يهود اليمن كتبوا قصائدهم العربية بالعبرية

"حمدت يميم".. ديوان شعراء يهود اليمن لأول مرة بالعربية.
الأحد 2021/04/04
سالم الشبزي أمير شعراء يهود اليمن في القرن الـ17

مثل اليهود مكونا أساسيا في الثقافة العربية إلى حدود منتصف القرن الماضي حيث بدأت موجات التهجير التي انطلقت من خلط مغلوط بين الصهيونية بوصفها حركة عنصرية واليهودية كديانة. ومثلت الهجرات المتعاقبة لليهود خسارة كبيرة للثقافة والفنون العربية سواء في الأدب أو التصوير والموسيقى وغيرها من الفنون. ولا يشذ حال يهود اليمن عن هذا الوضع حيث هاجروا ولا أحد يعلم عن أدبهم العربي شيئا.

يشكل "ديوان شعر يهود اليمن" أو "حمدت يميم" أول كتاب يصدر باللغة العربية يتضمن هذا القدر الكبير من الإبداع الأدبي لمواطنين دانوا باليهودية وعاشوا في كنف بلادهم العربية قرونا طويلة، قبل أن تعصف الصهيونية وسياسات دول الغرب وفساد الأنظمة والمجتمعات العربية بكل شيء، ويتم اجتثاثهم من مجتمعاتهم الطبيعية.

وقد جاء إصدار الكتاب في الذكرى السابعة عشرة لتأسيس متحف الموروث الشعبي اليمني ـ ذاكرة التنوع والاختلاف، والذكرى الـ400 لميلاد الشاعر الكبير سالم بن يوسف الشبزي، وهو جهد قام عليه الباحث عبدالكريم سلام المذحجي الذي بذل جهدا  كبيرا في نقل النصوص العربية من الأبجدية العبرية إلى الحروف العربية.

لأول مرة بالعربية

افتتح الديوان، الصادر في جزئين عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، بإهداء جاء فيه “يهدي بيت الموروث الشعبي ‘تراث التنوع والاختلاف‘ – اليمن هذا الكتاب إلى الفيلسوف والمؤرخ والشاعر سالم بن يوسف الشبزي، الذي جسد المشترك الإنساني الجامع بين اليمنيين والديانات، وكان ضريحه ‘القبة البيضاء/ قبة الشبزي‘ في قلعة القاهرة ـ تعز، من أبرز وأهم المعالم الأثرية والتاريخية اليمنية والإنسانية، ومزارا  للمسلمين واليهود على السواء”.

وكان بيت الموروث الشعبي، الذي تأسس في 11 أبريل 2004، وبمناسبة الذكرى السابعة عشرة لإشهاره استئناف نشاطه بالمتاح عبر تفعيل موقعه الإلكتروني وإطلاق إصداراته الحبيسة والجديدة ومتابعة رصد وتوثيق ما تتعرض له معالم وعلامات التراث المادي واللامادي اليمني من هدر ونهب وتقويض وتدمير، بل ومحو ممنهج وغير ممنهج جاوز الحدود، حتى جاءت الحرب لتجهز على المشترك الجامع للشعب اليمني: التراث والتاريخ. حيث اضطر إلى إغلاق أبوابه أمام مرتاديه من الباحثين والسياح وكافة الزوار بشكل نهائي في 2011.

وأشارت أروى عثمان رئيسة بيت الموروث اليمني في مقدمتها إلى قصة هذا الديوان حيث تذكر زيارة حاخام الطائفة اليهودية يحيى يوسف وأهله والعيلوم العم سليمان مرحبي وأهله وبعض اليهود إلى بيت الموروث الشعبي في 2008.

الكتاب يتضمن قصائد وترانيم وموشحات ونصوصا كثيرة عربية اللغة مكتوبة كلها بالأبجدية العبرية
الكتاب يتضمن قصائد وترانيم وموشحات ونصوصا كثيرة عربية اللغة مكتوبة كلها بالأبجدية العبرية

وأضافت “كان لنا شرف استقبالهم بعد ذلك في بيتنا، ثم توطدت علاقتنا في زيارات عائلية متبادلة. وشاركناهم في الندوة التي أقامها المتحف بمناسبة يوم التسامح العالمي 16 – 19 نوفمبر 2009 تحت شعار ‘التسامح إذ يتحدد بالآخر المختلف‘، وكانوا قد أهدوا للمتحف نسخة من ديوان ‘حفص هييم‘ الذي يشتمل على قصائد نادرة لشعراء من يهود اليمن وأهمهم الشاعر والفيلسوف موري سالم بن يوسف الشبزي. وقد قام البيت بنقله إلى العربية على أمل إصداره، لكن الأحداث والحرب حالتا دون ذلك”.

