يمينيو فرنسا.. طائفية جديدة تهدد قيم الجمهورية الخامسة

لم تعرف أوروبا بعد طريقها لفك المعادلة الصعبة التي تواجهها في السنوات الأخيرة، والمتمثلة أساسا في كيفية الحفاظ على توازناتها الثقافية والاجتماعية والسياسية أمام المد المتزايد من المهاجرين. وكلما مر الزمن، إلا وارتبكت أحزاب بعينها مفصحة عن نظرتها للهجرة. وهو ما حدث مع رئيس بلدية في جنوب فرنسا اليميني المتطرف روبير مينار، الذي بدأ في إحصاء التلاميذ المسلمين في المدارس ووضعهم في ملفات خاصة، الأمر الذي من شأنه المس بأعرق قيمة تميز فرنسا في العالم وهي علمانيتها.
الخميس 2015/05/14
إسلاموفوبيا أشاعها اليمين الفرنسي تستهدف المسلمين

باريس – أثارت تصريحات لرئيس بلدية مدينة “بيزييه ” جنوب فرنسا روبير مينار، موجة غضب في أوساط الطبقة السياسية الفرنسية والأوروبية وتم فتح تحقيق قضائي بشأنها، وذلك إثر قيامه بتصنيف تلاميذ المدارس حسب انتمائهم الطائفي.

وصرح روبير مينار على القناة الفرنسية الثانية أن نسبة التلاميذ المسلمين 64.6 في المئة، وأن أعدادهم زادت بنسبة واضحة مقارنة بالسنة الماضية. وقد كشفت هذه الإحصاءات مدى مراقبة رئيس البلدية للمهاجرين في بلديته وعكست “التوجس غير المبرر” الذي ينتاب رئيس البلدية اليميني حسب مراقبين.

وفتح القضاء الفرنسي تحقيقا للتأكد من صحة معلومات تفيد بأن المدينة التي يقودها اليمين المتطرف في جنوب غرب فرنسا أجرت إحصاء لمعرفة عدد الطلاب المسلمين في مدارسها، الأمر الذي أثار موجة غضب شديدة في أوساط الطبقة السياسية في البلاد.

وفي سؤال عن هذه النسبة، قال مينار “إنها أرقام بلديتي. آسف للقول لكن رئيس البلدية يملك أسماء تلاميذ كل صف. أعلم أنه لا يحق لي القيام بذلك، وآسف للقول إن الأسماء تدل على الديانة، وقول عكس ذلك يعني أن ننكر الواقع”.

وأثارت هذه التصريحات احتجاجات عارمة في أوساط المسلمين والمهاجرين والنشطاء الحقوقيين، إذ يمنع القانون الفرنسي القيام بإجراءات مثل التي قام بها رئيس بلدية بيزييه، ويؤكد قانونيون أن الإحصاءات الإثنية محظورة في فرنسا.

يمنع القانون الفرنسي القيام بإحصاءات تقوم على المعيار الديني نظرا لانضباط تلك القوانين لمبدأ حرية المعتقد

وصرح رئيس المرصد الوطني ضد الإسلاموفوبيا، عبدالله زكري، قائلا “إني مصدوم ومشمئز من هذه التصريحات، فالقانون يحظر هذه الإحصاءات، بالتالي يمكن أن يكون اسم التلميذ محمد من دون أن يكون متدينا”.

وقال رئيس الوزراء الاشتراكي، مانويل فالس، في تغريدة “العار على رئيس بلدية بيزييه. الجمهورية الفرنسية لا تميز بين أولادها”. كما قال وزير الداخلية، برنار كازنوف، إن رئيس البلدية “تجاوز السقف المسموح به عمدا ويضع نفسه خارج قيم الجمهورية”. وأضاف في بيان رسمي له “القانون الفرنسي يمنع هذا التصنيف، إن تصنيف التلاميذ استنادا إلى ديانتهم يعني العودة إلى أسود حقبات تاريخنا”.

وذكرت وزيرة التربية الوطنية، نجاة فالو بلقاسم، أن عملية تصنيف التلاميذ المسلمين استنادا إلى أسمائهم “غير شرعية” و”مناهضة لقيم الجمهورية”. وفي بيان آخر أدان الأمين العام للحزب الاشتراكي، جان كريستوف كامباديلي، بشدة التصريحات الجديدة لرئيس البلدية وقال إنها تتضمن “تمييزا عنصريا”.

وقال النائب اليميني من حزب المعارضة، إيلي عبود أنه على رئيس البلدية أن يستقيل من منصبه كإجراء أولي لينظر القضاء في أمره، مضيفا “إعداد ملفات خاصة بالتلاميذ، عليك أن تخجل سيد مينار”.

روبر مينار: أعداد التلاميذ المسلمين زادت بنسبة واضحة مقارنة بالسنوات الماضية ويجب أن نواجه هذا الواقع
ومحاولة منها لتهدئة الأوضاع، قالت البلدية المعنية في بيان لها في وقت لاحق “لا تعد بلدية بيزييه ملفات تتضمن تصنيفا للأولاد حسب طوائفهم ولن تقوم بذلك أبدا”. وأضافت “حتى وإن أرادت ذلك، فإنها لا تمتلك الوسائل الكافية للقيام بذلك. وبالتالي لا يمكن إعداد ملفات خاصة عن التلاميذ حسب انتمائهم الديني للإسلام أم لا”.

وكان روبير مينار قد أثار جدلا مرات عديدة منذ انتخابه رئيسا لبلدية بيزييه في مارس 2014. فقد منع نشر الغسيل على النوافذ في وسط المدينة وفرض حظر تجول على القاصرين وأطلق حملة دعائية تجعل من مسدس عملاق “الصديق الجديد” للشرطة في مدينته، وهو ما أثار موجة انتقادات واسعة في صفوف نشطاء اليسار في البلدية والمواطنين باعتباره “متطرفا جدا”.

وبلغت معاداة الأجانب والمسلمين لدى مسؤولي حزب الجبهة الوطنية الفرنسي اليميني المتطرف درجة أصبح معها كل اسم شخصي مختلف عن الأسماء التقليدية الفرنسية وسيلة للتمييز حتى بين الأطفال في المدارس. وهو ما يذكر بالحملة التي قادها مؤسس حزب الجبهة الوطنية جون ماري لوبان عندما استهدف الجالية المغاربية في فرنسا واتهمها بالتحريض ضد أمن فرنسا، وأصدر شعاره المعروف “فرنسا الجزائرية” في إشارة منه إلى تزايد أعداد المهاجرين الجزائريين في فرنسا.

وبعد أن أشاد اتحاد مساجد فرنسا بفتح تحقيق بخصوص هذه القضية من قبل النيابة العامة، اعتبر في بلاغ له أن “هذا الإحصاء الذي يذكر بمرحلة حالكة من تاريخ فرنسا، يشير إلى قيام رئيس بلدية بيزييه باعتداء خطير على قيم الجمهورية الفرنسية المرتكزة إلى العلمانية والحرية الدينية”. ودعا الاتحاد كافة القوى الحية في البلاد إلى التصدي لهذا العمل المعادي للإسلام، وتسليط الضوء على أهداف هذا الإحصاء من أجل حماية كافة أطفال فرنسا”. وطالب الاتحاد مفكري فرنسا وصحفييها ونخبها بإيقاف المد العنصري ضد المسلمين وإعادة تذكير “البعض ممن نسوا” أن فرنسا أعرق علمانية في العالم.

13