يهود اليمن ما خلفه "بساط الريح" يتلاشى

السبت 2014/03/22
اليهود اليمنيون يتشبثون بتراثهم الأصلي الذي هاجر معهم من اليمن

ارتبط اليهود بتاريخ اليمن لفترات طويلة وكانوا جزءا من المجتمع اليمني وفيما عدا الطرائف الشعبية التي كانت تتحدث عن بخلهم ومكرهم لم يتعرضوا لأعمال عنف تستهدف وجودهم الأصيل في اليمن.

وصلت حالة التناغم والانسجام بين اليهود واليمنيين المسلمين إلى ذروتها في بعض مراحل الازدهار حتى باتت شخصية مثل “الشبزي” الذي عاش في القرن السابع عشر من أكثر الشخصيات احتراما لدى الطائفتين معا ولايزال قبره في محافظة تعز اليمنية مزارا حتى اليوم.

ويلقب اليهود اليمنيون بالعبرية بـ”تيمانيم” ويعتبرون من أقدم الطوائف اليهودية في العالم، حيث يعودون إلى عهود قديمة قبل الميلاد في عهد النبي سليمان حين آمنت الملكة بلقيس بالله.

ويعود أقدم وجود فاعل لليهود إلى زمن الحاكم اليمني ذي نواس الحميري (468 م – 527 م) الذي اعتنق اليهودية وقابل بعنف محاولات الرومان نشر الديانة المسيحية في اليمن، وتنسب إليه محرقة نجران المذكورة في القرآن والتي قام من خلالها بإحراق المسيحيين في أخدود عظيم.

وفي العصر الإسلامي كانت الدول اليمنية المتعاقبة تعامل اليهود كأهل ذمة وفقا لمبادئ الشريعة الإسلامية، وباستثناء دفعهم الجزية لم تكن ثمة علاقة سياسية تشغلهم عن تأديتهم طقوسهم الدينية والانهماك في مهنهم الحرفية التي اشتهروا بها وكانت حتى فترات قريبة حكرا عليهم حتى أنهم أسهموا في تعميم ثقافة الاحتقار والدونية لمن يمارس هذه المهن من أبناء القبائل المسلمين حفاظا على مصادر رزقهم الوفير الذي كانوا يجنونه من صناعات حرفية كانت صياغة المشغولات الذهبية والفضية على رأسها.

إذا استثنينا بعض الحالات الفردية لاحتكاك يهود اليمن بالمسلمين من أبناء القبائل المحيطة بهم نجد أنهم كانوا حريصين على الدوام على عدم ممارسة السياسة، بل كانوا يؤيدون على الدوام الحكام أين كان مذهبهم وكانوا يقفون موقف المتفرج من الصراعات القبلية والسياسية التي كانت ولازالت إحدى أبرز السمات في تاريخ الدولة اليمنية. وعلى الرغم من حرصهم الدائم على تجنب أية صدامات مع حكام اليمن إلا أنهم مروا بفترات كانوا فيها هدفا للتهجير من اليمن وقد كانت أبرز تلك المحطات ما تعرضوا له في القرن التاسع عشر في اليمن من قبل الإمام المنصور الذي اتخذ قرارا بتهجير اليهود من صنعاء إلى تهامة اليمن وحينما تم رفض استقبالهم هناك وتحت ضغط من قناصل بعض الدول الغربية في “المخا” اضطر الإمام المنصور إلى السماح لهم بالعودة.

أسس يهود اليمن في الخارج جمعيات ومنظمات للحفاظ على تراثهم اليمني


رحيل اليهود اليمنيين إلى إسرائيل


يعدّ رحيل اليهود من اليمن إلى إسرائيل أبرز المحطات التي يمكن التوقف عندها. وهناك خلاف حول أول موجة من اليمنيين المهاجرين غير أنه من المؤكد أنهم قد هاجروا من اليمن إلى إسرائيل في وقت مبكر. وتقول بعض المصادر التاريخية إن العام 1882 شهد قيام مجموعة من اليهود قوامها 150 شخصا بمغادرة اليمن، عبر رحلة شاقة دامت 9 أشهر، وصولا إلى القدس.