وتتابع عثمان “في هذا العام وفي الذكرى السابعة عشرة لتأسيس متحف الموروث الشعبي ـ ذاكرة التنوع والاختلاف والذكرى الـ400 لميلاد شاعرنا الإنساني الكبير الشبزي يزمع البيت ـ المتحف معاودة نشاطه بحسب الظروف والإمكانيات، بإصدار هذا الديوان لأول مرة باللغة العربية ويتضمن قدرا كبيرا من الإبداع الشعري لليمنيين اليهود، وفي حين يدشن بيت الموروث الشعبي – تراث التنوع والاختلاف نشاطه بهذا الإصدار، فإنه يجدها مناسبة للتعبير عن ألمه الشديد تجاه ما تعرض له إخوتنا اليهود من بطش وتمييز وتنكيل وتهجير قسري مجددا، وتضامنه الكامل مع حقهم في العيش الكريم في بلادهم اليمن، وحقهم في المواطنة، وحقهم في الاختلاف تجسيدا للنص الدستوري الذي خرج به مؤتمر الحوار الوطني الشامل 2013”.

وتتابع “المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة دون تمييز بسبب الجنس أو اللون أو العرق أو الأصل أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي أو الإعاقة، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي أو الوظيفة أو المولد أو أي اعتبارات أخرى. فلا معنى لوطن اسمه اليمن دون يهوده. وإذ يحتفي بيت الموروث الشعبي بالذكرى الـ17 على تأسيسه يود التذكير بأنه سيواصل مشواره ككيان بحثي ومتحفي مؤجل إلى حين، وسيواصل العناية بدراسة الموروث الشعبي وإثرائه بالمعرفة ونشره في المحافل الدولية كذاكرة مفتوحة، وهوية أكثر انفتاحا على المشترك الإنساني وثقافاته المتعددة”.

 وقدم المذحجي للديوان باستعراض الخلفية التاريخية والصلات المحتملة لليمن بالديانة اليهودية ومعتنقيها. ولفت إلى أن الحقيقة الأولى التي يجب إدراكها في الكتاب أنه يندرج ضمن ما يوصف بالكتابات اليهودية – العربية وهي مؤلفات استخدمت فيها الأبجدية العبرية فقط حتى لو كان الكتاب كله أو جزء منه مؤلفا باللغة العربية. وبما أن الأبجدية العبرية تكاد تكون مجهولة تماما في أوساط العرب والمسلمين، فإن معنى هذا أن هذه الكتابات قد كتبت من أجل أن يقرأها اليهود فقط، أو غير اليهود ممن يعرفون الأبجدية العبرية.

وأضاف “بالتأكيد تعتبر هذه طريقة مثلى لضمان عدم اطلاع الغير على مضمون هذه الكتابات، وسنرى لاحقا كيف استخدم هذا الأسلوب للإضرار باستقلال اليمن. وقد استخدمت هذه الطريقة أيضا لحفظ الكثير من النصوص العربية والإسلامية خاصة في الأندلس، وقد ترجمت لاحقا إلى اللغة اللاتينية واللغات الأوروبية الأخرى، وهي الكتب التي ساعدت على وضع الأسس الراسخة لانطلاق الثورة العلمية وعصر التنوير في أوروبا وخاصة كتابات ابن رشد”.

مصاعب الترجمة

Thumbnail

يتضمن الكتاب قصائد وترانيم وتواشيح وموشحات مكتوبة كلها بالأبجدية العبرية، ويشمل كذلك نصوصا كثيرة عربية اللغة. ومن الأسماء التي ضمها الديوان سالم الشبزي، داود سعديا، حسن التعزي، هارون الصمدي، يوسف بن إسرائيل النهيكي وآخرون، وقد أشار المذحجي إلى أن عمله في الكتاب اقتصر فقط على نقل النصوص العربية من الأبجدية العبرية إلى الأبجدية العربية.

ويضيف “من هذا يتضح أنني لم أترجم أي نص أدبي عبري في هذا الديوان كما قد يتبادر إلى الذهن. أما الاسم الأصلي لهذا الديوان فهو ‘حمدت يميم‘، ويمكن ترجمته في عدة صيغ وفي نظري فإن أفضلها هي ‘بهجة الأيام‘ أو ‘الأيام البهيجة‘، وله عنوان فرعي هو ‘ديوان شعر الربي سالم شبزي أمير شعراء يهود اليمن في القرن الـ17، وشعراء آخرين‘، وقد أطلقت على هذا الإصدار اسم ‘ديوان شعر يهود اليمن‘. وبالطبع لا يحتوي هذا الديوان على كل شعر يهود اليمن، وحبذا لو عملت مراكز البحوث في اليمن وخارجه على جمع ونشر ما تبقى من هذا الشعر”.

