"يلا نسوق" كوميديا سعودية تُساند حق المرأة في قيادة السيارة

دراما كوميدية خفيفة ومؤثرة تعالج إحدى القضايا الساخنة على الساحة السعودية.
السبت 2020/02/15
تحديات بالجملة

بعد الإعلان عن السماح للمرأة بقيادة السيارة في السعودية، تقرر صديقتان تأسيس معهد لتعليم النساء والفتيات قيادة السيارات في مدينة الرياض. فما هي الصعوبات والتحديات التي ستواجههما في محيط يتشكك في قدراتهما ولا يتفهم حاجة المرأة إلى مثل هذه الاحتياجات البسيطة؟ هذا هو السياق العام للمسلسل السعودي “يلا نسوق” الذي يعاد عرضه حاليا على قناة “أس.بي.سي”.

يمثل المسلسل السعودي “يلا نسوق” أحد أبرز الأعمال الكوميدية التي تم إنتاجها خلال الفترة الأخيرة، لطبيعته المختلفة والسياق الذي يدور فيه، لكونه يتعرّض لإحدى القضايا الساخنة على الساحة السعودية، والتي لا يزال الجدل فيها محتدما، إذ لم يتخلص المجتمع بعد من النظرة النمطية حول قدرة المرأة على قيادة السيارة. ناهيك عن قدرتها في القيادة أو ريادة الأعمال على نحو عام.

ويتعرض المسلسل لمسببات هذا الجدل المثار ودوافعه، كما يفكك هذه الحجج التي يستند إليها أصحاب الآراء المتشدّدة، في إطار من الكوميديا والعلاقات المتشابكة، التي لا تخلو كذلك من القضايا والإشكاليات الاجتماعية الأخرى.

و”يلا نسوق” من إخراج أحمد شفيق وتأليف سامح سر الختم وفكرة محمد هلال، وتشارك فيه مجموعة كبيرة من النجمات والنجوم السعوديين والعرب، بينهم مروة محمد ونرمين محسن وسعيد صالح وجعفر الغريب ومريم الغامدي ومحمد القس وإبراهيم الحجاج، بالإضافة إلى سارة اليافعي من اليمن وإيمان إمام ورجوى حامد من مصر.

ويبدأ المسلسل بمشهد يثير التعاطف مع بطلة العمل “سارة” التي تلعب دورها الفنانة مروة محمد، وهي تقود سيارة ألعاب صغيرة مخصصة للأطفال في إحدى صالات الملاهي. تلجأ سارة إلى هذه الحيلة إشباعا لرغبتها في قيادة سيارتها بنفسها، فالقوانين السارية في السعودية تمنعها من ذلك، لذا فهي تستعين بسائق يرافقها كظلها.

صناع الدراما السعودية يُثبتون مع "يلا نسوق" أنهم يتربعون على عرش الكوميديا في الخليج العربي بلا منازع

أما صديقتها وابنة خالتها “فجر” التي تلعب دورها الفنانة نرمين محسن، فهي تستعيض عن السائق بزوجها سعد (سعيد صالح) كأنها تنتقم به من حالة القهر التي تمنعها من قيادة سيارتها بنفسها، ومن ناحية ثانية تضمن انشغاله الدائم بها كي لا يفكر في الزواج بأخرى.

أما الأم (مريم الغامدي) فهي لا تكاد تبرح البيت، وهي تصاب بالإحباط كلما حاولت الحديث مع زوجها (جعفر الغريب) الذي يُتفّه آرائها دائما، فهو من تلك النوعية من الرجال الذين يؤمنون بأن المرأة مكانها الطبيعي هو بيتها، وأنها لا تستطيع إدارة الأعمال مثل الرجال.

يرفض الأب، مثلا أن تعمل معه ابنته سارة في شركته، رغم أنها قد درست إدارة الأعمال والاقتصاد، فهو لا يثق في قدرة النساء بوجه عام على إدارة الأمور خارج المنزل.

