يفعل الجاهل بنفسه

الخميس 2014/09/11

ليس من طبعي تنصيب نفسي واعظا أو مرشدا، لإيماني ويقيني أن لكلّ إنسان من سديد الرّأي وحصافة العقل ما يكفيه لمعرفة والتمييز بين الخير والشرّ، وبين الصّالح والطالح، بين المفيد والمسيئ، فهو غنيّ عن وعظ وإرشاد، إذا هو شاء وأراد. فهل هو يريد؟ وإذا أراد ماذا يريد؟

أرادت لي الأقدار عدم الاستقرار، وجعلتني أظعن ولا أطيل الإقامة. فجُبت، حسب الظروف والإمكانات، بلدانا كثيرة من أرض الله، فاتعظت وتعلمت بفضل الملاحظة والمقارنة، وبما جنيته من ثمار المعاشرة. رأيت بلادا انهزمت وانهارت، ثمّ جمعت قوّاها فسارت، واستعادت بنيتها فشيّدت. رأيت شعوبا ظلمت وأذلّت، فانتفضت واسترجعت حرّيتها. رأيت أقواما أضناها الفقر والحاجة، فأدارت بالحزم والعزم عجلة مصيرها فازدهرت. نسيت ممّا عرفت الكثير، وعلق بالذاكرة الوفير، لكن إن أنسى لن أنسى طرفة، بل درسا، لقننيه حلاّق بمدينة وارصو، عاصمة بولندا، وهي ركام وأنقاض.

عالج شعر رأسي، وكان يمشطه بمشط خشن، فتألمت قليلا، وهو ما جعلني أطلب من المزيّن عنوانه، وأعده بإرسال مجموعة أمشاط جيدة. سلّمني بطاقة عنوانه مبتسما وقال: “هذا عنواني! وإن أعطيتني عنوانك أرسلت لك بعد سنة أحسن مشط، لكن من صنع بلادي”، تحمّلت “النغزة” شاكرا وانسحبت.

مرّت السنة وبضع سنة، فحملتني الضّرورة ثانية إلى وارصو، فكدت لا أعرف السّير فيها. وجدتها مشيّدة شامخة وقد استرجعت، حسب ما قيل لي، صورتها التي كانت عليها قبل الحرب والدّمار، بكلّ دقة وتفنّن. أمّا حلاقي فكدت أن لا أعرفه هو الآخر. ظهرت النعمة على الوجه، والأناقة في الملبس، والتطوّر والتجميل في المكان. سررنا كثيرا للقاء، وأهداني المشط الموعود، لا أزال أحتفظ به وقد ناهز في صحبتي الخمسين عاما. سلمنيه مبتسما وهو يقول: “مشط من صنعنا ومادّته قرن أيل”، تبادلنا المزاح، فضحكنا كثيرا بعدما تصارحنا، فاعترف كلانا بأحكامه المسبقة الخاطئة على الطرف الآخر.

كان هذا دافعا لحلاقي إلى اقتراحه عليّ مقابلة أستاذ كبير، مدحه حتى شككت في قوله واعتقدت مبالغته. قبلت الاقتراح وتمّ اللقاء مساء نفس اليوم في بيت الأستاذ. وصلت في الموعد فاستقبلت بالترحاب، لكني إلى الآن لا أدري كيف أني لم أتراجع وكيف تصرّفت. فخلافا لما كنت أتوقع، وجدتني أمام رجل طويل القامة، فقد ساقه اليمنى، وجهه مشوّه بشظايا قذيفة، لكن تنيره ابتسامة عريضة، لعلها هي التي شدّتني فمكثت. حسنا فعلت لأني حصلت على منجم علم وثقافة.

