يهود اليمن يرحلون على بساط جماعة الحوثي

أخرجت إسرائيل خلال الأيام الماضية حوالي 17 يهوديا من اليمن ونقلتهم إلى أراضيها في عملية سرية ومعقدة، قال مراقبون إنه ما كانت لتتم لولا مساعدة من الحوثيين الذين ساعدوا على تهجير آخر المتبقين من إحدى أقدم المجموعات اليهودية في العالم، عبر سياسة الكيل بمكيالين، التي ترفع في الظاهر شعار الموت لإسرائيل والعداء لليهود بينما تقوم في السر بعقد صفقات ضخمة بينهم وبين الإسرائيليين.
الأربعاء 2016/03/30
أغلى هدية

صنعاء – ظلّ وجود اليهود اليمنيين مرتبطا بالصراعات السياسية في البلاد منذ وقت مبكر، كما ارتبطت هجراتهم المتتالية بصفقات بات بعضها شهيرا ولا زال الكثير منها حبيس أدراج المفاوضات السرية.

أثارت هجرة 17 من آخر يهود اليمن إلى إسرائيل في منتصف الشهر الجاري، حالة من الاستياء الشعبي وعلامات الاستفهام الكبيرة، واتهم ناشطون وإعلاميون يمنيون الجماعة الحوثية بعقد صفقة ما، أفضت إلى تسهيل هجرة ما بقي من اليهود اليمنيين، ومعهم نسخة نادرة من “التوراة” يعود تاريخها لسبعة قرون على الأقل.

وكشفت صحف عبرية النقاب عن تلقّي جماعة الحوثي، التي سمحت لليهود بالسفر عبر مطار صنعاء الدولي، مبالغ مالية كبيرة. وأشارت صحيفة يديعوت أحرنوت إلى أن السرية اكتنفت عملية نقل اليهود إلى إسرائيل، نظرا للوضع الأمني السيء في اليمن، فضلا عن صعوبات لوجستية ولفتت الصحيفة إلى أن الوكالة اليهودية استعانت بالخارجية الأميركية التي ساهمت في الماضي في عمليات نقل يهود من اليمن إلى إسرائيل.

وحظيت هذه الدفعة من اليهود اليمنيين باهتمام إعلامي وسياسي بالغ، حيث قام رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باستقبال المهاجرين واطلع على نسخة التوراة قبل أن يتم استضافة اليهود في مركز لاستيعاب المهاجرين الجدد في مدينة بئر السبع، بحسب مصادر إعلامية إسرائيلية.

على الرغم من كون هذه المرة ليست بالأولى التي يتمكّن فيها يهود يمنيّون من مغادرة البلاد والوصول إلى الأراضي المحتلة، إلا أنها الأولى التي يتم فيها ذلك بشكل رسمي وفي زمن سيطرة الجماعة الحوثية التي ترفع شعارات العداء لليهود وإسرائيل.

ولم يستبعد المحلل السياسي اليمني ياسين التميمي، في تصريح لـ”العرب”، أن تكون هجرة اليهود الـ17، جاءت في إطار صفقة ذات طابع سياسي. وقال التميمي”الحوثيون يحاولون بصفقة كهذه التسويق لمشروعهم الذي يكاد يحتضر تحت وقع الضربات العسكرية للجيش الوطني والمقاومة والتحالف العربي”.

الجماعة الدينية المتشددة لا تجد بأسا في أن يكون اليمن خاليا من اليهود، وهو الأمر الذي تشير آخر الدراسات إلى أنه بات وشيكا

وأضاف مؤكّدا أنه “ثمة مقايضة تمّت بين هذا الإسناد الذي تقدّمه منظمات حقوقية وإغاثية دولية لليهود وبين التورط الحوثي في تأمين هجرة الـ17 يهوديا، وهي هجرة قسرية بالأساس، لأنه لولا التضييق الذي مارسه الحوثيون على الجميع في صعدة وعمران، لما أقدم هؤلاء اليهود على الهجرة”.

هجرات يهود اليمن

يعتبر الكثير من الباحثين أن تهجير اليهود اليمنيين شهد أزهى عصوره في زمن أسلاف الحوثيين من أئمة الزيدية في اليمن الذين دأبوا على عقد الكثير من الصفقات السياسية مقابل السماح بهذا النوع من النزوح الجماعي الذي تم إجبار الكثير من اليهود اليمنيين عليه في مراحل متعددة.

