يقولون ما ليس في قلوبهم

السبت 2013/11/30

ثمة شيء ما غير مفهوم في كلّ ما شهدته بعض أقطارنا العربية من ثورات أو انتفاضات أو مثلما صار يحلو للبعض وَسْمُه بـ"الانكسارات". ثمة شيء ما نروم- جميعا- توصيفه والإخبار عنه بالكلام والصورة، ولكنّنا نعجز في إصابة قلبِ حقيقته حتى ليبدو أمرُه غرائبيًّا ميّالاً إلى اللامعقول.

صحيح أن شعوبنا قطعت، بقدرة عالِم عليم، مع القول «اتفق العرب على ألاّ يتفقوا» وانتفضت على أوضاعها الاجتماعية والسياسية، وصحيح أن حكّامها فرّوا أو دُكّت عروشهم بآلة عالِم عليم، والذي لا يخالطه الشك أيضا أن الدّيمقراطية العربية تزيّت أبهى أزيائها ونزلت تتمشّى في شوارع عواصمنا دون رقيبٍ أو نظير، وحفزت وعيَ الناس من غير الواعين لحكِّ جلودهم فظهرت حقائق خلافاتهم وكشفوا عمّا اكتنزوا في لاوعيهم من حبٍّ للفوضى ورغبة في الخروج على القانون، وانتهاك لحقوق الطرقات ونظافة الساحات، كلّ هذا مفهوم. ولكنه يظلّ مع ذلك غير مفهوم بالنسبة إلينا.

فمن غير المفهوم تخلي مثقّفينا عن أدوارهم الحضارية التي انتدبوا أنفسَهم للقيام بها وفرّطوا في فرصة تاريخية احتاجتهم فيها أوطانهم. كما أنّ تردّي مَن كانوا حطب هذه الثورات من الشباب والمعطَّلين في محلاّت النسيان والإهمال وعدم إشراكهم في الفعل الدّيمقراطي الذي استأثر به نفر من السياسيّين الوافدين، هو أيضا أمر يظلّ عصيا على فهمنا.

يضاف إلى ذلك أن الجماعات الدّينية التي طالما دعت في بياناتها إلى السلام والإسلام راحت تسفك ما حرّم الله من الدماء في الساحات، وبعد أن ملأت خطاباتها بمفردة الحريات الشخصية، تحوّل دعاتُها وساستُها إلى مُفتين يكفِّرون الناس ويرهبونهم بعذاب الجحيم إن هم لم يدخلوا بيت طاعتهم الحزبية.

ولا ننسى أنّ الذين بَحّت أصواتُهم في بعض الفضائيات وهم يذكِّرون الناس بالقول: «إن الحكم إلاّ لله» هم الآن، ومن تلك الفضائيات ذاتها، يسلكون من أجل افتكاك كراسي الحكم كلّ مسلك.

والاعتقاد عندنا أن فكر تلك الجماعات الذي تُخيط به من الإسلام أثوابا تُناسب مصالحها الشخصية، محتاج إلى تفكيك وتشريح عَلَنيّيْن تتكفّل بهما مجموعاتنا الوطنية المثقّفة في جميع المنابر المتاحة حتى يتبيّن للناس أن هؤلاء «يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم» بل يصدق فيهم قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ».


كاتب تونسي

9