ينتظرون الثواب ممن ربوهم على العقاب

الأحد 2017/02/26

ينتظر الوالدان الكثير من أبنائهما بدءا بالشكر والاعتراف بمكانتهما في حياتهم وصولا إلى الاعتناء بهما كبارا في السن. وفي زحمة المشاغل ومتطلبات الحياة اليومية وبسبب ثقافتهم التربوية العرجاء والتي تقوم على العقاب والمحاسبة والصرامة -في أغلب الأحيان- يغفل الأولياء عن تلقين أبنائهم معاني الامتنان والشكر والاعتراف بالجميل. فكيف ينتظرون الثواب ممّن تربى على العقاب فقط؟

يتقلد أغلب الآباء والأمهات في الأسر التقليدية ثوب الصرامة والحزم مع أبنائهم ويتعمدون معاملتهم بقسوة وحزم وشدة لأنه في ثقافتهم ووعيهم هكذا تكون التربية السليمة. هكذا تربوا وهكذا يربون أبناءهم. يعاقبون الابن والبنت عندما يخطئان ويحاسبونهما على كل خطوة يخطوانها ويرسمون لهما الحدود التي لا يجب تجاوزها في كل شيء. وعندما يأتي الأبناء سلوكا جيدا أو يبادرون بفعل ما يسرهم حتى لو كان ذلك على حساب رغبتهم فإنهم يعتبرون ذلك عاديا ولا يبدون شكرهم وثناءهم عليهم.

ثقافتنا العربية التربوية تقوم في أغلب الأحيان على العقاب وتهمل الثواب. تركّز على التقريع واللوم وتتناسى الثناء والشكر. من هذه الزاوية أراها عرجاء. فنحن في أسرنا التونسية نادرا ما نرى الأب أو الأم يشكران ابنهما لأنه أطاعهما في أمر حتى لو كان بسيطا. نفس الشيء فيما بينهما فعندما تقدم الزوجة لزوجها طعامه مثلا لا يقول لها شكرا. بينما نسمع بشكل متواتر أكثر اللوم والتقريع وحتى الشتم في أرجاء بيوتنا.

وعندما تجالس أسرا من ثقافة أخرى تلفت انتباهك هذه السلوكيات فترى الزوجة تطلب من زوجها بلطف “من فضلك ناولني كأس الماء” يبتسم هو ويقدمه إليها بسرور وأمام الأبناء تقول هي “شكرا لك” فيجيبها “عفوا عزيزتي”. تبدو للبعض هذه مسألة تافهة لا تستدعي الاهتمام ولكنها تمرّر طريقة التصرف بشكل ضمني للأبناء الذين بالطبع يحذون حذو والديهم. فيكررون نفس عبارات الشكر عندما يقدم إليهم ما يطلبون. يزرع في داخلهم هذا السلوك بما فيه من لطف في التعامل وجمالية في الردود. فتراهم يقولون ماما من فضلك ناوليني كذا ثم يشكرونها على ذلك. وبالمقابل يرحبون بطلبها شيئا منهم ويطيعونها بابتسامة وسرور.

هذه الردود والتصرفات البسيطة تحمل تداعيات تربوية كبرى فالطفل الذي يشكر والديه والمحيطين به حتى على واجبهم أكيد أنه سوف يقدم أكثر من الشكر عندما يلقى ما هو أكثر من الواجب، عندما يتعلم الشكر يتعلم الامتنان والاعتراف بالجميل بشكل أوتوماتيكي. عندما نثني على تصرفاته ونشكره ونمدحه ننمي في داخله الثقة بالنفس والحب للسلوكيات الجيدة والمحببة لدى عائلته. هذا ليس رأيي الخاص بل هذا ما تؤكده بحوث ودراسات المختصين في التربية وفي علم النفس.

عندنا توجه الأوامر بجفاف لا تقدم في شكل طلب فلا نقول من فضلك أو إن سمحت أو شكرا، ولا نثني على الطفل وهو ما نجد صداه في وعينا الجماعي وفي ثقافتنا. في مقولات مثل: لا نقول للمحسن أحسنت (لأنه واجبه أو أمر مفروغ منه) لكن نقول للمسيء أسأت. هذا ما يطبقه الوالدان مع أبنائهما ببساطة فيتجاهلان الشكر ويعلان اللوم والتقريع ثم العقاب. وتجد الآباء والأمهات اليوم، والذين على ما يبدو يكتسبون مستوى ثقافيا جيدا يناقشون طرق العقاب الأقل تأثيرا على الطفل لكن لا تسمعهم يتحدّثون حول طرق المكافأة والثواب.

وما يلفت الانتباه أكثر في طرق تربيتنا لأبنائنا أننا لا نعاملهم فقط بحزم وشدة بل نلقنهم القسوة وخاصة الذكور. فكثيرا ما يردد الوالدان على مسامع الابن: لا تبك فأنت رجل، ودافع عن نفسك وكن عنيفا مع من يعنّفك أو يحاول ذلك فأنت رجل.. وغيرها من التوصيات التي لا تعلّمه إلا القسوة والعنف.. وتبين له أن البكاء ضعف وأن الرجل لا يجب أن يبكي لأنه قويّ دائما. جلّ النصائح والدعوات المقدمة للطفل الذكر تربّي فيه القسوة وتلقنه أن الحنان ورهافة الإحساس والبكاء جميعها تقصي رجولته لأنها مدخل الضعف.

وعندما نربط انتظارات الوالدين من أبنائهما بطرق التربية اللامتوازنة التي تحدثنا عن جوانب منها، وحين نتناولها من زاوية الفعل والنتيجة تقفز العديد من التساؤلات أمامنا من بينها كيف ننتظر الشكر والبر والامتنان من أبناء ربيناهم على العقاب بدون ثواب وعلى القسوة كأبرز دلالات الرجولة؟ كيف نريد أن تكون لديهم شخصيات متوازنة ونحن ربيناهم بتربية أحادية الاتجاه تعترف فقط بالأخطاء؟ ثم هل يمكن أن يصبح هؤلاء شبانا وكهولا يتعاملون بلطف وعدالة مع عائلاتهم والمحيطين بهم؟

صحافية من تونس

21