بينما تؤكد دراسات أخرى أن العام 1910 شهد أول محاولة لاستقطاب يهود اليمن في سبيل الإسهام في بناء المستوطنات والتخلي عن العمال العرب وقد قام “شموئيل يفنيأل” حينها بالسفر إلى اليمن بجواز سفر عثماني لإقناع اليهود بالهجرة إلى “أرض الميعاد”.

واستطاع أن يعود في العام 1911 بحوالي (1000) يهودي ليتوجه بهم إلى القدس، غير أن بعض المصادر التاريخية تؤكد عودتهم إلى اليمن لاحقا بعد أن شعروا بخيبة الأمل وأنه يحاول استغلالهم فقط.

ويقول “يفنيأل” نفسه عن ذلك: “لقد جاؤوا إلى فلسطين ولكنهم لم يستطيعوا العيش فيها بكرامة، فهم لم يجدوا عملا وكل آمالهم وأحلامهم تبعثرت”.

وبمساندة من بريطانيا، التي كانت تحتل عدن، تواصلت عمليات تهجير اليهود من اليمن إلى فلسطين المحتلة وقد تم تهجير 4.267 يهوديا يمنيا خلال الحرب العالمية الثانية في عامي 1943-1944. وقد كشف تفاصيل هذه العملية التي أحيطت بسرية شديدة “شلومو يفيت” اليهودي اليمني الذي ولد في مدينة عدن في العام 1921 وعمل مدرسا فيها، وكان من بين أول فوج مهاجرين عام 1943 في رحلة شاقة عبر “السودان، السويس، عين موسى، سيناء، ثم الوجهة النهائية في مخيم بالقرب من حيفا”، ويقول إن بريطانيا كانت تقوم بتجميع اليهود اليمنيين في معسكر بعدن كانت تستخدمه كمعتقل للسجناء.

يلقب اليهود اليمنيون بالعبرية بـ"تيمانيم" ويعتبرون من أقدم الطوائف اليهودية في العالم

لكن “شلومو” الذي التحق بالجيش الإسرائيلي عاد مجددا إلى عدن عام 1947 بصفة مشرف على مخيم تجميع اليهود اليمنيين في عدن. وقد نشر ألبومات مصورة للمهاجرين خلال وجودهم في المخيم.

في العام 1948، شهدت اليمن أكبر موجة لخروج اليهود منها، حيث سعت الوكالة اليهودية العالمية، عن طريق وسطاء يمنيين، إلى إقناع الإمام يحيى حميد الدين بالسماح لليهود بالهجرة من اليمن وفقا لاتفاق كان يقضي بدفع مبلغ من المال مقابل رحيل كل يهودي إلى إسرائيل والسماح للدولة المتوكلية بشراء كل أملاك اليهود في اليمن.

كانت هذه أكبر عملية ترحيل منظمة من اليمن إلى إسرائيل حيث غادر حوالي 52 ألفا من اليمنيين إلى عدن وتم استقبالهم في معسكرات إيواء برعاية إنكليزية قبل أن يتم نقلهم إلى إسرائيل بواسطة جسر جوي وقد حملت هذه العملية اسم “بساط الريح”.

وقد أشرفت على عمليات التهجير المنظمة وكالة بريطانية كان لها مكتب في عدن، وبتمويل من أحد البنوك البريطانية في عدن إبان الاحتلال البريطاني لجنوب اليمن.

استمر اليهود في الرحيل من اليمن على دفعات حتى العام 1962 حيث قامت الثورة في اليمن وتم إسقاط الحكم الملكي الإمامي، ونظرا إلى ارتباط النظام الجمهوري الجديد بمصر عبدالناصر في ظل اشتداد الصراع العربي الإسرائيلي توقفت عمليات ترحيل اليهود اليمنيين إلى إسرائيل.

وفي عهد حكومة “إسحق شامير” مارست جمعيات يهودية يمنية في إسرائيل برئاسة “افيغدور كهلاني” ضغوطا على حكومة شامير لاستقدام بقية اليهود اليمنيين. فتم خلال الفترة (1992- 1995م) ترحيل نحو (800) يهودي يمني إلى إسرائيل. ويعيش معظم اليهود اليمنيين اليوم في حي “أوشيوت” من مدينة “رحوفوت”.

