يشعر بالأرق

السبت 2016/04/30

اعتاد ماثيو (10 سنوات) وستيسي (7 سنوات)، ابنا جارتي الإنكليزية أن يقضيا نهار يوم الأحد من عطلة نهاية الأسبوع في بركة السباحة في النادي الرياضي الصحي الذي لا يبعد كثيرا عن محل سكنهما، لكني لمحتهما هذا الأسبوع مصادفة حين عودتهما من النادي والدموع الغزيرة تملأ أعينهما الجميلة، حتى أني تخيلت أنهما رشفا من مياه بركة السباحة عن غير قصد كميات كبيرة وها هي تنزل على وجهيهما نهرا جاريا من الدموع، إلا أن جارتي كانت تنظر إلي وتهز رأسها أسفا، وهي تقول “لقد أفسد أحدهم عطلة نهاية الأسبوع على الصغار” على حد تعبيرها.

تحتل بركة السباحة المستطيلة مسافة لا بأس بها من النادي الرياضي، لتستوعب أكثر من 30 شخصا ومعهم بعض الأطفال، إلا أن الطفلين الطيبين عندما حاولا النزول إلى البركة وطمعا في الوصول إلى منتصف المسافة، قابلتهما نظرات غضب لرجل مسن بملامح صينية موغلة في القدم وكأنه لوح أثري سقط سهوا من ثقب في كتاب تاريخ.

كان الرجل العجوز يحتل وسط بركة السباحة قاطعا الطريق على الجميع، وكلما حاول الصغار الاقتراب من حدوده رمقهم بنظرة تنينية حادة، فإذا تكررت المحاولة عاجلهم بكلمات تخرج كحمم البركان من فمه وهو يقول “بي كيرفل كيدز”.. احذروا يا صغار!

حاولت الأم تقديم شكوى إلى إدارة النادي من دون جدوى، إذ أن طبيعة الانتساب إلى النادي تتبع نظاما ديمقراطيا بحتا كما أن الحريات لا حدود لها للمنتسبين، خاصة كبار السن من ذوي (الخبرة). وهكذا، قضى هؤلاء الصغار ساعات عصيبة بسبب عنجهية ديناصور، لكن المشكلة الحقيقية أن (الديناصور) هذا لا يجيد السباحة وكان يقطع معظم الوقت بتحريك ذراعيه يمينا وشمالا ويرسم دوائر وهمية على صفحة الماء وهو مستقر في مكانه لا يبارحه!

رفض الديناصور أن يستغل بركة السباحة من هو أحق وأعلم منه بالعوم، وامتنع أيضا عن استخدامها بطريقة صحيحة.. فضيّع الفرصة على الجميع.

دأب بعض رؤساء الجمهوريات في العالم العربي، منذ عقود طويلة، على تقمص أدوار ديناصورات العصر الجوراسي والطباشيري والحجري وغيرها، فجميع العصور عصورهم، فإذا تجرأت وأطلقت سؤالا بريئا في وجه أحدهم عن الشروط العمرية الواجب توافرها في الكائن (السياسي)، ليستحق لقب ومنصب رئيس أبدي، بادرك أحد المدافعين بالقول “هذه خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها”.

يقضي هؤلاء معظم فترات رئاستهم في الجلوس على كرسي وثير والتطلع إلى الشعوب المنكوبة، بزاوية نظر جانبية ومشاعر محايدة وذاكرة من فلين، حيث أن ما يقع بعيدا خارج حدود (الكرسي) لا يعكر في العادة صفو هذه الجلسة السلطانية الفاخرة. كما أنه ليس من شروط الرئاسة إتقان السباحة أو الخوض في وحل مشاكل الشعوب؛ الرئيس الديناصور يكفيه التخندق في المركز والاكتفاء برسم دوائر وهمية على سطح الماء.

تفاقم الأمر حقا في السنوات الأخيرة، وكان قد تجاوز حدود القلق الأممي – الدولي حدوده، لذلك قد لا نستغرب إذا سمعنا في نشرات الأخبار أن بان كي مون.. بات يشعر بالأرق.

20