الأخ طارق (إبراهيم الحداد) هو شاب يتمتع بخفة الظل ويحاول أن يجد له موضع قدم في هذا المحيط المضطرب، والذي يمسك فيه الأب بزمام الأمور، يتعامل الأخ الشاب بلامبالاة أحيانا ويتحاشى قدر الإمكان إبداء رأيه في أمور العمل حتى لا يتعرّض لسخرية الأب أو توبيخه، وهو في نفس الوقت يطمح إلى الزواج، ويتلهّف للارتباط بأي فتاة، فيلجأ إلى أساليب غريبة بعض الشيء في سبيل بحثه عن شريكة حياته، ما يوقعه في الكثير من المتاعب ويعرضه للصدمات.

لا ننتظر كثيرا حتى نصل إلى النقطة الفارقة في أحداث العمل، ففي نهاية الحلقة الأولى يطالعنا الإعلان الذي تم بثه على شاشة التلفزيون المحلي، والذي يعلن فيه مذيع النشرة عن القرار الملكي الذي يسمح للمرأة بقيادة السيارة بعد استيفاء الشروط.

لقطة من المسلسل عن فرحة النساء بالسماح لهن بقيادة السيارة
لقطة من المسلسل عن فرحة النساء بالسماح لهن بقيادة السيارة

يتفاوت تقبل الناس لهذا الخبر الهام، وتطرح بعض المشاهد إشكالية وجود شريحة من النساء في صفوف المعترضين. يحفز هذا الأمر والدة سارة على الإمساك بزمام المبادرة، فتقرّر استثمار أموالها بعيدا عن زوجها، وتبدأ مع ابنتها بالبحث عن مشروع مناسب تستطيع من خلاله أن تستثمر أموالها.

تهتدي الأم وابنتها في النهاية إلى فكرة تأسيس معهد لتعليم قيادة السيارات للفتيات والنساء، وتشرعان بالتعاون مع فجر في تنفيذ الأمر. وهكذا تسير الأحداث، وتستغرق سارة وفجر في التخطيط بجدية لهذا المشروع حتى يتحقّق حلمهما في النهاية.

يجذب المركز الجديد اهتمام الإعلام والصحافة، ويمتلئ بالمتدربات والعاملات من جنسيات مختلفة. تعترض المشروع في بدايته بعض الصعوبات والعراقيل التي تتسبّب فيها سلمى (سارة اليافعي) والتي تسعى لإفشال المشروع بسبب غيرتها الشديدة على زوجها إبراهيم (محمد القس). هذا بالإضافة إلى سعي أحد الصحافيين لتصيّد الأخطاء التي تقع داخل المركز، وهو يفعل ذلك بدافع رفضه غير المعلن لفكرة قيادة المرأة للسيارة.

في المقابل يقف الأب في انتظار أن تستنجد به ابنته بعد فشل مشروعها، فيجد نفسه هو الذي يستنجد بها، بعد وقوعه فريسة لعملية نصب كبيرة كادت أن تعرضه للإفلاس ولا يجد سندا إلى جواره غير ابنته سارة وزوجته التي طالما تفّه آرائها.

بين هذه الخيوط الرئيسية ثمة مسارات فرعية يتم تسليط الضوء خلالها على بعض الظواهر الاجتماعية الأخرى، كالزواج الثاني، والغيرة والحسد والتفكك الأسري، وغيرها من القضايا التي تتم معالجتها بطرق لا تخلو من الكوميديا والسخرية.

كان أداء الفنانين المشاركين جيدا، كما كان لافتا كذلك الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، وخاصة ذاك الأداء الجيد لدور الطفل في المسلسل (محمد الحربي)، فعادة ما يفتقد الأطفال في غالبية الأعمال الخليجية إلى التدريب الكافي، لكن أداء الطفل هنا كان طبيعيا ومقنعا.

يمكن أن نشيد هنا أيضا بالفنان الشاب إبراهيم حجاج، وهو موهبة كوميدية حقيقية، إذ كان له دور بارز في إضفاء نوع من المرح المحبّب على أجواء العمل، وهو أحد نجوم “ستاند آب كوميدي” المعروفين في السعودية، وكذلك الفنانة نرمين محسن التي تمتعت بخفة ظل لافتة.

“يلا نسوق” دراما كوميدية خفيفة ومؤثرة، وخالية أيضا من الكليشيهات التقليدية والمكرّرة في مثل هذه النوعية من الأعمال. ويبدو أن صناع الدراما السعودية يُثبتون مع الوقت أنهم يتربعون على عرش الكوميديا في الخليج العربي بلا منازع.

13