لكن مع نهاية تسعينات القرن الماضي تغيرت وجهة يهود اليمن، حسب مصادر إعلامية، من إسرائيل إلى مدينة (مونسي Monsey) شمال نيويورك، حيث طائفة “الساتمار” التي لا تؤمن “بدولة إسرائيل” وتعتقد أنها “مؤامرة”، وأن الدولة اليهودية الحقيقية ستقام عند عودة ظهور المسيح.

لكن طائفة “الساتمار” حولت “مونسي” إلى ثكنة للتطرف الديني اليهودي، فأصبح المهاجرون اليمنيون اليهود بين ناري الصهيونية في إسرائيل والتطرف الديني في أميركا.

على مدى أكثر من 15 عاما جندت طائفة “الساتمار” منظمات حقوقية “يمنية” ووكلاء للسفارة الأميركية بصنعاء من أجل استغلال أي ظرف طارئ للدفع باليهود إلى الهجرة إلى مدينة “مونسي” التي كانوا يصفونها لليمنيين بأنها (الأرض الذهبية).

وفي “مونسي” كانت جماعة “الساتمار” تأخذ الأسر اليهودية اليمنية الواصلة حديثا إلى صندوق المساعدات وتجبرهم على ادعاء أنهم كانوا مضطهدين من قبل المسلمين اليمنيين كشرط للحصول على المساعدات. كما أن “الساتمار” كانوا يراقبون تحركاتهم ويعاملونهم كما الرهائن، فهناك خوف كبير جدا من فرارهم إلى إسرائيل حيث أن الصراع عليهم في ذروته بين الوكالات الصهيونية الساعية إلى نقلهم إلى إسرائيل وبين “الساتمار” الرافض لذلك على خلفية معتقدات دينية.

وجوه من متن القصة
◄ عفراء هزاع

اشتهر في إسرائيل واليمن معا العديد من الفنانين والفرق الموسيقية التي تؤدي الغناء اليمني القديم ومن أبرز وأشهر الفنانين من يهود اليمن عفراء هزاع التي تعد أول امرأة يقام لها نصب تذكاري في إسرائيل.

وقد ذاع صيتها بفضل تأديتها لأغان من التراث اليمني القديم بتوزيع جديد متأثر بموسيقى البوب.

ومع نجاحها المستمر تمكنت عفراء من إضافة نقاط جديدة إلى رصيدها الفني من خلال الغناء بلغات مختلفة في مقدمتها العربية، ثم الإنكليزية والفرنسية دون أن يؤثر ذلك في شعبيتها. كما أن مزج الموسيقى الربعية اليمنية مع الآلات الموسيقية الغربية خرج بثوب قشيب وحقق نجاحاً ساحقاً في أميركا وأوروبا ومكّن ذلك عفراء من الفوز بالعديد من الأسطوانات الذهبية والبلاتينية.

ولدت عفراء في عام 1957م وتوفيت في 23 فبراير 2000م. وبعد إعلان خبر وفاة عفراء أو (عوفرة)، قامت محطات الإذاعة الإسرائيلية بإعادة إذاعة أغانيها وبشكل متواصل وقد نعاها رئيس الحكومة في ذلك الوقت إيهود باراك، فيما وصفه بالخسارة الفادحة مشيدا في الوقت ذاته بعملها كممثلة ثقافية لإسرائيل وعلق حينها “لقد جاءت عفراء من هاتيكفاه ووصلت إلى قمة الثقافة الإسرائيلية وبرحيلها تركت أعمق الأثر في أنفسنا”.

◄ الشبزي

هو أشهر يهودي يمني ذاع صيته حول العالم، له (15) مؤلفاً بالعبرية، مات في "تعز" اليمن، وجاهدت إسرائيل لنقل جثمانه إلى تل أبيب، وتوسطت لها الولايات المتحدة، إلاّ أن يهود اليمن ومسلميها رفضوا بشدة، فلم يكن من إسرائيل إلاّ أن أطلقت اسمه على أحد أكبر شوارعها في تل أبيب.

