يعقوب الشاروني.. كاتب يأسر الأطفال بالانغماس في حياتهم العصرية

يعقوب الشاروني يتميز عن غيره من الكتاب بخروجه عن المألوف ومطاردة الجديد، فكتاباته عن الخيال العلمي لا تعتمد على الخرافة وعدم منطقية الأشياء، لكنها تحمل استشرافا للمستقبل.
الثلاثاء 2019/12/10
أوظف التكنولوجيا في ما أكتبه اليوم

يواصل الأديب المصري يعقوب الشاروني إنتاج أعمال موجهة للأطفال تحصد الجوائز العالمية، بالاعتماد على وصفة خاصة تتعلق بالانغماس في عالم الصغار وتوظيف الأدوات الحديثة لجذب انتباههم، محاولا تذويب الفجوة بينه وبين هؤلاء، حيث تجاوز الرجل التسعين عاما ولا يزال ينظر إلى المستقبل من خلال الصغار. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الكاتب.

 القاهرة – يحمل الأديب المصري التسعيني يعقوب الشاروني علاقة خاصة مع أدب الطفل استمرت لقرابة سبعين عاما من الكتابة، لم يتوقف فيها عن مواكبة روح العصور وقياس التغيرات الفكرية والنفسية لجمهوره من الصغار، حتى لا يصبح منعزلا عن تغيرات عالمهم.

لم ينقطع الشاروني، المولود في فبراير 1931، عن تجديد أدواته لتواكب التغيرات التكنولوجية المتلاحقة، مداعبا الخيال بتوقعات مستقبلية شيقة تستند إلى تطورات العلم، ورسم عوالم افتراضية حول تطور الروبوت وسفن الفضاء التي تخرج عن السيطرة، وشكل العالم خلال 80 عاما قادمة وإدارته عبر ما أسماه بـ”الهيئة العامة لكوكب الأرض”.

يؤكد إنتاجه الغزير، ويناهز 400 عمل، قدرة الأدب الجيد على جذب الجمهور، بشرط عدم انكفاء الكاتب على ذاته والبحث عن الجديد والانفتاح على التجارب العالمية في مجاله، في عصر القرية الكونية الواحدة.

القارئ العصري

يعقوب الشاروني: ما مكنني من البقاء أنني أعيش في مشكلات مستقبلية
يعقوب الشاروني: ما مكنني من البقاء أنني أعيش في مشكلات مستقبلية

يؤكد الكاتب المخضرم أنه يقدم كتاباته بشكل مختلف تناسب قارئ العصر المتعجل بحجم خط أكبر ومضمون مختصر يتم تعزيزه بصور ملونة وجذابة تتماشى مع التطورات المتسارعة، ووسائل الحكي الإلكتروني الشيقة التي لديها قدرة مرئية ومسموعة تستطيع بها جذب الطفل.

يتميز الشاروني عن غيره من الكتاب بخروجه عن المألوف ومطاردة الجديد، فكتاباته عن الخيال العلمي لا تعتمد على الخرافة وعدم منطقية الأشياء، لكنها تحمل استشرافا للمستقبل ومداعبة روح التحفيز والمغامرة على أبطاله من الأطفال.

قدم في روايته “سفن الأشياء الممنوعة” مغامرة لأبناء سرقوا سفينة فضاء من والدهم وذهبوا في رحلة استكشافية بين الكواكب في أحداث فانتازية تناسب العلاقة الوثيقة بين الجيل الجديد والتكنولوجيا، وفي “الأبناء لهم أجنحة” يقدم تصورات عن عصر التكنولوجيا الرقمية وتأثيراتها في تغيير واقع الصغار ومنحهم فضاء مفتوحا.

استشراف مستقبلي لأزمة المياه
استشراف مستقبلي لأزمة المياه 

ويوضح لـ”العرب” أن أغلب أفراد الأسرة، وبينهم الأطفال، يمتلكون حاليا هواتف حديثة ويستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، ما يتطلب خلق علاقة ارتباط بين الطفل والكتاب في سن مبكرة عبر تغيير الشكل التقليدي للصفحات والغلاف لتخاطب أكثر من حاسة بالاستفادة من التقنيات الحديثة.