وتعود أقدم موجات الترحيل من هذا النوع لبداية القرن التاسع عشر حينما اتخذ الإمام المنصور قرارا بتهجير اليهود من صنعاء إلى تهامة اليمن وحينما تم رفض استقبالهم هناك وتحت ضغط من قناصل بعض الدول الغربية في “المخا” اضطر الإمام المنصور إلى السماح لهم بالعودة.

وفقا للكثير من المصادر التاريخية فقد شهد العام 1882 رحيل موجة مبكرة من اليهود اليمنيين بلغت حوالي 150 مهاجرا في رحلة شاقة استمرت ما يقارب العام قبل الوصول إلى القدس. وشهدت مناطق أقصى شمال اليمن، التي تعد اليوم أبرز معاقل الحوثيين، أكبر موجات الهجرة لليهود، حيث شهدت الفترة من العام 1907 إلى 1909 موجات هجرة جماعية من مناطق محافظة صعدة على وجه التحديد.

وتؤكد العديد من الدراسات التي سلطت الضوء على مراحل هجرات يهود اليمن أن العام 1910 شهد أول محاولة لاستقطاب يهود اليمن في سبيل الإسهام في بناء المستوطنات والتخلي عن العمال العرب من قبل ما يدعى “منظمة العامل الصغير”.

ياسين التميمي: هجرة اليهود الـ17 جاءت في إطار صفقة ذات طابع سياسي

بساط الريح.. العملية الأكبر

بحسب العديد من الدراسات فقد بلغت موجات النزوح الكبرى ليهود اليمن خلال القرن التاسع عشر ست موجات متتالية، من خلال عمليات ترحيل ممنهجة لم تتوقف، إلا أن الكثير من الباحثين يعتبرون أن عملية “بساط الريح” أو “البساط السحري”، كما أطلقت عليها الوكالة اليهودية العالمية هي الأكبر على الإطلاق، حيث استهدفت تهجير آلاف اليهود من مختلف مناطق اليمن وفقا لبرنامج زمني استمر لعامين تقريبا.

وقد بدأت أولى عمليات بساط الريح مع مطلع العام 1948، عن طريق وسطاء يمنيين تمكنوا من إقناع الإمام أحمد حميد الدين بالسماح لليهود بالهجرة من اليمن وفقا لاتفاق كان يقضي بدفع مبلغ من المال مقابل رحيل كل يهودي إلى إسرائيل والسماح للدولة المتوكلية بشراء كل أملاك اليهود في اليمن. ويعد التاجر الصنعاني أحمد القريطي، أحد أبرز من تولوا هذه المهمة من خلال علاقاته بالتجار اليهود الذين التقاهم في عدن، والذي قام بالتواصل مع الإمام في صنعاء لتسهيل عمليات تهجير اليهود من الشمال إلى مدينة عدن، حيث كان يتم نقلهم عبر الجو.

وتشير الكثير من التقارير إلى أن إجمالي من تم نقلهم من يهود اليمن من مختلف المناطق من خلال هذه العملية بلغ أكثر من 52 ألفا من اليمنيين، تم نقلهم إلى عدن حيث استقبلوا في معسكرات إيواء برعاية إنكليزية قبل أن يتم نقلهم إلى إسرائيل بواسطة جسر جوي. وقد أشرفت على عمليات التهجير المنظمة وكالة بريطانية كان لها مكتب في عدن، وبتمويل من أحد البنوك البريطانية في عدن إبان الاحتلال البريطاني لجنوب اليمن.

صفقات وصراعات

ساهمت الصراعات التي شهدها اليمن منذ قيام الثورة في العام 1962 في استمرار رحيل اليهود اليمنيين وإن بشكل أقل جرأة، نتيجة وصول قيادات قومية مرتبطة بالنظام الناصري إلى سدة الحكم في صنعاء وخلال هذه الفترة لم يتم رصد واضح لعدد المهاجرين من يهود اليمن. غير أن عودة الصراع السياسي الذي شهدته اليمن بعد قيام الوحدة اليمنية في العام 1990 وتطوره إلى حرب في صيف عام 1994، ومن ثم انتقال الصراع المسلح إلى شمال اليمن واندلاع المواجهات بين الحكومة اليمنية والحوثيين وكذا ظهور الجماعات الإسلامية المسلحة مثل القاعدة، كل هذه الأمور أعادت للواجهة مسلسل هجرة اليهود اليمنيين مجددا، وقد تم خلال فترة حكم رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير خلال الفترة (1992-1995) ترحيل نحو 800 يهودي يمني إلى إسرائيل.