هو (موري شالوم شابازي) الشهير لدى اليمنيين باسم “الشبزي”، وهو رجل دين وشاعر وعالم سكن مدينة تعز، وهو أيضاً حاخام وقاض ومعلم ومشرف على عمليات الزواج والختان للأطفال، إلى جانب قيامه بمهام جامع الجزية من أعضاء الطائفة اليهودية ليقدمها للحكام في ذلك الوقت.

ويذكر أحد المؤرخين الغربيين ويدعى “سنجر” أن الشبزي هو الذي تولى مهمة إقناع الإمام المهدي أحمد بن الحسين بالعفو عن يهود صنعاء والسماح لهم بالعودة إليها عام 1681م بعد أن كان قد أجلاهم عنها إلى منطقة (المخا) وتحديداً إلى منطقة (موزع) بمدينة تعز، وقد أثمرت وساطة الشبزي بالفعل العفو عنهم وضمان عودة آمنة لهم إلى صنعاء حيث عاشوا في حيهم الجديد (القاع) الذي تم إنشاؤه لهم حتى مغادرتهم.

◄ القريطي "مهندس بساط الريح"

أحمد القريطي، أحد تجار صنعاء الذين كانوا يتعاملون مع التجار اليهود، شاءت الصدفة أن يلتقي بتاجرين من يهود صنعاء في عدن ممن كانوا قد هاجروا إلى إسرائيل في وقت سابق ليكتشف أنهما أصبحا يعملان لصالح الوكالة اليهودية ويعرضان عليه المساعدة في ترحيل يهود اليمن إلى إسرائيـــل مقابـــل أجور، فوافق بعد أن طلب موافقة الإمام أحـــمد.

تولى القريطي التواصل مع اليهود اليمنيين في مختلف المناطق وتجميعهم في عدن، وكان يعمل على إطلاعهم على رسائل الوكالة اليهودية، والإشراف على بيع منازلهم وممتلكاتهم، وإنهاء الالتزامات التي بحقهم أو بحق آخرين لهم.. حتى تمكن من ترحيل أكثر من (12) ألف يهودي يمني إلى إسرائيل.

وحين سئل القريطي عما إذا كان يشعر بالندم لترحيل اليهود، أجاب: “يلعن أبوهم لأننا كنا نبحث كيف نخرجهم من اليمن لأنهم كانوا تحت الذمة والإمام يريد طردهم”.


مرارة الخديعة


شعر الكثير من اليهود اليمنيين بالخديعة عندما وصلوا إلى إسرائيل، فقد عوملوا كمواطنين من الدرجة الثالثة في ظل تقسيم اليهود إلى طبقات. وتظل قصة اختفاء أطفال اليهود اليمنيين أكثر المحطات الحزينة في رحلتهم المجهولة. وتعود بدايات هذه القصة إلى حيل اليهود في الفترة من 1948 إلى 1954، حيث تم فصل أطفال اليهود اليمنيين في مخيمات الاستقبال خوفا من تفشي مرض شلل الأطفال بينهم. وتم عزل الأطفال الذين كانت ترتفع درجة حرارتهم، أو كانت تبدو عليهم بوادر أخرى تميز مرضى هذا الوباء، حيث أقيمت لهم أماكن عزل خاصة في المستشفيات. وقد اختفى لاحقا المئات من الأطفال اليمنيين وسرت الإشاعات أنه تم منح أولادهم لليهود “الإشكناز″ لتربيتهم، الأمر الذي تسبب في اندلاع موجة غضب في الخمسينات من القرن الماضي بين صفوف اليهود اليمنيين الذين ردت عليهم السلطات حينها بأن أولادهم قد توفوا وتم دفنهم في مقابر غير معروفة حتى اليوم.

في أحد الأيام، قرر الدكتور موشي ناحوم- وهو الشخص الذي تزعم بعد عدة أعوام الاتحاد العالمي لليهود اليمنيين – البحث في تفاصيل حوادث اختفاء الأطفال اليمنيين، وقد شرح الدكتور موشي ناعوم لأول لجنة حكومية، كانت قد شكلت تحت ضغط اللجنة التي تزعمها، تفاصيل مخيفة وقصصا مرعبة عن الأطفال اليمنيين، الذين وجدهم في بيوت العائلات الأشكنازية. وقد تمكن بعض اليهود اليمنيين بفضل هذا التحرك من استعادة أطفالهم المختطفين.