وأضاف أن تطوير خواص الكتاب يمكنها خلق ارتباط عاطفي مع الأطفال، وتحويله لما يشبه اللعبة كسيارة لها عجلات أو مخاطبة عدة حواس في الوقت ذاته بوضع صور صغيرة بجانب الكلمات للتفاعل مع الأحداث، أو الاعتماد على نوافذ الإجابات في الكتب التي تعتمد على سؤال في صفحة وإجابة في أخرى محجوبة بورقة متحركة أفقيا.

كان الكاتب أول من اعتمد على تقنية الكتب الموسيقية عربيا بعدما نقل فكرتها من معرض بولونيا في إيطاليا، واعتمد عليها في قصصه عن المغامرات ليتضمن جانب الكتاب مفاتيح صغيرة يمكن بالضغط عليها إعطاء رموز صوتية مرتبطة بأبطال القصة.

يطغى التجديد على تصورات الشاروني ففي “معجزة في الصحراء” يقدم استشرافا مستقبليا لأزمة المياه وضرورة مواجهتها بالتفكير العلمي، وتدور أحداثها في واحة “الجارة” قرب الحدود المصرية الليبية، التي يواجه سكانها انسداد بئر المياه الجوفية، وكيفية إدارتهم المياه المخزنة منزليا التي لا تكفي إلا ثلاثة أيام حتى حل المشكلة بمساعدة الصغار.

وتصنف “معجزة في الصحراء” ضمن أهم الأعمال العربية بمجال أدب الأطفال، وأعيدت طباعتها 17 مرة وفازت بعدة جوائز من بينها جائزة الشيخ زايد لأدب الأطفال على مستوى العالم العربي عام 2014، ولا تزال تشهد رواجا بين الفتيان في المعارض الحديثة.

أنماط كتابة متنوعة للطفل
أنماط كتابة متنوعة للطفل

تأثرت كتابات الشاروني بالقضايا التي تشغل المجتمع، مثل أهمية دور المرأة في التنمية، وتفاقم مشكلة العشوائيات حول المدن الكبرى، كما كتب عن الانتصارات في الحروب، وقضايا متحدي الإعاقة وأطفال الشوارع، وكل ما هو مرتبط بالحياة الإنسانية.

وأوضحت أعماله تأثره بالأدب الغربي ومتابعته الجديد باستمرار، فمنذ نعومة أظافره كان زائرا يوميا لسوق الأزبكية بوسط القاهرة واطلع مبكرا على أعمال شكسبير، وروائع الروايات العالمية مثل “الحرب والسلام” وأحدب نوتردام، والحوت الأبيض، كما نهل من التراث الشعبي المحلي بحكايات الأجداد في زيارته لبلدته بمحافظة المنيا.

ويلفت الشاروني في حواره مع “العرب” إلى أهمية الترجمة كوسيلة للتواصل بين الشعوب ودورها في تبادل الثقافات والحضارات المختلفة وكسر الحواجز بين الدول، منتقدا في الوقت ذاته عدم وجود منظومة متكاملة لترجمة الكتب العربية باللغات الأجنبية الأخرى ليكون دورها المحوري كجسر للتواصل الثقافي.

وساهم التنوع الفكري في قدرته على كتابة أنماط تناسب الطفل على مستوى العالم، وحصوله على جوائز وأوسمة دولية، بينها تكريم وزارة التعليم الإيطالية عن رواية “كنز جزيرة عروس البحر”، وتكريم معهد غوته الألماني عن “الرحلة العجيبة”، وجائزة أفضل كاتب للأطفال عام 2016، ووضع المجلس العالمي لكتب الأطفال بسويسرا اسمه بقائمة الشرف العالمية.

ويضيف أن الشغف وراء إقباله على كتابات الأطفال وتركه منصب محامي الحكومة أمام محكمة القضاء العليا بعد تكريمه من قبل الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وسط نصف مليون مواطن خلال الاحتفال القومي بمدينة المنصورة بعد حصول الشاروني على المركز الأول لمسابقة الدولة عن مسرحية “أبطال بلادنا”.

