤسّسة في تركيا عام 1988.


الجوال العاشق


كان لزيارة الشاعر الشعبي الكردي الكبير عبدلي زنكي، الذي تحوّل في وجدان يشار إلى قديس كبير يُحرّضه على الشعر والغناء، الأثر الكبير في تشكيل ذائقته الشّعرية، وقد حقّق نجاحًا ملموسًا فيه، فبات اسمه في القرية يقترن بالشعر: “عاشق كمال” أو “كمال الشاعر”. بدأ حياته الأدبية بعد الانتهاء من المرحلة الابتدائية، بجمع شعر الشعراء الشعبيين، وبينما كان في آخر صفٍّ من دراسته الابتدائية تعرّف بصديقه “مجيد المحبوب” وكان يعزف على آلة البزق (Saz) الموسيقية ببراعة بينما كان يشار كمال لا يجيد العزف مُبرِّرًا ذلك بقوله "لديّ أسبابي لعدم استطاعتي العزف جيدًا على آلتي الموسيقية، فأنا سوف أصبح عاشقًا لأمي وسأتجوّل أيضا بين الديار،… فقد كنتُ طفلها الوحيد حيث أنَّ عينيها لم تفارقاني يومًا" كما قال لآلته "قد أصبحت عدوةً لعشقي". وبعد أن ترك المدرسة الثانوية بدأ في تجميع المأثورات الشعبية في كتاب حَمَلَ عنوان “مرثيات”، وقد نُشِرَ في جميعِ أنحاءِ أضنة في عام 1943.

أقام علاقة مع كتّاب وفنانين يساريين مثل برتف ناتلي بوراتاف وعابدين دينو وعارف دينو الرسام المشهور، والأخيران تعرّف عليهما في أضنه، ولا يقل دور عارف عن دور عبدلي زنكي فقد قاده عارف إلى الأدب، فأهداه رواية “دون كيخوته” وهو الكتاب الذي يعتبره يشار صاحب التأثير الأكبر والأبكر على جميع قراءاته اللاحقة، كما عرّفه على شعر رامبو. أما عابدين دينو فقد كان دليله إلى الأفكار الاشتراكيّة، وقدَّم له البيان الشيوعي في نسخةٍ مخصّصة للتداول السّري، فأصبح عضوًا في الهيئة العُليا لحزب العمّال التركي منذ تأسيسه وقد ترقّى داخل لجان الحزب إلى عضو المكتب التنفيذي التابع للجنة المركزية للحزب، ومسؤولاً عن الإعلام.

النواة الأولى لاعتناق أفكار اليسار كانت حاضرة منذ أن تفتّح وعيه على الهَمّ الكردي، وعلى العصيان في آن معًا، فقد عاش مع عمّ أبيه الذي شارك في ثورة الشيخ سعيد الذي قاد الثورة الكردية ضدّ الحكومة التركيّة عام 1925، كما كان عمّ أمّه قاطع الطريق الأشهر في الأناضول الشرقية وإيران والقوقاز على حدٍّ سواء، وكان ينتمي إلى فئة قطاع الطرق “الشرفاء” أو ما يقابل “الصعاليك” عند العرب في العصر الجاهلي، وثمّة حكاية يردّدها يشار عن عمّ أمّه الذي اعتقلته الشرطة مع نَفر من أنصاره في سجن “وان”، واستطاع الهروب من السجن بعد أن حفر نفقًا تحت جدرانه، لكن أحد الحرّاس تنبّه له وأطلق عليه النار، لكنّ العمّ تمكّن، رغم جرحه، من تجريد الحارس من سلاحه وقاوم الشرطة حتى قُتِلَ، وتقول الحكاية إن الشّرطة شقّت صدره فعثرت على أربعة قلوب بدل القلب الواحد!، وهي الحادثة التي استلهم منها، أولى رواياته “مُحمّد النّحيل”.

يشار كمال يشهد في سن الخامسة من عمره مقتل والده في الجامع على يد أخيه بالتبني يوسف بعد فراره من السجن، لتترك هذه الحادثة أثرا كبيرا عليه إذ أصيب بالتأتأة، لكنه كان أثناء الغناء والقراءة الجهرية للشعر والقصص ينطلق لسانه حرا بلا عيوب


حقول الموت


تعرّض بسبب مواقفه السّياسيّة المناهضة للملاحقات الأمنيّة وتمَّ اعتقاله عام 1971 إثر الانقلاب العسكريّ، لكنه ضَاقَ ذرعًا بهذه الملاحقات فاعتزل العمل السياسي المنظّم وتفرّغَ للكتابة دون أن يتخلّى عن نقده فقد اعتبر الكتابة بحدّ ذاتها "عملاً سياسيًّا- بالمعنى الواسع للكلمة- ومؤثرًا فاعلًا".