ويوضح المذحجي أن مواضيع هذا الديوان هي نفس المواضيع التي يطرقها عادة الشعر الحميني بشكل عام في اليمن وهي: الحب والغزل، الحب الروحي والإلهي “الصوفي”، القصص الديني، الاستمتاع بالحياة اليومية بشكل عام، المناسبات الدينية، الأعياد والمناسبات الاجتماعية من ميلاد وختان وزواج وأعراس وموت وتعاز، شعر المناظرات والنقائض بين المدن أو الفنون أو النساء “تعز وصنعاء أو المتزوج والأعزب أو القات والقهوة”.

ويضيف أنه لفهم الشعر الحميني وتذوقه من الضروري تسكين أواخر الأبيات الشعرية ومعظم الكلمات غير المشكلة، أما ما تم تشكيله فمن الضروري قراءته كما هو مشكول بالضبط. كما يجب على القارئ أن يأخذ بعين الاعتبار بعض السمات المشتركة بين لهجات اليمن والعبرية مثل نطق التاء المربوطة هاء ساكنة دائما ما عدا في حالة كون الكلمة مضافة فتنطق عندها تاء. وكذلك تاء المؤنث الغائبة في الأفعال الماضية “مثل: قالت، نزلت، سافرت، كتبت، وغيرها”، فهي تنطق هاء دائما “أي: قاله، نزله، سافره، كتبه، وهكذا”.

ويتساءل هل كل الشعراء الذين لهم النصوص التي يتضمنها هذا الديوان هم من يهود اليمن؟ ويقول “ألا يحتمل أن يكون جامع هذا الديوان قد ضمنه قصائد أيضا لشعراء من اليمنيين المسلمين. لقد بحثت طويلا في هذا الأمر ولم أجد بعد لأي إلا بيتين فقط في كل هذا الديوان يردان في إحدى أغاني الفنان اليمني الراحل محمد حمود الحارثي. ورغم هذه النتيجة الضئيلة إلا أنني أرى أنه من المحتمل جدا أن الديوان يضم نصوصا لشعراء مسلمين”.

ويتابع “هناك سببان يجعلانني أتوقع ذلك: أولهما هو أن عددا مهمّا من نصوص الديوان مجهولة القائل، ولا يحس المرء عند قراءتها بأي نفس أو نكهة يهودية، والسبب الآخر هو أنني أعرف من كتاب آخر صدر في بودابست للسيد باعكر حول شعر يهود اليمن يذكر فيه قصيدة مطلعها: قال ابن الأهدل وافقت… ومع أن هذه القصيدة ليست من النصوص الواردة في هذا الديوان إلا أنني أقول بثقة إنه من المستحيل أن تكون قصيدة هذا مطلعها لشاعر غير مسلم لأن الأسرة التي يحمل لقبها هذا الشاعر ليست فقط أسرة مسلمة شهيرة في كل بلاد اليمن، بل هي فوق وقبل ذلك من أهل البيت الذين يرجعون بنسبهم إلى العترة من آل بيت النبي محمد عليه الصلاة والسلام”.

ويشير المذحجي إلى الصعوبات التي واجهته، قائلا “أهم الصعوبات التي واجهتني هي كونه عملا رائدا في مجاله. فليس لدي علم بأي تجربة مماثلة ومعاصرة في الأدبيات العربية، كان بإمكاني أن أهتدي بها أو أنسج على منوالها. وهناك صعوبة أخرى نجمت مستوى لغتي العبرية المتواضع إذا استثنينا القدرة على قراءة وفهم مقبولين لعبرية التوراة وذلك أمر مختلف تماما عن عبرية اليوم السائدة. ولم يكن زادي من العبرية يمكنني إلا من النظر في النصوص العربية المكتوبة بالأبجدية العبرية مختلطة بغيرها من النصوص والتمكن من تمييزها ونقلها إلى الأبجدية العربية”.

ويضيف “علاوة على ذلك هناك إشكالية أخرى تكمن في أن حروف الأبجدية العبرية عددها 22 حرفا بينما قرينتها العربية أكثر من ذلك بكثير. كما واجهت خلال قيامي بهذا العمل مشكلة كبيرة في بعض القصائد التي صاغها الشعراء باللغتين العربية والعبرية معا بحيث ترد أبيات بإحدى اللغتين ثم تعقبها أبيات باللغة الأخرى، وفي هذه الحالات فقد استخدمت الرمز التالي (***) محل النص العبري، لأنني بأمانة لا أستطيع ترجمة نص أدبي وإبداعي من اللغة العبرية ولم أزعم ذلك أبدا. كما استخدمت ما يلي (*) للفصل بين المقاطع العربية في نفس النص”.