وتوسعت دائرة الضوء حول هذه القضية في إسرائيل والولايات المتحدة ونشرت إحدى المجلات الأميركية الشهيرة عددا من التقارير الصادمة التي كشفت النقاب عن أن الأطفال نقلوا إلى الولايات المتحدة وبيعوا إلى العائلات الغنية، بخمسة آلاف دولار للفرد، وقد تمّ القبض على اثنين من اليهود المتطرفين في مطار مونتريال، كانوا يحاولون نقل حقائب أودع فيها 3 ملايين دولار نقدي، وقد توصل المحققون الكنديون إلى أن هؤلاء المتطرفين قد حصلوا على هذه النقود لقاء بيعهم 600 طفل في الولايات المتحدة الأميركية وكندا، وأن النسبة الأكبر من المشترين كانت من اليهود غير القادرين على الإنجاب.

في بدايات الستينات من القرن الماضي، كانت قصة الأطفال اليمنيين قد اقتربت من مرحلة الاختفاء النهائي. إلا أنه مع العام 1966 أثير الملف من جديد وتم تشكيل لجان للتحقيق وأثير الموضوع في الكنيست.

ولم تنقطع لجان التحقيق في هذه القضية، ففي العام 2002 تم الاستماع إلى 850 شاهدا، وهو ما أفضى إلى البحث عن جميع الأطفال اليمنيين المختطفين وإيجادهم جميعا ماعدا 27 منهم.

وظلت هذه الحادثة تسبب حزنا وشجنا لليهود اليمنيين حتى اليوم، فقام يهودي قادم من اليمن في العام 2004 في عيد الفصح اليهودي بإصدار مجموعة من الأغاني الشعبية التي قارنت بين الأطفال اليمنيين وما قام به “النازيون في (المحرقة)”، من منطلق أن آلاف الأطفال من اليهود اليمنيين قد تم بيعهم في الولايات المتحدة وأجريت عليهم ذات التجارب التي أجراها الدكتور (الألماني) مينغيل على أسرى السجون النازية. وقد أثارت هذه الأغاني مشاعر اليهود اليمنيين، وهو ما أدى إلى إنهاء الأمر بأعمال شغب.


ما خلفه بساط الريح


تلاشى وجود اليهود في معظم مناطق اليمن وانحصر في بعض القرى في شمال اليمن مثل صعدة وعمران. كان اليهود الذين خلّفهم بساط الريح أشد تشبثا في البقاء في اليمن غير أن الأحداث المتوالية جعلتهم يغيرون رأيهم في وقت لاحق.

مع بداية ظهور جماعة الحوثي في شمال اليمن، وتحديدا في محافظة صعدة، وتصاعد ثقافة الكراهية التي حملتها الجماعة لليهود وإسرائيل، بات وجود يهود اليمن في “آل سالم” في محافظة صعدة أكثر خطورة يوما بعد يوم. ومع تصاعد شعارات الحوثيين التي تردد “اللعنة عل اليهود”، إضافة إلى سيطرة الجماعة عسكريا على المحافظة بعد عدة حروب خاضوها مع الجيش اليمني تم ترحيل يهود “آل سالم” إلى العاصمة اليمنية صنعاء في العام 2007 بعد أن تم توزيع منشورات في قريتهم تمهلهم أياما فقط للمغادرة قبل أن يتعرضوا للإيذاء.

رحل الكثير منهم في وقت لاحق إلى إسرائيل وأميركا والمملكة المتحدة ليلحقوا بأبناء جلدتهم الذين شكلوا مجتمعات صغيرة في البلدان التي سافروا إليها وحافظوا على يهوديتهم ويمنيتهم في نفس الوقت.

رافيد كحلاني: المسلمون اليمنيون ليسوا أكثر يمنية من اليهود اليمنيين، كلهم عرب يعيشون في بلد عربي

كان الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح يوفر رعاية وحماية خاصة لليهود وكان البعض يعتبرها مغازلة لأميركا، حيث وجه بتسكين اليهود الفارين من صعدة في “المدينة السياحية” بصنعاء والمملوكة للقوات المسلحة وصرف مساعدات شهرية لهم من قبل الدولة.