ومن شدّة ما تعرّض له الأكراد مِن اضطهاد نشر في عام 1995 مقالًا سياسيًا بعنوان "حقول الموت" في مجلة دير شبيغل (المرآة) أوسع المجلات انتشارًا في ألمانيا، مُنحازًا فيه إلى القضية الكردية، مُندِّدًا بسياسة التنكيل والاضطهاد والمصادرة ومحو الثقافة وطمس اللُّغة التي تعرّضوا لها منذ سبعين سنة، عارضًا لجذور المأساة منذ البداية وضحاياها. وانتهى فيه إلى القول "بأنه لا أمل لتركيا بمستقبل ديمقراطي ما لم تُحَلّ المسألة الكردية بطريقةٍ سِلْمِيَّةٍ، وعارٌ على البشرية جمعاء أنْ تتلفظَ بحرف الدال -لا بكلمة ديمقراطية- طالما أن بلدًا يحجب عن 15 مليونًا من سُكّانه حقوقهم الأساسية". وهو ما كان له نتائجه السيئة من قبل السلطات التركية التي اتهمته بالنزعة الانفصالية والمسّ بالأمن القومي التركيّ.

نَشَرَ يشار كمال أكثر من 36 عملًا، ما بين مجموعات قصصيّة وروايات ومسرحيات ومجموعات شعرية وتحقيقات صحفيّة. أوّل كتاباته القصصية نُشرت وهو في الخدمة العسكرية بمدينة قيصري بعنوان الطفل، وصاحب المتجر، ومِمت مِمت في عام 1950، ثمّ عمل كاتبًا للنكات والتحقيقات في جريدة جمهورية بين عامي 1951-1963. في هذه الأثناء نشر مجموعته الأولى “الحَرُّ الأصفر” عام 1952، ثم تعدّدت أعماله التي استطاع من خلالها الانتقال بالأدب التركي من رواية المدينة الحافلة بشخصية الأرستقراطي والسّيد إلى واقع الريف/القرية حيث العلاقة الصِّراعية بين الفلاح والأغا، فلُقِّبَ برائد الأدب الريفيّ التركيّ، كما تبدو لديه شخصية الفلاح والأغا بعيدة عن حدود الوعي الطبقي، أو حتى الموقع الاجتماعي بقدر ما هي "جزءٌ صانع لأسلوب عيش يوميّ طاحن، وجزءٌ تكويني في دائرة طبيعية بيئيّة قاسيّة وحانيّة في آنٍ معًا" كما يقول محمد علي الصويركي.

استلهمَ مادّة معظم أعماله من البيئة التي نشأ فيها بمنطقة سهول جكوراوفا جنوب الأناضول، وفيها يُجسّد "هموم وشجون وآمال وآلام الناس، ومن التوق اللامحدود للحريّة، ليصبح برواياته واحدًا مِن الرموز الثقافية العالمية الخضراء الواقفة في الخط الأمامي لمنع قمع الإنسان لأخيه الإنسان"، كما يصوُّر حياة القرويين في صراعهم مع السُّلطة المتمثلة في طبقة الإقطاع هذا من جانب، ومن جانب آخر مُعاناة العمّال الزراعيين بعد التطوّر الذي أحدثته الآلة باستخدام الجرّار في الزراعة والتأثير السّلبي الذي لَحِقَ بمجتمع الفلاحين والعمّال الزراعيين، وهو ما عبّر عنه في روايته القصيرة "شجرة الرمان".

وتعدُّ شخصية “مُحمّد النحيل”، واحدةً من أشهر شخصياته مقاومة وتحديًّا لسلطة الأغاوات، وبها عبّر عن آمال الشخصيّة الكرديّة في سبيل حصولها على الحريّة، ومقاومتها لغُبن الاستبداد الأرستقراطيّ.