ويكشف أن عدم ترجمة المقاطع العبرية أدى إلى ظهور انقطاعات في تسلسل الأفكار في القصيدة الواحدة، خاصة في القصائد التي نسميها بالأبجدية وهي قصائد تتوالى فيها الأبيات حسب ترتيب الألفباء ويبدأ كل بيت فيها بحرف من حروف الأبجدية حسب الترتيب. وهذا النوع ينفرد به الشعراء اليمنيون مسلمين ويهودا، وهو قديم جدا فالتوراة نفسها تحتوي على عدد لا بأس به من نصوص هذا الفن. أما الحالات التي تستخدم فيها اللغتان العربية والعبرية في البيت الشعري الواحد نفسه فقد ابتعد عنها قدر الإمكان.

ويرى أنه لا يوجد حتى الآن إلا قدر محدود من المعلومات المؤكدة عن الشعراء من يهود اليمن. وأقدم شاعر معروف لدينا من اليمنيين اليهود هو أبراهام ابن خلفون الذي عاش وكتب في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي. ونحن نعرف مثلا أن يوسف بن يسرئيل مشتا أسبق زمنيا من موري سالم الشبزي وينتمي إلى نفس العشيرة لكننا لا نعرف المزيد عنه. والاستثناء الوحيد هو الشبزي وهو الشاعر الذي ينسب له جزء كبير من مضمون هذا الديوان.

نماذج من الديوان:

نَسْل النبي يعقوب

شعر سالم بن يوسف

نسْل النَّبي يعقوب

في السبت معروفْ

في جُمْلة العالَمْ

مَشكورْ وموصوفْ

قد ذا دليلْ واجبْ

في سِر مكشوفْ

من يخرقهْ أوجَبْ

حصبًا وقتلا

(***)

وأعيدنا يا رَبْ

في حيث كنّا

واذكر لنا عهدكْ

في ما وُعِدنا

وَزِيلْ كلْ همٍّ

غمٍّ ومحْنهْ

يا من لنا في الطُّورْ

نورك تجلّى

(***)

سبحان ربّ العرشْ

الفردْ الأوحدْ

ذي خص بني الأسباطْ

شرّفْ وزيّدْ

واعطى لنا التوراةْ

تحْكُمْ وتشْهَدْ

في درسها يُعرَفْ

نهيٌ وفعل

أسأَلْكْ يا ربّي

شعر مشتيا

شاء في رضا جُودهْ

وانزَلْ لنا التوراةْ

ذي فِيهْ ذكَرْ عهْدهْ

بآياتْ مذكوراتْ

وانعَمْ على عبْدِهْ

موسى من الخيراتْ

تمْ كلّمهْ تكليمْ

وافتاهْ في سرِّهْ

شَا جودهُ

واعطَى لهُ

توراتهُ

يومْ خَصَّهُ

في قولهُ

واختارهُ

في يوم غشاءْ النُّورْ

(*)

لهُ اعْتلَمْ خطّ القلمْ

المُعتَلَمْ قلْبهْ سلمْ

في المهْو مشهورْ

(*)

نادوا لهُ من عرشهُ

مرْقومهُ في أمْرهُ

وانبعْ لماء الصُّورْ

وَاجْعلْ عليهْا ترسيمْ

بالبَرِّ نالْ عُذْرا

لا يدْخل الإقليمْ

إلاّ بيَومْ أُخرى

(***)

أسألْكْ يا ربّي

يا باعث الأمواتْ

أنَّكْ تُنيرْ قلْبي

للعلْم في إثباتْ

واغفرْ خَطا ذنْبي

يا قابِل التَّوباتْ

لا ألحظ التهجيمْ

اغلَطْ بسِرْ أمْرا

قصدي أرودْ

ألقِى وَدُودْ

عِلْمهْ مفيدْ

وانـا وحيدْ

ما لي صديقْ مُفْتي

طــَرْفي يـَرومْ

زَيْن الكرومْ

أهـل العلـومْ

تجلِي الهمومْ

صَحْ عندهمْ بّخْتِي

نُوْر القلوبْ

تُصْفِي الذُّنوبْ

من ذا يتـوبْ

 قَبْل الغروبْ

يأتِيْهْ في هَبْتِ

ما عادْ يصحْ لهْ قيمْ

حينْ يلحظهْ عسْرا

والجسم في تسْقيمْ

قد نالَهُ وِزْرا

12