يميل المغني على نفسه ولا يجد النهر في الأغنية

السبت 2014/11/01
نوري الجراح: لم يبق في الكلمات أطلال لمرثية تعيد الأهل من صور الغياب

بيروت- في المجموعة الشعرية “يأس نوح” يقدّم الشاعر السوري نوري الجراح تجربة وجدانية متكاملة بكلمات مضغوطة ومشحونة بالمشاعر ومشحونة كذلك بالحرب الدائرة بوحشية في بلاده منذ ما يقارب السنوات الأربع، وردت المجموعة في 131 صفحة متوسطة القطع مع لوحة غلاف ولوحات داخلية للفنان التشكيلي عاصم الباشا، وقد صدرت المجموعة عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” في بيروت وعمان.

الشاعر المقيم في لندن منذ سنة 1986، نوري الجراح، ممتلئ بآلام هذه الحرب، التي قليلا ما يشير إليها مباشرة بالاسم، لكنها تسكن كل ومضة فكرية في مجموعته وكل كلمة من كلمات هذه المجموعة.

وهو هنا في مجموعة “يأس نوح”، بعيد عادة عن المباشرة، فكلماته تحفل بالرمزي وبالعواطف التي تنتج عن آلام القتل والموت في بلاده.


شعر حافل بالأنين


نوري الجراح المتمرّس في كتابة الشعر وله أعمال شعرية كثيرة، والذي ترجمت بعض قصائده إلى لغات أجنبية يكتب شعرا فيه بعض سمات قصيدة النثر، وهو ذو أوزان تختلف بين مجال وآخر.

وبين فترة وأخرى يحن الشاعر إلى كتابة أبيات تأتي متعددة الوزن والقافية، شعره هنا حافل بالأنين الذي يعلو تارة، ويأتي في مجالات أخرى أقرب إلى همس متفجر بالأحزان.

المجموعة وإن احتوت على بضعة عناوين يبدو كل منها كأنه قصيدة منفصلة، يرجّح أن يعتبرها القارئ قصيدة واحدة وإن حملت أكثر من عنوان، يجمعها ما يبدو من وحدة في التجربة الشعورية ونمط واحد في التعبير، يجعل منها قصيدة واحدة ذات “محطات” مختلفة.

عنوان المجموعة يأخذ القصص الديني ويضعه في إطار رمزي ينطبق على مشكلات عالم الشاعر وآلامه، وإذا كانت الرسالة تقرأ من عنوانها كما يقال، فقد يمكننا أن نقرأ المجموعات الشعرية من عناوينها، والعنوان هنا مغرق في اليأس والتشاؤم، وقد يرى البعض في ذلك واقعية مريرة.

نوح هنا قانط يائس من رحمة ربه، في السابق -أي في القصة الدينية- عندما سيطر الشرّ على الدنيا، تدخل الخالق فأنقذ الجنس البشري وأنواع الحياة الأخرى لتستمرّ الحياة.


رمز الخلاص


تنام دمشق على اسمها ويسهر خلق ويختصمون وفي رسمها يحفرون قبورا

أما عند الشاعر فالوضع مختلف جدا إذ أن نوح رمز الخلاص وقائد مسيرته أضحى يائسا الآن في نظر الشاعر، أي أن الشاعر نفسه هو اليائس من الخلاص، ولذا فنوري الجراح يخاطب ربّه بلسان نوح قائلا إنه نوح وإنه لا يزال في انتظار الخلاص، هنا الشاعر يقدّم للقصيدة الكبيرة التي تحمل اسم المجموعة بقوله: “أنا نوح يا خالقي”، أي أنه نوح الذي ينتظر رحمة ربه وتدخله.

تبدأ القصيدة على نمط قصيدة النثر وبمَوْسقة واضحة، يقول: “من قبري الذي كسرته زهرة النشيد/ ناديت/ أمي الأرض/ الربيع هزّ رقادي/ النحلة لسعت شفتي في المنام/ وطافت على رخام يدي فراشة السنوات/ فلأنهض إذن/ كما تنهض فلقة الصخر من صيحة الأخدود”.


