يهود تركيا: تعايش مجتمعي وإقصاء سياسي

أثار خبر حول مخطط صادر عن تنظيم الدولة الاسلامية “داعش” لشن هجمات ضد اليهود في تركيا تساؤلات حول المكون اليهودي في تركيا كأقلية دينية تعيش منذ عقود في المدن التركية وتشتهر بنفوذها الاقتصادي والاجتماعي، في المقابل تعاني استبعادا سياسيا حيث لا توجد شخصيات سياسية تركية فاعلة ومشهورة من أصول يهودية، ولعل ذلك يرجع إلى أن اليهود عرفوا في تركيا بأنهم من أنصار علمانية الدولة التي تتيح لهم حرية الفكر والمعتقد وتمنحهم حرية ممارسة طقوسهم وشعائرهم الدينية.
الأربعاء 2016/03/30
يمارس اليهود الأتراك احتفالاتهم بكل أريحية

أنقرة- نقلت محطة سكاي نيوز البريطانية عن مصادر مخابراتية قولها إن تنظيم الدولة الإسلامية لديه “خطط متطورة” لقتل أطفال يهود في تركيا من خلال استهداف رياض الأطفال والمدارس ومراكز الشباب، وقال سام كيلي محرر الشؤون الخارجية في سكاي نيوز إن المعلومات المتعلقة بوجود خطر “وشيك” تم الحصول عليها من ستة ناشطين اعتقلوا على مدى الأسبوع الماضي في مدينة غازي عنتاب جنوب تركيا. وحددت بعض المواقع مثل الكنيس اليهودي في حي بيوغلو في إسطنبول والمدرسة المجاورة له على أنها الأهداف الأكثر احتمالا لشن هجوم عليها.

وقال مصدر مخابراتي للموقع الإلكتروني لسكاي نيوز إنه “في ضوء هذه الظروف يتم اتخاذ إجراءات أمنية استثنائية بخلاف حالة التأهب العليا المعلنة بالفعل من جانب الشرطة التركية، بالإضافة إلى التحلي باليقظة داخل الجالية اليهودية. من جهتها حثت إسرائيل، الثلاثاء، مواطنيها الذين يزورن تركيا على مغادرتها “بأسرع ما يمكن” تحسبا لاحتمال وقوع هجمات، في المقابل التزم المسؤولون الأتراك الصمت، وامتنعوا عن التعليق على المعلومات التي أوردتها سكاي نيوز حول قيام تنظيم الدولة الإسلامية بالتخطيط لشن هجمات ضد أطفال يهود في تركيا.

وتتراوح أعداد اليهود الأتراك ما بين 25 و30 ألف يهودي يتمركز أغلبهم في إسطنبول ويعملون في التجارة والصياغة وتشهد أعمالهم إقبالا وازدهارا لما اشتهروا به لدى الأتراك من إتقان وجدية في العمل ولسمعتهم الطيبة في التجارة التي تتخطى الحدود التركية، إلى جانب اشتغالهم في المهن الحرة والحرف، وبحسب قراءات تاريخية فإن تمركز اليهود الأتراك في إسطنبول وفي إزمير يعود إلى عهد الامبراطورية العثمانية حيث سمحت لهم بالسكن في المدن قرب الأسواق والمرافئ التجارية، ويعود تواجد أغلبهم في الأراضي التركية إلى أواخر القرن الخامس عشر عندما لجأ أسلافهم إلى الامبراطورية العثمانية هربا من محاكم التفتيش الأسبانية.

تاريخيا تمتّع اليهود بمركز مهم في المجال الاقتصادي في تركيا كما انخرطوا في الحياة الاجتماعية وكانت لهم سمعة طيبة بين مواطنيهم الأتراك ولم يعرفوا بإثارة المشاكل على أنهم أقلية دينية كما أثر نفوذهم الاقتصادي في حصولهم على مكانة رفيعة داخل المجتمع سواء لدى المسلمين الذين يمثلون المكون الأكبر أو لدى باقي مكونات المجتمع. وإلى اليوم تتمتع الأقلية اليهودية بنفوذ اجتماعي واقتصادي واسع في الدولة ولا نجد معلومات تفيد بأنهم أقلية دينية مضطهدة في المجتمع التركي ذي الأغلبية المسلمة، ورغم أن هذه الأقلية عرفت في الداخل التركي بأنها من أبرز مؤيدي العلمانية في تركيا إلا أنها لم تتعرض للاضطهاد وفي الوقت ذاته لا تعيش وضعا مثاليا لأنها تعاني من الاستبعاد السياسي منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكم والمعروف بمعاداته لعلمانية الدولة ولرغبته في تقويض هذا الموروث الثقافي وتعويضه بكل ما هو إسلامي.

أعداد اليهود الأتراك تتراوح ما بين 25 و30 ألف يهودي يتمركز أغلبهم في إسطنبول ويعملون في التجارة والصياغة

ومن أشهر الفئات اليهودية المعروفة في تركيا نجد يهود “الدونمة” وهو لفظ يعني العودة باللغة التركية، وقد أطلقت عليهم هذه التسمية بعد تعرضهم لمضايقات في عهد الامبراطورية العثمانية اضطرتهم للتظاهر باعتناق الإسلام وإطلاق أسماء إسلامية على مواليدهم، وهو ما ترك أثره في تماهيهم وانصارهم صلب المجتمع التركي لكنهم احتفظوا بديانتهم في وجدانهم وتكتموا على آداء طقوسهم الدينية سرا، ويقال إنهم لعبوا دورا تاريخيا في إضعاف الحكم العثماني من جهة وقاموا بدعم الفكر العلماني ونشره مستغلين نفوذهم الاقتصادي وتأثيرهم الاجتماعي والإعلامي وشاركوا بفاعلية في دعم جهود كمال أتاتورك لتأسيس الدولة العلمانية ورغم انتهاء فترة تركيا الكمالية إلا أن تمتع اليهود بالنفاذ الاقتصادي والاجتماعي استمر لكن واكبه إقصاء سياسي خاصة بعد صعود الأحزاب الإسلامية في تركيا.

وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم جعل اليهود الأتراك يعيشون حالة من التخبط والحساسية من التمييز خاصة لعدم إشراكهم في المواقع الإدارية والسياسية وذلك خلال الفترات التي تتأزم فيها العلاقات التركية الإسرائيلية بسبب مساعي حزب العدالة والتنمية والرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إظهار دعمه للقضية الفلسطينية وإدعائه البطولة والشجاعة في نعته الإسرائليين بالهمجيين واتهامهم بارتكاب جرائم في حق الطفولة وفي حق الإنسانية خاصة بعد كل ضربة توجه لغزة، لكن في الأسابيع القليلة الماضية أصبح أردوغان يدافع عن إسرائيل ويعتبرها دولة شريكة لتركيا وبالطبع الغايات التي خلفت هذا التضارب والازدواجية في الموقف ترتبط بحسابات سياسية لكن انعكاساتها ترجع بالفائدة ضرورة على اليهود.

وما يدعم مكانة اليهود الأتراك ويجعل الحكومة حريصة على حمايتهم من التهديدات التي قد تستهدفهم أن الحكومة التركية تسعى اليوم جاهدة لتحسين صورتها في المحافل الدولية، وتطبيق معايير الاتحاد الأوروبي، الذي تطمح في الانضمام إليه، بالتقرب من الأقليات، ومنحها بعض مطالبها كما يعتبر اليهود في هذا السياق ورقة سياسية رابحة تستحق الرهان عليها لكسب التأييد الأميركي وتوطيد العلاقات التركية الأميركية الإسرائلية.

12