بادرني مضيفي مرحّبا معتذرا عن عدم ترحيبه بي بلغتي، ثمّ سألني بأيّ لسان أفضل التحادث، فقلت: نتواصل بالذي شرعت به، وهي الإنجليزية. لاحظ ولاشك اندهاشي الأول، فجعل يقصّ عليّ الظروف التي أصيب فيها بما اعتراه. لم أتركه يطيل اجترار آلامه، فسألته عن الفرق الذي لاحظته بين زيارتي الأولى وهذه، فانبسط لوجهة الحديث الجديدة، فانساب كالسيل المنحدر من علٍ يصف ويشرح ويؤرّخ ويقول.

إن بلادنا يا سيّدي ابتليت، مثل بلدانكم، بموقع إستراتيجي جعلها طعمة للأخذ والرّد. فلا نتخلّص من غاز حتى نبتلى بمحتلّ، ولا نتحرّر من هذا حتى ننغمس في حرب لا طائلة لنا من ورائها. فقضينا العمر نكبو وننهض. قلت له: لكنّي لا أراكم تأخرتم كثيرا عن ركب التقدّم والتطوّر! لأننا لم نضع الوقت في التذمّر والبكاء، بل أخذنا من كلّ ضربة فوائدها وعظاتها. كيف ذلك؟ أوّلا انتقدنا أنفسنا وحاسبناها. انتقادُنا الذّاتي وجّهنا، فأوصلنا لمعرفة أخطائنا، فتحاشيناها في كلّ مرّة. ثمّ نقوم بمقابلة حاجيّاتنا بإمكاناتنا، فنحدّد الحاجيات مفضلين الأهمّ على المهمّ.

قلت للأستاذ: هذه نظريات ومبادئ فكيف يكون التنفيذ؟ أجاب مسرعا وبلا تفكير: بالطبيعة ولزوميات الحياة. إنّ ما تسمّيه نظريات أصبح، سليقة لدى الشعب، أورثته إيّاها التجارب والمحن، فأصبح يعرف كيف يتعامل معها، فلا يعوّل إلاّ على نفسه.

قلت ألا يجرّ هذا إلى الفوضى؟ أجابني مبتسما: لعلّي يا صديقي لم أحسن التعبير. ما عنيته، وما أصبح عادة أو سنّة عندنا، هو عدم الاتكال على الحكومة. لكن إذا هي خطّطت، نفذنا بصدق وحماس، غير ناسين الخطأ وإمكانية ارتكابه. قلت هل في كلّ ذا سرّ؟ سرّه في متناول الجميع وفي كلّ مكان من هذا العالم المضطرب. أمّا عندنا، فقد جعلته النكبات والاعتداءات، والغزو الخارجي، صفة فينا طاغية، وطبعا مهيمنا، وهو، كما لعلك فهمته، حبّ الوطن وتقديمه على أيّ اعتبار آخر. لأنّ المواطن عندنا، أيقن وآمن أنّ مصلحته الفرديّة في مصلحة الوطن.

إنّني اليوم، وقد وهن العظم منّي، لا أزال أجترّ ما علق بالذاكرة من آرائه الكثيرة السّديدة، وهو ما يفرض عليّ الاعتراف بما أدين له ولغيره من الذين استمعت إليهم فازددت معرفة وإطلاعا. لأني جنيت من ثمار عقل هذا الأستاذ أكثرها فائدة. غذاء تمنيت إطعامه كلّ مواطناتي ومواطنيّ. كنت أتذكر آراءه وأقلّبها بفكر الشاب المندفع، وحتى اليوم بفكر الشيخ المرتدع، أستعرض الكثير من أفكار ذلك الأستاذ، متمنّيا لو عملنا بها جميعا. لكنّي ألاحظ، وآسف، أننا لم نتعلّم من الويلات والمصائب كما تعلّم الآخرون، وجميعنا عن كلّ نقد ذاتيّ مُترفّعون، ومصلحة الوطن لدينا هي الدّون. فالمشهد السائد اليوم في بلداننا، والطّاغي على حياتنا، أكبر دليل على أننا لم نتعظ ولم نتعلّم، وأننا من الذين يلدغون من جحر واحد مرّتين.

كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9