في الفترة اللاحقة طرأ تحول نوعي، وفقا لمراقبين، في اتجاه هجرة اليهود اليمنيين، وخصوصا مع نهاية عقد التسعينات من القرن الماضي، حيث تغيرت وجهة يهود اليمن من إسرائيل نحو مدينة مونسي شمال نيويورك، حيث معقل طائفة الساتمار، التي لا تؤمن بدولة إسرائيل وتعتقد أنها مؤامرة، وأن الدولة اليهودية الحقيقية ستقام عند عودة ظهور المسيح.

ساهمت الصراعات التي شهدها اليمن في استمرار رحيل اليهود اليمنيين، نتيجة وصول قيادات قومية مرتبطة بالنظام الناصري إلى سدة الحكم

وعلى مدى أكثر من 15 عاما جندت طائفة الساتمار منظمات حقوقية يمنية ووكلاء للسفارة الأميركية بصنعاء من أجل استغلال أي ظرف طارئ للدفع باليهود إلى الهجرة إلى مدينة مونسي التي كانوا يصفونها لليمنيين بـ”الأرض الذهبية”.

في مونسي كانت جماعة الساتمار تأخذ الأسر اليهودية اليمنية الواصلة حديثا إلى صندوق المساعدات وتجبرهم على ادعاء أنهم كانوا مضطهدين من قبل المسلمين اليمنيين كشرط للحصول على المساعدات.

وكان الساتمار يراقبون تحرّكاتهم ويعاملونهم كالرهائن خوفا من فرارهم إلى إسرائيل، حيث أن الصراع عليهم كان في ذروته بين الوكالات الصهيونية الساعية لنقلهم إلى إسرائيل وبين الساتمار الرافضين لذلك على خلفية معتقدات دينية. وانعكس تفاقم الأوضاع السياسية في اليمن بشكل مباشر على الأقلية اليهودية التي كانت حتى ذلك الوقت ترفض مبدأ الهجرة وتفضّل البقاء في وطنها الأم، وقد ساهم ظهور جماعة الحوثي في شمال اليمن بما تحمله من شعارات معادية لليهود في انتشار حملة كراهية تجاه هذه الأقلية، وظهرت نتائج هذا الشحن في العام 2007 عندما قام الحوثيون بترحيل يهود آل سالم إلى العاصمة اليمنية صنعاء، بعد أن وزعوا منشورات في قريتهم تمهلهم أياما فقط للمغادرة قبل أن يتعرضوا للقتل.

وتصاعدت أعمال من نوع آخر نتيجة لانتشار أفكار جماعات متشددة معادية لليهود، الأمر الذي أدى لنزوح عدد كبير منهم من محافظة عمران إلى العاصمة صنعاء، بعد قيام طيار سابق في الجيش اليمني في ديسمبر من العام 2008 بقتل شقيق العيلوم يحيى بن يعيش حاخام الطائفة اليهودية في اليمن في منطقة ريدة بمحافظة عمران.

وشهدت الأعوام التالية نتيجة انهيار الوضع الأمني تناقصا مطردا في عدد اليهود اليمنيين وخصوصا عقب العام 2011 الذي شهد مقتل المعلم ماشا النهاري، كما أقدم أحد الأشخاص في العام 2013 على قتل يهودي آخر هو هارون زنداني.

وتفاقمت المخاطر الأمنية المحدقة باليهود اليمنيين مع سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، وبدا أن الجماعة الدينية المتشددة لا تجد بأسا في أن يكون اليمن خاليا من اليهود، وهو الأمر الذي تشير آخر الدراسات إلى أنه بات وشيكا للغاية أو ربما حصل بالفعل مع هجرة العدد الأخير من يهود اليمن.

6