ليشار كمال أكثر من 36 عملا، ما بين مجموعات قصصية وروايات ومسرحيات ومجموعات شعرية وتحقيقات صحفيّة، وقد رشح عن روايته الكبيرة "محمد النحيل" لنيل جائزة نوبل

تعدّدت أعماله التي لا تخلو عوالمها مِن تضمينٍ واستلهامٍ للحواديت والحكايات والأساطير والفلكولور الشّعبيّ، التي تَعِجُّ بها بيئته، ما بين روايات ومسرح وشعر مثل الأسطورة 1971، وأسطورة جبل أرارات 1967، ويهبطُ الربيع في هذه الأيام 2010، وقصص للأطفال مثل "النملة العرجاء ذو اللحيّة الحمراء مع الفيل السُّلطان" 1977، وهي قصة تصوّر الصّراع بين القويّ والضعيف، بالإضافة إلى تحقيقات صحفيّة مثل: 50 يومًا في الغابات المحترقة 1955، الأطفال هم الناس 2013، أين أنتَ يا صديقي 2014، كما أن بعض أعماله تحوّلت إلى أعمال سينمائية مثل روايات "عدو الشّرف"، لضياء متين، و"المنديل الأبيض" لعاطف يلماز، و"لو قتلوا الأفعى" التي مثلتها الفنانة السينمائية الشهيرة توركان شوراي.

وقد نَالَ على هذه الأعمال الكثير من الجوائز المحليّة كجائزة إسكندر (التركيّة)، لأفضل مسرحية عام 1965-1966 على مسرحية “الصفيحة”، وأخرى عالميّة مثل الجائزة الأولى في مهرجان المسرح العالمي عام 1966 على مسرحيته “الأرض حديد، السماء نحاس”، وجائزة (مدرالي) لأفضل رواية عام 1973 على روايته “جريمة سوق الحدادين”. وجائزة أفضل كتاب أجنبيّ في فرنسا عام1978 على روايته “الجانب الآخر من الجبل”، وفي عام 2008 حَصَلَ على جائزة الفن الكبرى الرئاسية. كما منح عام 1998 الدكتوراه الفخرية من جامعة برلين الحرّة، وحصل على وسام جوقة الشرف من الجمهورية الفرنسية رتبة الضابط الكبير. وفي عام 1997 تقاسم جائزة رابطة الكتاب النرويجية مع وول سوينكا النيجيري الأفريقي.


كتابات ضد الحرب


في الاحتفال الذي أقامته جامعة “بوغاز إيجي” في إسطنبول، وضمّ صفوة الأدباء الأتراك من بينهم إليف شفق وعدنان بن يازار، آلتاي كاباجالي، جوندوز وساف، طوفان تورنج، جولريز سروري، ياووز بايدار ودريا سازاك، لتكريمه ومنحه الدكتوراه الفخرية، قال يشار كمال "عَلَى الذي يَهتمُ بقراءة كتبي، أن لا يتحوّل إلى قاتل، بل عليه أن يصبح عدواً للحروب، عليه أنْ يناضلَ ضدّ اضطهاد الإنسان للإنسان.

لا يحق لأحدٍ أنْ يحتقرَ الآخر ولا أنْ يطبِّقَ على الآخر سياسة التطهير العرقي، كما يتوجّب قطع دوابر الأنظمة والحكومات التي تفرض نظام التطهير العرقي على شعوبها، عَلَى الذين يهتمون بقراءة كتبي، أنْ يعلموا أن الأنظمة التي تعمل من أجل إزالة الثقافات الأخرى من الوجود، قد فقدوا ثقافتهم وإنسانيتهم" وفي ذات المحاضرة يقول في شيء أشبه بالدعوة للاتحاد "لا أريدُ لقومٍ أنْ يصهرَوا أقوامًا أخرى، وليتحد قرائي مع الفقراء، لأن الفقرَ عارٌ على البشرية".

أما عن الكتابة فيقول "أنا لا أكتبُ عن قضايا، لا أكتبُ للجمهور، ولا أكتب حتى من أجل نفسي. أنا أكتبُ فقط"، وعن منهجه في الكتابة يقول في سياق آخر إنه لا يلجأ الى العمل الوثائقي وأنه لا يدوِّن الملاحظات وإنما على حدّ قوله "قبل أنْ أبدأ في الكتابة أقوم بإعادة قراءة بعض الكتب، فأقرأُ ناظم حكمت وأعيد قراءة ‘الأحمر والأسود’ لستندال كما يعترف ـ أحيانا ـ أعيدُ كتابة نفس المقطع عشر مرات، حين أشعر بأني مكبّل ببعض القيود التي لا حول لي فيها ولا قوة".

ويصفُ نفسه بأنّه كاتبٌ مِن أصل كرديّ يكتب بالتركيّة، "لأنني لا أفكِّرُ بالكردية، حتى وإنْ كانت لغتي الأم فأنا أميّ بهذا المعنى".

14