يعقوب وأطياف سالفاكير

أما كان الأسهل أن يعيش أهل جنوب السودان والثقافات الأخرى على امتداد العالم العربي كجماعة يعقوب وغيره، بحرية مع بقية المكونات، دون أن يرغمهم أحد على الثورة أو الفوضى أو الهجرة؟
الجمعة 2018/04/27
تراث شعبي لم يعد يعني الجيل الجديد

هاجر مدرس الرياضيات السرياني الأستاذ يعقوب إلى السويد في التسعينات. وهناك شكّل فرقة غنائية أعضاؤها من مكونات عديدة من الشرق من العراق وسوريا ولبنان وغيرها. تغني في الأعراس والمناسبات، فأبهرت الناس بالتراث الشعبي العتيق، ولكن ومع الوقت، لم يعد لدى فرقة يعقوب ما تغنيه، فقد نشأت أجيال لم يعد يعنيها لا خبز التنور ولا الهباري الحريرية ولا “يردلي” ولا غيرها.

وكنت قد رويت قبل أعوام قصة صديق لي وليعقوب، أعيد سردها اليوم لمناسبتها. كان صاحبنا يعمل مدرسا للأطفال، قرر تحقيق حلمه بالغناء أخيرا، وذلك بتسجيل “شريط” وبيعه.

وبسبب الفقر، توافق المغني مع زملائه الموهوبين من معلّمي المدرسة؛ عازف العود مدرّس اللغة العربية، والأستاذ يعقوب ضارب الإيقاع، وعازف الكمان الكردي مدرس التربية البدنية، على تسجيل الأغنية ليلا في إحدى المدارس، ليضمنوا هدوءا شبيها بعزل الصوت في الاستوديو.

 وحين بدأ التسجيل، لاحظ المطرب أن صوت الطبلة مرتفع جدا ويطغى على صوته، فطلب بأدب من الأستاذ يعقوب تخفيف ضرباته. فأومأ إليه يعقوب بأنه سيفعل، ولكن عبثا، كان يعقوب يطبّل بهدوء مع بدء الأغنية، ثم يعود إلى الخبط على الطبلة. غضب المطرب والعازفون، فقرروا إخراج يعقوب إلى فناء المدرسة. أجلسوه على كرسيّه يطبّل وحيدا من هناك، ليكون الصوت أخفض قليلا، بينما تغني الفرقة والمطرب في أحد الصفوف.

وما هي إلا دقائق، حتى سمعت الفرقة صوت طلقات نارية تشبه طلقات أفلام الكاوبوي، فهرعوا إلى الخارج ليجدوا الأستاذ يعقوب يركض هاربا هنا وهناك من طلقات بندقية أحد شيوخ البدو الذي كان يطلق عليه النار والشتائم من نافذة بيته العالية، لأنه أزعج منامه في منتصف الليل. ظنّ أنه مجنون تسلل إلى المدرسة ليطبّل وحيدا.

أما اليوم، وبعد سنين طويلة، فقد أصاب يعقوب الاكتئاب الحاد. لقد خرج من التاريخ حقا. إن الذي أرسل هذا المسكين إلى العالم الحديث، كان يفكر في خرائط جديدة للمستقبل، تحمل الكثير من الأفكار عن التنمية والسكان والديمقراطية، تطوي صفحة العيش المشترك “القسري”، بمشاريع تشبه ما حصل مع دولة جنوب السودان التي، وبعد أن حارب قادتها وعلى رأسهم سالفاكير طويلا كي ينفصلوا عن الشمال، هاهم يطالبون بالوحدة من جديد، حتى أنهم تقدموا بطلب للانضمام إلى جامعة الدول العربية الشهر الماضي، لكن الرد الذكي جاءهم من الحكومات العربية بالرفض القاطع. قال العرب بعبوس: كيف نقبل بعودة هذه الدولة الناشز بعد أن ارتمت في حضن إسرائيل؟

أما كان الأسهل أن يعيش أهل جنوب السودان والثقافات الأخرى على امتداد العالم العربي كجماعة يعقوب وغيره، بحرية مع بقية المكونات، دون أن يرغمهم أحد على الثورة أو الفوضى أو الهجرة؟

24