يعيش الرفيق بودغورني

الأربعاء 2015/08/12

أنتمي إلى جيل مدارس زمن نظام عبدالناصر، ذلك الجيل الذي لم يحارب وبالتالي لا يمكن أن يُسأل عما وقع في 1967، كما أنه الجيل الذي لم يؤخذ رأيه عند توقيع ما عرف بـ”السلام” مع إسرائيل.

وقد فتح هذا الجيل عينيه على وقع هزيمة بحجم 67، بعد أن ظل يحلم مع أناشيد الإذاعة بغزو تل أبيب، ويعيش في أوهام أن أخيه “الجندي العربي البطل، يسقط بسلاحه طائرات العدو كالذباب”، كما كان يردد أحمد سعيد في “صوت العرب”!

لذلك فقد نشأت على فقدان الثقة في أي تصريحات رسمية من أي نوع، خاصة أنها تصدر عادة من قبل أجهزة لا تتغير سوى في المسميات والأشخاص فقط، لكن يظل الجوهر واحدا، وهو إخفاء الأنباء السيئة، وإبراز الأنباء الجيدة، ولو لم توجد، لاخترعت اختراعا.

ومن الظواهر التي لا أنساها منظر تلاميذ المدارس وهم يصطفون في صفوف طويلة على جانبي الطريق من المطار إلى وسط القاهرة، لتحية ضيوف مصر من كبار القادة أمثال تيتو ونهرو وخروتشوف ونيكروما وسوكارنو وغيرهم. وكان يتمّ إخراج التلاميذ ومنحهم يوم تحية الضيف الكبير، عطلة، فيفرحون ويهللون ويحملون الأعلام مع مجموعات أخرى من عمال المصانع، كانوا يخرجونهم ويمنحونهم بضعة جنيهات، ليهتفوا بحياة الضيف الذي لم يكونوا في الغالب يعرفون من هو أصلا.

وقد استمر هذا التقليد، أي تقليد تسيير المواكب التي أطلق عليه “الشعبية” في عهد الرئيس السادات أيضا، ترحيبا بالضيوف وعلى رأسهم القيادة السوفيتية التي كانت تقف مع مصر وتدعمها بالسلاح، على الأقل إلى ما بعد حرب أكتوبر 1973، قبل أن يدير السادات الدفة نحو الغرب. وكان من أبرز ضيوف السادات وقتها الرئيس السوفيتي نيكولاي بودغورني، وكان عمال المصانع والتلاميذ يصطفون يهتفون بحياته وسط دهشة طفولية تطل من عينيه.

وتخيلت أن بودغورني عاد إلى موسكو وعقد اجتماعا مع كبار المسؤولين السوفيت، وبحث معهم كيفية الحفاظ على شعبيته في أوساط الطبقة العاملة المصرية. وتخيلت أن رئيس جهاز الاستخبارات السوفيتي لا بدّ أن يكون قد نبهه إلى أن هذه الاستقبالات الشعبية التي يراها في بلدان “أصدقائنا في العالم الثالث”، هي استقبالات “مفبركة” معدة سلفا.

ومع ذلك اعتبر بودغورني أن ما قيل له نوع من الغيرة، وأصرّ على أن يتأكد بنفسه من أن قوة شعبيته في مصر، فتوجه إلى القاهرة في زيارة سرية، متنكرا في زي فلاح مصري يرتدي الجلباب ويضع الطاقية فوق رأسه. وعلى الفور ذهب إلى أحد المقاهي الشعبية، وبعد أن تناول “المهلبية” الشهيرة، أخذ يرشف الشاي الأحمر، منتظرا أن يتعرف عليه رواد المقهى.

وفجأة هجم حشد من الرجال الذين يرتدون الملابس الرسمية، على المقهى، يحملون أوراقا وأقلاما وبعض آلات التسجيل العتيقة من الصناعة الروسية، وبدأوا يقرأون عليه الأسئلة المدونة في أوراق موحدة. وتخيلت أن الاستخبارات السوفيتية التي خشيت أن يتعرض الرفيق بودغورني في القاهرة لأمر لا يحمد عقباه، أبلغت سرا، نظيرتها المصرية لكي تأخذ احتياطاتها.

وفي المقابل رأت هذه الأخيرة ضرورة أن “تقوم بالواجب”، فأرسلت وفدا من رجالها متنكرين في زي صحفيين، لاستقبال الرفيق بودغورني والترحيب به كما ينبغي.

ومع ذلك لم يكن لدى الرفيق بودغورني ما يدفعه إلى التراجع عن اعتقاده أن شعبيته لدى الشعب المصري، هي الدافع وراء هذا المشهد الحافل رغم التنكر، ولا بدّ أنه تصوّر أيضا أن السر إنما يكمن في “المهلبية”!

كاتب وناقد سينمائي من مصر

16