قضايا مستقبلية

الشاروني أول من اعتمد على تقنية الكتب الموسيقية عربيا بعدما نقل فكرتها من معرض بولونيا في إيطاليا
الشاروني أول من اعتمد على تقنية الكتب الموسيقية عربيا بعدما نقل فكرتها من معرض بولونيا في إيطاليا

ويؤكد يعقوب الشاروني أنه لا يزال يعرض كتاباته على الأصدقاء والمقربين مهما كان عمرهم ويطلب منهم قراءتها قبل الطباعة والحوار معه حول أي فكرة غير واضحة، كما يتبادل مع الرسامين وجهات النظر باعتبارهم شركاء في العمل، ورسم الصورة المناسبة للأحداث التي تتوافق مع العصر وتلتصق بالمضمون.

ويشدد على أن أدب الطفل يواجه العديد من التحديات التي تعوق انطلاقه، أهمها معدلات الأمية المرتفعة عربيا، وإغفال الأسر لقيمة القراءة وأهميتها لأبنائها، وعدم وجود دور نشر كثيرة متخصصة في أدب الطفل، والارتفاع المستمر في أسعار الكتب، لكن بعضها يمكن مجابهته بنشر تجربة المكاتب الجديدة الواسعة المنظمة التي تعطي للطفل إحساسا بالانطلاق والحرية.

يحاول الكاتب العيش دائما في مشكلات مستقبلية أكثر من الآنية ما أعطاه منبعا للبقاء، ففي رواية “كنز جزيرة عروس البحر”، والتي تمت ترجمتها إلى الإيطالية، انتقد نمط التربية التسلطية وكشف تأثيراتها على قدرات الأبناء الإبداعية، ليكون أول من طرقها عربيا.

مساوئ التربية التسلطية
مساوئ التربية التسلطية

ويلفت إلى أن فكرة رواية “سفن الأشياء المَمنوعَة” جاءته من موقف قديم في الماضي، حينما أخذ نجله سيارته للتنزه بها دون إذنه ورفض تناول المشكلة بصورة آنية حتى لا تفقد أهميتها بمرور الزمن، وحوّلها إلى المستقبل لتصبح العربة سفينة الفضاء، ويتحول التجول في شوارع القاهرة حركات دائرية بين المجرات.

يؤمن الشاروني أن أدب الأطفال وسيلة للتحفيز على الفكر وأداة لتغيير الواقع عبر تقديم أعمال ثنائية الاتجاه تجمع بين عالمي الخيال والمادة، وتجعل الإبداع السبب الرئيسي للتقدم والنجاح، وتؤطر لاعتبار البشر الكنز الحقيقي وليس الأموال.

ولا تتوقف كتاباته عند جذب الأطفال فقط، بل استقطبت أسرهم أيضا بمعايشته للقضايا التي تهم الأطفال والاعتماد على تقنية المشاهد الحوارية الممزوجة بالسرد لمنع الرتابة، وانتهج اُسلوب السرد البفوني أو متعدد الأصوات.

ربما كانت تلك الخاصية الفريدة الوازع الذي دفع وزارة الثقافة المصرية للاستعانة به في مشروع “القراءة للجميع” لتولي كافة مهام التدريب والتنفيذ في حملة قومية خلال عقد التسعينات، كان هدفها تشجيع الأطفال والشباب على القراءة تحت شعار “مكتبة في كل مكان”، وتعزيز ثقافة الحاسب الآلي وتعليم اللغات الأجنبية.

ويشدد الكاتب المخضرم على أن عقول الأطفال ترحب بالعلم والتعلم، ويمكن استغلال تلك الرغبة بغرس قيم التسامح وقبول الآخر داخلهم، عبر الأدب والمناهج التدريسية، حتى لا يعاني المجتمع مستقبلا من ظواهر سلبية وسلوكيات غريبة.

ويقول إن العالم المعقد والمغرور يمكن أن تحل مشكلاته الكبيرة حال الإصغاء لأفكار الصغار واحترام عقليتهم وتكريس الحياة لإسعادهم والإيمان بالمستقبل وقدرة صانعيه على التغيير وإنشاء علاقة الحب بين الأطفال والكتاب يمكن تكريسها مبكرا عبر اهتمام الأسرة بالقراءة.

15