يكذب ليكتب

الاثنين 2016/08/08

ليست الذكريات هي الشيء المهم في السيرة الذاتية، بل إن الأهم يكمن في ما نشعره إزاءها ونحن نسعى إلى استخراجها من عالم زوالها. سيقال إن ذلك يتعارض مع مبدأ الصدق، وهو أمر نبالغ في أهميته إذا كان الأمر يتعلق بصناعة الأدب، فكتابة السيرة هي نوع راق ومتعفف من الأدب.

النوع الذي يمكن أن نطلق عليه تسمية (الكتابة الشخصية)، وهي كتابة غير مسؤولة عن التاريخ مثلما هو، بل تتحدد مسؤوليتها في صناعة تاريخ غير معلن، بالرغم من أن جزءا منه لم يقع إلاّ في المخيلّة.

مَن يكتب سيرته الذاتية لا يروم أن يكون مؤرخا، هناك فرق كبير بين أن ترى وأن تُري.

غالبا ما يكون المؤرخ مسؤولا عن الآخرين باعتبارهم صانعي أحداث، أما مَن يكتب سيرته فإنه لا يلتفت إلى الوراء إلاّ من أجل أن يلم الزعفران الذي يتطاير من خطواته.

الكثير من التعاسة لا تشي بما يشعر به المرء من سعادة وهو يكتب، كل ما كتبه الأميركي هنري ميلر يدخل في نطاق السيرة الذاتية، لم يخترع النيويوركي ما يجعله جاهلا بحياته التي عاشها كما لم يعش أحد حياته.

بكل ذلك الجموح والتمرد والشغف والغضب والمسرّة والتوهّج والعفوية والمقاومة اخترق ميلر الحياة مثل عصف ليهتدي إلى ضالته التي هي ليست سوى الحياة التي أراد أن يعيشها حرا، متحررا من الوصفات الجاهزة.

لم يكن لديه شيء آخر ليفعله سوى الكتابة، لا نصدق أنه يكتب ليكذب، لربما كان يكذب ليكتب، وهو ما كان يسليه في مواجهة صعوبة العيش أيام الكدح والضنك والعوز.

وكما أرى فإنه لا أحد يملك الحق في أن يلوم ميلر بذريعة أنه لم يقل الحقيقة، لا تصنع الحقيقة أدبا، بل إنها لا تصنع حياة. ما نسعى إليه ليس هو ما نعيشه، فقد يعيش المرء حياته كلها من غير أن يشعر بالحاجة إلى شيء من الحقيقة.

كاتب من العراق

16