يكفينا روايات سورية

قد نجد أنفسنا أمام دفق لا يتوقف من الروايات التي تتحدث عن موضوع ما، لكن كل عمل يغني ويضيء جانبا معينا من الموضوع. لذلك لا أفهم كيف يمكن لناشر أو حتى لإنسان عادي يهتم بالشأن العام أن يقول يكفي كتابة عن هذا الموضوع، طالما أن كل كتابة فريدة، وأنها تقدم إبداعا توثيقيا جديدا.
الاثنين 2015/08/03
أوليس كل مواطن سوري بحد ذاته رواية

ذكر لي أكثر من صديق أنهم تقدموا لناشرين عرب بروايات كتبوها حديثا عن الأزمة السورية، فرفض الناشرون نشرها تحت عبارة “يكفينا روايات سورية”، وهذه العبارة حمالة أوجه، فهي من جهة تتأفف من كثرة الروايات أو الكتب التي كتبت عن مأساة القرن (سوريا)، وهذه العبارة مبطنة برفض وطفح للكيل من الشأن السوري، كما لو أنهم ما عادوا يحتملون طباعة المزيد من الألم السوري، أو كما لو أنهم قد حددوا سلفا “كمية الكتب والروايات التي تتناول الأزمة السورية.

ألا يستحق كل سوري رواية؟ أوليس كل مواطن سوري بحد ذاته رواية، هل نجا بيت سوري في سوريا كلها من مأساة وتنويعات للمآسي؟ وهل الكم هو المهم أو النوع؟ فقد يكون عدد الروايات التي تتناول موضوعا معينا قليلة، لكن تناول هذا الموضوع يكون قاصرا أو ناقصا، هل يمكننا القول كفانا أدبا روسيا أيام دوستويفسكي وبوشكين وتولستوي، هؤلاء الذين خلدوا روسيا وخلدوا وطنا وشعبا بكتبهم التي أبدعت في وصف حياة الشعب الروسي وحكم القياصرة.

قمة الإهانة وعدم التقدير أن يقول ناشر لكاتب: كفانا أدبا سوريا أو غير سوري، لأن الأدب نبع يتجدد ولأنه رؤية ولأنه يحمل في طياته الثورة الحقيقية التي لا يستطيع حتى شياطين العالم تشويهها وسرقتها، الثورة الفرنسية فجرها الأدباء الفرنسيون، وكذلك ثورات كثيرة. ثم هل حقا اكتفينا من الرواية السورية التي تتحدث عن 23 مليون سوري لم ينج أي منهم من أذى مختلف الدرجات، ألا يستحق هؤلاء الشبان -براعم الورود- الذين تحولوا في رمشة عين إلى شهداء، أن نخلد ذكراهم برواية، أليس كل منهم رواية، ألا تستحق الأمهات الثكالى وبعضهن فقدن أكثر من ابنين أو ثلاثة أن نحكي عن وجعهن اللامحدود في رواية، هل يقول هذا الناشر لمؤلفي كتب الطبخ والأبراج يكفي ما طبعنا من كتب طبخ وكتب عن الأبراج والتنجيم.

أنا واثقة أنه يرحب بهكذا أعمال أكثر بكثير مما يرحب برواية تتناول كل هذا الطفح من الألم السوري، لأنهم ضجروا من هذا الألم أو اعتبروه لا يخصهم، وصار الموت اليومي في سوريا عاديا، كنشرة الأحوال الجوية، وصارت البرامج التي تتناول الشأن السوري مملة وتافهة ومكرورة إلى درجة أن المشاهد يشعر منذ اللحظة الأولى للحلقة أنه يعرف ما سيقوله المتحاورون.

سوف يستمر السوريون كتابا وشعبا في تأريخ كل لحظة ألم وسيكتبون بنسغ عروقهم ودمائهم معاناتهم، ومأساتهم التي ليس عبثا أن أطلقوا عليها مأساة القرن

وأزعم أنني أذهب إلى أبعد من ذلك فهناك من يريد أو لديه مصالح عديدة بأن يستمر النزيف السوري والنزوح السوري والغرق في البحر والموت في المعتقلات، هناك من جمع ثروات طائلة من مصائب السوريين، لذا ربما يخشون روايات صادقة نزيهة وشجاعة تزيل غشاوة الأوهام عن العيون، وتدفع بالناس، وفي مقدمتهم كتاب الضمير، أن يعيدوا إنتاج الثورة ويصلحوا مسارها. الأدب الأصيل والذي يعكس الواقع ويحرث فيه مفتشا عن بذور الثورة هو الأدب الذي ينتج الثورة، ومهما كثرت هذه الكتب فكل منها نسيج وحده، كل منها يقدم الواقع من زاوية معينة، ويطرح رؤية وحلا أو يكون كما يقال: الكلام عن أي موضوع هو الوصول إلى نصف الحل.

لا يوجد عدد معين لكل نوع أدبي، فلتغرق المكتبات بالكتب، والزمن كفيل بغربلة الغث من المفيد، ثم إن الروايات السورية التي كتبت في السنوات الخمس من عمر الثورة السورية، لم تتناول ما حصل فقط في هذه المدّة، بل كتبت عن عقود سابقة، لأن ما يحصل في الحاضر هو وليد لما حدث في الماضي مثل رواية “أجنحة في زنزانة” لمفيد نجم، و”السوريون الأعداء” لفواز حداد، وكتاب “بالخلاص يا شباب” لياسين الحاج صالح وغيرهم. إن الأدب هو مرآة الحياة، وهو واقع يوازي ويحفر في العمق أكثر من الواقع المعيش، لذا فحين يقول الناشر لكاتب سوري: اكتفينا من الأدب السوري الذي يتحدث عن الوجع السوري، كما لو أنه يجمد الحياة ويحكم عليها بالإعدام، وأهم أشكال الإعدام هو اللامبالاة ورفض النشر.

سوف يستمر السوريون كتابا وشعبا في تأريخ كل لحظة ألم وسيكتبون بنسغ عروقهم ودمائهم معاناتهم، ومأساتهم التي ليس عبثا أن أطلقوا عليها مأساة القرن. حتى لو تأفف ورفض بعض الناشرين نشر أعمالهم فإنهم سيجدون سبلا للنشر والكتابة حتى لو اضطروا للكتابة على لحاء الشجر الذي يشبه وجوههم المتغضنة بالألم، أو حتى لو كتبوا على أوراق الشجر التي تحوي عروقا “كأوردة أيديهم، الثورة الحقيقية لا يمكن إيقافها حتى لو خذلها ناشرون يفضلون كتب الطبخ والتنجيم عن ثورات الشعوب.

15