كانت الأحداث المتوالية في فلسطين وما يتعرض له الفلسطينيون من قمع من قبل قوات الاحتلال تنعكس سريعا على اليهود القلائل المتبقين في اليمن. وقد صرح حاخام اليهود اليمنيين بأنه ضد السياسة الإسرائيلية وأنه يتعاطف مثل أي يمني مع الفلسطينيين واختفت “الزنانيز″ التي كانت تميز اليهود في اليمن، ولكن حالة الغضب والسخط ضد اليهود استمرت في التصاعد، بعد أن قام طيار سابق في الجيش اليمني في ديسمبر من العام 2008 بقتل شقيق العيلوم يحي بن يعيش حاخام الطائفة اليهودية في اليمن في منطقة “ريدة” بمحافظة عمران التي كانت آخر القرى خارج العاصمة اليمنية التي يوجد فيها اليهود. وخوفا من تعرض بقية اليهود لمصير مماثل غادروا “ريدة” ولحقوا بأبناء طائفتهم في “المدينة السياحية” بصنعاء التي باتت الملاذ الأخير ليهود اليمن وآخر محطة لهم قبل الرحيل.

وقد شهد قبل ذلك نوفمبر من العام 2007 أزمة جديدة بالنسبة إلى يهود اليمن حيث تزوج الشاب اليمني المسلم “هاني علي هادي سران” من فتاة يهودية تدعى “نينوى سليمان يحيى داود” من سكان “ريدة” بمحافظة عمران، وغيرت الفتاة دينها وفرت مع حبيبها واعتبر اليهود أن ذلك انتهاكا لحقوقهم وتدخلت السفارة الأميركية حينها والسلطات اليمنية لحل هذه المشكلة غير أن هذه الحادثة زادت من خوف اليهود من ذوبان هويتهم.

شيئا فشيئا يتناقص عدد اليهود اليمنيين الذين لم يعد عددهم يتجاوز العشرات اليوم غير أن الحاخام يحيى يوسف موسى يسعى حثيثا إلى الحافظ على قدر من الوجود لهم من خلال مقابلاته التلفزيونية والصحفية مع وسائل الإعلام اليمنية مطالبا بحقوق المواطنة لليهود ومؤكدا على انتمائه إلى اليمن وعدائه لإسرائيل.

كما طالب حاخام الطائفة اليهودية الدولة بمساواتهم في حق شغل المناصب العليا في كافة مؤسسات الدولة، ووقف الحث على الكراهية أو التحريض ضد اليهود في المناهج المدرسية ووسائل الإعلام، وطالب باستعادة مكتبة المخطوطات اليهودية التي تم نهبها من “ريدة”. لقد بات وجود الطائفة اليهودية في اليمن رمزيا أكثر منه حقيقي اليوم.


قاع اليهود


عرف يهود اليمن بتكوينهم مجتمعات صغيرة جغرافيا واجتماعيا في اليمن، حيث سكنوا في مناطق خاصة بهم مثل منطقة “القاع″ في صنعاء التي لازالت تسمى حتى اليوم “قاع اليهود”.

وعلى الرغم من تغيير اسم المنطقة رسميا إلى “قاع العلفي” لكن ظل كثير من اليمنيين يحتفظون بتسميته القديمة “قاع اليهود”، لأنه المنطقة الوحيدة في اليمن التي أوجدتها الظروف لليهود حصريا.

تعود قصة هذه المنطقة إلى فترات قديمة حين كان اليهود يتوافدون إلى صنعاء من المناطق المحيطة بها لغاية المتاجرة في أسواقها، وكان البعض يضطر إلى المبيت داخل صنعاء التي كانت محاطة بأسوار، إلى أن قامت مجموعة من المسلمين بمهاجمة مكان لليهود وقتل ثلاثة منهم بتهمة بيع الخمور، أعقبها توتر ضد اليهود عامة، فأصبحوا يخافون المبيت داخل أسوار صنعاء. لذلك نشأ قبيل نهاية القرن التاسع عشر مكان خارج أسوار صنعاء لتجمع اليهود القادمين من مناطق أخرى بعيدة للمتاجرة، فظهرت دكاكين صغيرة ثم أماكن مبيت، وشيئا فشيئا تحول المكان إلى منطقة سكنية لليهود عرفت باسم “قاع اليهود”، وقد وهب الإمام آنذاك تلك الأراضي التي شغلوها لساكنيها.