دمشق قمري


يضيف الشاعر رابطا بين نوح القديم ونوح الجديد الذي يكلم ربّه من جبل قاسيون قرب دمشق، وإذا كانت سفينة نوح كما يقول القصص الديني قد رست على قمة جبل أرارات أو غيره، فسفينة نوح الجديد تحطمت على جبل قاسيون.

يقول الشاعر: “أنا نوح يا خالقي/ أناديك من قاسيون سفينتي انكسرت/ وألواحي حطام حطام في حطام/ والوجود/ حفنة من رماد/ أهذي إرم التي شئت لي؟!/ بقايا نشيد على وتر محترق/ أنا نوح/ يا خالقي/ ركبتاي مفروطتان/ عند صخرتي/ وآلهتي ترجمني بما تبقى من حطام الجبل”.

ويختم بقول كأنه جواب: “لم يبق في الأرض قبور لأحد/ عودوا غدا/ يا أيها الموتى من الحب/ عودوا غدا”.

ومن خلال قتل الذات أي قتل الأخ لأخيه في الحاضر يعود الشاعر إلى القصص الديني -إلى قصة قابيل (قايين) وهابيل- فيقول “أقول لقابيل مهلا/ شقيقي على فلقة الصخر/ وجهي رأيته نصفين/ ودمي في النشيد/ رأيت دمي يشطر الشام نصفين/ بردي على فرس/ وفي حاجبيه القتيلين.. قمر الغوطتين”.

شعر حافل بالأنين أقرب إلى همس متفجر بالأحزان

أما خاتمة هذا القسم فتأتي على نمط شعر التفعيلة أي الشعر المتعدد الأوزان والقوافي، يقول الشاعر هنا: “هذا حصان الشام في برق قتيل/ وقع على الصوان مشطورا/ ووقع في الصهيل/ هذا حصان الشام يا شام افتحي الأبواب/ بردي على فرس/ وفي الشرفات ينتحب الغياب”.

لكن الشاعر يبدو هنا كمن يردّ على قوله السابق: “عد من غيابك/ لم يعد في الأرض أفق كي يراك/ البحر أعمى/ وتراب الأرض أعمى/ والأراميات على الأسوار يرمين الشقائق في هواء الموت/. تركتك الآلهة/ واكتفى التاريخ بالتدوين/ عد من ندائك/ لا أحد”.

وفي مكان آخر يقول الجراح واصفا دمشق الحالية بعد دمشق التي عرفها: “تنام دمشق على اسمها/ ويسهر خلق/ ويختصمون/ وفي رسمها/ يحفرون قبورا/ ويختطفون إليها الصور:/ هنا وردة الصمت/ هنا مطر البارحة/ هنا عندليب/ هنا حفنة شوك/ هنا شرفة الأمس/ هنا غزل/ هنا طيش نهر/ هنا غصن آس/ هنا فتية فوقهم حجر”.

ويقول في مجال آخر “يميل المغني على نفسه ولا يجد الأغنيات/ ودمشق التي تركتني هنا/ قال عاشق/ هربتها كلمات في ظلال الكلمات/ثلاثون عاما وأغنيتي طائر هائم في محيط المنام/ أهذا أنا اليوم أم حفنة من غمام؟”. “يميل المغني على نفسه/ ولا يجد النهر في الأغنية/ كأني تركتك في قصتي/ تفتش عن مطلع/ أو ختام/ غريبا / يمرّ بك الجند/ والفتية اليافعون/ شاميون/ كل فتى شهب لم تفرح به العين ولا الأمنيات”.

“تقلّب الأم دفترها العائلي/ وتدفن في شهقة المهد أسماء من ودعت/ قمري في دمشق يتيم/ والمطر/ غيمة العابرين إلى حتفهم/ وفي كل سطرين من نشيدي يرجع الشهداء بالشهداء”.

وينتقل إلى القول: “لم يبق في الكلمات أطلال لمرثية تعيد الأهل من صور الغياب/ لم يبق بيت في زقاق لمسافر/ لم يبق شمس في المفاتيح/ ولا ظل لعابر/ لم يبق في الكلمات أجنحة/ لطائر”.

17