منطقة “قاع اليهود” حسب ما كتب المؤرخون توزعت إلى 20 حارة ولكل حارة كنيس “معبد” أو اثنان، حيث وصل عددها إلى 39 معبداً، لكن تصاميم مباني القاع ظلت عشوائية ومتزاحمة.

وأصبح في القاع سوق كبير يقصده المسلمون واليهود معا لاحتوائه على أفضل صاغة الذهب والفضة والحدادين وصناع الجلود والبنائين وغيرهم من أصحاب الحرف التي اشتهر اليهود بمزاولتها. وعندما بدأت الهجرة إلى إسرائيل في 1947 قام اليهود في أغلبهم ببيع بيوتهم ودكاكينهم قبل سفرهم، ويقال إن الإمام يحيى هو من أجبر كل من سيهاجر ببيع ممتلكاته.

لازال اليهود اليمنيون يتشبثون بتراثهم الأصلي الذي هاجر معهم من اليمن، يغلبهم الحنين إلى وطنهم الأم، الذي يعبرون عنه في إسرائيل وأميركا وبريطانيا التي تضم معظم أعدادهم، من خلال أعراسهم ذات الطابع اليمني ومحافظهم على الزي اليمني والمائدة اليمنية والأغاني التي يتغزلون فيها بوديان اليمن وجباله والتي تلاقي رواجا هائلا وشعبية منقطعة النظير عند اليمنيين. وحرصوا على تناول الأطعمة اليمنية بما في ذلك مضغ نبتة “القات” التي زرعوها في إسرائيل.

كما أسسوا جمعيات ومنظمات للحفاظ على تراثهم اليمني مثل جمعية “نتانيا” التي تحمي أصالة الرقص اليمني في إسرائيل وبيت الموروث الشعبي اليمني في (روش حايين) الذي أنشأه المهاجرون اليمنيون كجزء من الاعتزاز بهويتهم اليمنية وتراثهم الأصلي.

قال زعماء الطائفة اليهودية في اليمن إن عدد من تبقى من أفرادها في هذا البلد لا يتعدى 370 فردا، وإن هذا العدد في تراجع


موسيقى عالمية بنكهة يمنية


رافيد كحلاني، ييمني في إسرائيل أسس الفرقة الرائعة "يمن بلوز" Yemen Blues ويقول حول ذلك: “منذ قديم الأزل يعيش اليهود في اليمن”. ويرى أن اليهود اليمنيين (أو اليهود من تيمان، “الجنوب البعيد” مثلما تعني الكلمة في اللغة العبرية) كانوا جزءا لا يتجزأ من الثقافة اليمنية. ويضيف: “اليهود اليمنيون هم يهود عرب، والمسلمون اليمنيون هم مسلمون عرب. المسلمون اليمنيون ليسوا أكثر “يمنية” من اليهود اليمنيين، كلهم عرب يعيشون في بلد عربي”.

أسس كَحَلاني فرقة تواصل السير على درب تراث الأناشيد التي تتردد منذ مئات السنين في المعابد اليهودية اليمنية وتراث الموسيقى العربية التقليدية. في فرقته "يمن بلوز" يمزج كحلاني بجرأة أنواعا مختلفة من الموسيقى، مثل الجاز والفَنك Funk والسول Soul ، بل وأيضا موسيقى الغريوت Griot من غرب أفريقيا، والتراث اليهودي القديم والعربي الإسلامي في شبه الجزيرة العربية. بلا مشقة تتضافر هذه الأساليب الموسيقية المتباينة كل التباين، مفرزة ثمرة جديرة بالإعجاب.

ومثلما يستخدم كَحَلاني أساليب موسيقية متنوعة، فإنه يمزج بلا خجل لغات مختلفة في أغانيه، “إنني استخدم اللغة التي تتوافق على أفضل نحو مع النغمة الموسيقية. اللغات الأساسية التي استخدمها هي اللهجة اليمنية واللغة العبرية”. بالإضافة إلى ذلك نجد في أغاني الفرقة كلمات تمزج بين اللهجة المغربية واللغة الفرنسية.

6